تقارير

ملف الأزمة الإيرانية (2002-2026)

نظرة على أصول أزمة النووي الإيراني وما وصلت إليه الأمور بعد بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية. 

ظلت مسألة البرنامج النووي الإيراني محل صراع سياسي وأيديولوجي امتد لنحو عقدين قبل بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية نهاية فبراير من العام الحالي. تشكلت خلال هذين العقدين العديد من المواقف وظهرت الوساطات والحلول والترتيبات التي سعت في مراحل مختلفة إلى منع وقوع الحرب وتلافي سيناريو الأحداث التي نعيشها حاليًا. في يونيو 2025 ومع سقوط أولى القنابل الإسرائيلية على مقرات القيادة الإيرانية في مطلع حرب الإثني عشر يومًا، بدأت مرحلة جديدة عنوانها المواجهة العسكرية، وتحققت خلالها مخاوف ظلت لفترة طويلة حبيسة مقالات التحليل الجيوسياسي، قبل أن تتحول إلى وقائع وأخبار عاجلة. كيف وصلت الأمور إلى هذه المرحلة؟ 

يقدم هذا المقال استعراضًا لأبرز محطات المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية، أو ما يستحق بجدارة اسم حرب الخليج الثالثة.  

2002: مؤتمر صحفي لجماعات إيرانية معارضة بالخارج أعلنت فيه عن وجود منشأتين نوويتين في إيران، الأولى لتخصيب اليورانيوم في نطنز، والثانية للماء الثقيل في أراك؛ اليورانيوم المخصب والماء الثقيل هما عنصران يدخلان في صناعة السلاح النووي. في هذا العام كذلك وصلالصراع السياسي الداخلي الإيراني إلى ذروته بين المحافظين المدعومين من الحرس الثوري، والإصلاحيين الذين يقودهم الرئيس المعتدل محمد خاتمي حينها. ومع الكشف عن وجود هاتين المنشأتين، بدأ التدقيق الدولي في الأنشطة النووية الإيرانية، ودخلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية على الخط.  

2003: الولايات المتحدة الأمريكية تغزو العراق. في أعقاب الحرب، وافقت إيران مؤقتًا على تعليق أنشطة التخصيب بعد اتفاق مع بريطانيا وفرنسا وألمانيا، فيما عرف بعد ذلك بإعلان طهران. نص الاتفاق على التزام إيران بوقف أنشطة تخصيب اليورانيوم بشكل طوعي ومؤقت كإجراء لبناء الثقة، بالإضافة إلى التوقيع على البروتوكول الإضافي لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووي

2005: وصول محمود أحمدي نجاد إلى مقعد الرئاسة في إيران بمواقف أكثر تشددًا حيال الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما اعتبر عودة قوية للتيار المحافظ بعد انتهاء ولاية الرئيس محمد خاتمي. 

2006: استئناف إيران لنشاط التخصيب والبداية الحقيقية للأزمة. في تلك السنوات كان نتنياهو ما زال بعيدًا عن الحكم بعد فترته الأولى في رئاسة الوزراء من 1996 إلى 1999، في فترة اتسم الصراع السياسي الداخلي في إسرائيل خلالها بالتناوب على الحكم بين حزب العمل المحسوب على اليسار والوسط، وحزبي الليكود وكاديما، المحسوبان على اليمين. وفي تلك الفترة، أحالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن لأول مرة، الذي أصدر القرار 1737 لتجميد أصول شخصيات ومؤسسات مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني

2007: شهد هذا العام توسعًا للعقوبات على إيران بقرارات أخرى من مجلس الأمن. وبالتزامن مع ذلك، كان نفوذ الحرس الثوري الإيراني في ازدياد داخل إيران كقوة عسكرية واقتصادية.

2008: ظهور تقارير دولية عن قيام إيران بزيادة عدد أجهزة الطرد المركزي في نطنز من 3000 جهاز إلى 4000. وبدأ الحديث عن توجيه ضربات عسكرية لإيران  بشكل أكثر تحديدًا من ذي قبل.  

2009: العام الحاسم في الفصل ما قبله وما بعده. في ذلك العام أعيد انتخاب أحمدي نجاد رئيسًا في ظل الأزمة السياسية المحتدمة مع الغرب حول البرنامج النووي. وشهدت نتيجة الانتخابات احتجاجات واسعة داخل إيران، تعاملت معها الحكومة الإيرانية أمنيًا بالاعتقالات وفض التظاهرات. في العام نفسه عاد نتنياهو إلى الحكم في إسرائيل، حيث سيظل حتى عام 2021. شهد العام أيضًا الكشف عن منشأة فوردو لتخصيب اليورانيوم بالقرب من مدينة قم، وعلى عمق كبير تحت الأرض.  

احتجاجات في طهران خلال الاضطرابات التي أعقبت انتخابات 2009 (Milad Avazbeigi)

2010: صدور أقسى قرار أممي بالعقوبات ضد إيران، متضمنًا عقوبات أوسع وقيودًا مالية أكثر شمولًا وتركيزًا أكبر على الحرس الثوري كهدف لهذه العقوبات. وفي الفترة نفسها، ظهر ما يعرف بفيروس Stuxnet الذي ظل في دورة الأخبار لفترة طويلة. هذا الفيروس الإلكتروني أصاب وحدات التحكم في أجهزة الطرد المركزي والعمليات الصناعية بالبرنامج النووي الإيراني وتسبب بأضرار كبيرة. يُعتقد أن الفيروس تم تطويره بالشراكة ما بين إسرائيل والولايات المتحدة، ولكن لا توجد تصريحات رسمية تؤكد هذا.

2011: اتساع البرنامج النووي الإيراني، واتجاه الولايات المتحدة وأوروبا لفرض عقوبات نفطية على إيران، وإصدار مجلس الأمن للقرار 1929 بعقوبات جديدة. 

2013: شهد هذا العام تطورًا غيّر مسار الأمور بشكل نعرف الآن أنه لن يدوم. في إيران فاز الرئيس شبه الإصلاحي حسن روحاني بالرئاسة، بنهج أقل تشددًا وأكثر انفتاحًا على الغرب، وبداية الزخم الدبلوماسي الذي سيتكلل لاحقًا بالاتفاق النووي مع الولايات المتحدة. هذا العام أيضًا كان الثاني في الفترة الثانية للرئيس باراك أوباما في الولايات المتحدة. وفي إسرائيل، اتخذ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو موقفًا متشددًا من المفاوضات وما وصفه بصفقة سيئة ستؤدي إلى امتلاك إيران لسلاح نووي، وكثّف نشاطه الدبلوماسي الدولي بخطاب يشكك في التزام إيران بأي اتفاق محتمل وشفافيتها حيال ما لديها من أصول نووية، بينما كان المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون في جنيف يعملون مع الأوروبيين لوضع النقاط على حروف الاتفاق النووي التاريخي لعام 2015، والمعروف باسم JCPOA أو خطة العمل الشاملة المشتركة. هذا الاتفاق نص على خفض مستوى التخصيب وتقليل عدد أجهزة الطرد المركزي وحجم مخزون اليورانيوم بحوزة إيران، وفتح المنشآت النووية الإيرانية الغامضة أمام التفتيش الأممي بقيادة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكل ذلك مقابل رفع للعقوبات الأممية والأمريكية بنسب مختلفة وبشكل متدرّج. 

صورة لوزراء خارجية الدول التي وقّعت اتفاق لوزان النووي عام 2015 (DOS)

2018: العام الثاني من حكم الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، الذي اتخذ قرارًا تنفيذيًا انسحبت بموجبه الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران وأعادت فرض العقوبات، في مرحلة جديدة بددت أمل الحل السلمي للأزمة. بدأ الرئيس الأمريكي حينها ما وصفه بسياسة الضغط الأقصى لحمل إيران على التخلي عن برنامجها النووي. في العام نفسه، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن أجهزة المخابرات الإسرائيلية قد نجحت في الحصول على 50 ألف وثيقة من الأرشيف النووي الإيراني تؤكد فحواها بحسب نتنياهو أن لدى طهران برنامجًا نوويًا عسكريًا تحت مسمى AMAD Project. 

من الجدير بالذكر أن الساحة الإيرانية شهدت بداية من العام 2010 تطورات أخرى في سياق الأزمة: بدأت إيران في تطوير واختبار الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، وبدأ استهداف علماء البرنامج النووي الإيراني بالاغتيال، وصلت إلى ذروتها عام 2020 مع اغتيال العالم محسن فخري زاده، وهو الشخصية الأبرز في البرنامج النووي الإيراني. لم تعلن إسرائيل رسميًا مسئوليتها عن الاغتيالات ولكن الاعتقاد السائد هي أنها الفاعل. وفي سياق أوسع، استفحلت مسألة وكلاء إيران في الشرق الأوسط كعنصر جديد في الأزمة، برافديها الأساسيين، حزب الله في جنوب لبنان، والميليشيات العراقية الشيعية التي واصلت منذ الغزو الأمريكي للعراق تمددها حتى امتلكت نفوذًا سياسيًا وعسكريًا عظيمًا في بغداد بعد هزيمة داعش عام 2014. 

2020: هذا هو العام الثالث من رئاسة ترامب، وذروة التقارب الأمريكي الإسرائيلي قبل رئاسة ترامب الحالية. في مطلع العام، قامت الولايات المتحدة باغتيال قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني وأرفع شخصية عسكرية إيرانية، قاسم سليماني. ردت إيران على الاغتيال بشكل محدود بضرب قواعد أمريكية في العراق. في العام التالي، سيغادر الرئيس ترامب البيت الأبيض، وسيغادر نتنياهو رئاسة الوزراء الإسرائيلي بيت أغيون، لتنخفض بشكل مؤقت حدة الأزمة، مع محاولة الرئيس الأمريكي الجديد حينذاك جو بايدن إعادة إحياء مفاوضات الاتفاق النووي. ولكن الأمر لم يمض إلى اتفاق، خاصة مع عودة جديدة للتيار المتشدد في إيران بوصول الرئيس المحافظ إبراهيم رئيسي إلى الحكم في طهران في عام 2021. 

2022: عودة نتنياهو إلى الحكم في إسرائيل، حيث سيظل رئيسًا للوزراء حتى لحظة كتابة هذه السطور. خاض الناخبون الإسرائيليون عدة انتخابات قبل ذلك وبعده، ولكنها فشلت جميعها في انتزاع نتنياهو من على مقعد الحكم، أو في منح خصومه السياسيين، وأبرزهم بيني غانتس من حزب أزرق أبيض، ويائير لابيد، ونفتالي بينيت، نصرًا حاسمًا لأحزابهم المنفردة أو لائتلاف يجتمعون فيه. 

2023: وقوع هجمات السابع من أكتوبر في إسرائيل وبداية حرب متعددة المراحل، تم خلالها اغتيال الأمين العام التاريخي لحزب الله حسن نصر الله، وسقط خلالها نظام بشار الأسد في سوريا بأيدي ثوّار إدلب المدعومين من تركيا. وفي إحدى لحظات ومراحل هذه الحرب عام 2024، وفي حادث غريب أثار الكثير من الشبهات، لقي الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي مصرعه في حادث تحطم المروحية الرئاسية الإيرانية في أذربيجان، ومات معه وزير خارجيته حسين أمير عبد اللهيان، وكان الرجلان من صقور البرنامج النووي الإيراني ومن أكبر داعمي التمدد العسكري للحرس الثوري في المنطقة عبر الوكلاء والحلفاء. انتخب بعد هذا الحادث السياسي الإصلاحي الإيراني مسعود بزشكيان رئيسًا. وبعد تنصيب الرئيس بزشكيان بساعات ضمن مراسم شهدت وجود وفود من عدة دول ومنظمات، أحدهم رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية المقيم حينئذ في الدوحة، اغتالت إسرائيل هنية وحارسه الشخصي بمنزل ضيافة تابع للحرس الثوري في طهران في الساعات المبكرة من الصباح. كانت تلك ضربة غير مسبوقة من حيث الهدف ومكان الاغتيال، وهو ما دفع إيران لاعتبارها جريمة لا تغتفر وتجاوزًا على سيادتها توعدت بالرد عليه. 

مروحية الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي ووزير خارجيته حسين أمير عبد اللهيان قبل تحطّمها في محافظة أذربيجان الشرقية (Mehr, 2024)

2024: إيران تقصف إسرائيل بعدد محدود من الصواريخ كرد على اغتيال هنية والعلماء النوويين. إسرائيل ترد بشكل محدود كذلك بضرب بطارية دفاع جوي إيرانية. وتتجمد المواجهة عند هذا الحد كنتيجة لما قيل بعد ذلك أنها وساطة حثيثة من الرئيس الديمقراطي جو بايدن وإدارته لمنع احتدام الصراع بين إيران وإسرائيل. في نهاية العام، سيفوز الرئيس دونالد ترامب بفترة رئاسية ثانية، ليكتمل بذلك المشهد الذي انتهت معه مرحلة الدبلوماسية وبدأت مرحلة الحرب. 

2025: في يونيو من هذا العام، نفذت إسرائيل عملية الأسد المتصاعد بضرب إيران واغتيال عدد من أبرز قادتها العسكريين وعلمائها النوويين، وردت إيران بقصف إسرائيل. ونفذت الولايات المتحدة ضربة على منشأة فوردو في قلب الجبل، تحت مسمى مطرقة منتصف الليل. ومن هنا بدأ العد التنازلي للحرب الحالية. 

أبرزت حرب الإثني عشر يومًا ما بحوزة إيران من صواريخ باليستية قادرة على الوصول لإسرائيل، وفي حالات عديدة، اختراق دفاعاتها الجوية متعددة الطبقات. ومن هنا سيتحول هذا البرنامج إلى هاجس جديد لنتنياهو وعنصر يضاف إلى ملف الأزمة في الخطاب الأمريكي والإسرائيلي، الذي لم يعد يقتصر على مسألة اليورانيوم وتخصيبه، بل أيضًا الحد من البرنامج الصاروخي الإيراني وتفكيكه. 

2026: وفي يوم 28 فبراير من العام 2026، بدأت الحرب باغتيال السلطة الروحية والسياسية العليا في إيران، والمتمثلة في المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي كان السلطة الحاكمة لتطور الأحداث في إيران على مدار كل تلك السنوات التي مرت من عمر الأزمة، والممسك بزمام الأمور التي لم يغيّرها تباين الروساء المتعاقبين لإيران بين محافظ وإصلاحي.  

كانت تلك هي ضربة البداية التي أعقبتها آلاف الضربات الأمريكية الإسرائيلية التي استهدفت كل مقدرات وعناصر القوة العسكرية الإيرانية للجيش والحرس الثوري، في البر والبحر والجو. ضربات ساحقة توالت على إيران لتنزع عن طهران بحريتها ودفاعاتها الجوية وصفوف قيادتها، لترد إيران بإطلاق الصواريخ الجوالة والباليستية والمسيّرة شاهد بأعداد كبيرة، لا فقط على إسرائيل والقواعد الأمريكية في دول الخليج، بل على البنية التحتية المدنية للطاقة في دول مجلس التعاون الخليجي. وفي خضم المواجهة، اتخذ الحرس الثوري الإيراني من التدابير العسكرية والإعلامية ما أدى إلى إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة التجارية الدولية، ليضاف بذلك هذا العنصر الكبير إلى ملف الأزمة والمفاوضات الساعية لحلحلتها.   

في الثامن من إبريل، وبعض مضي نحو أربعين يومًا من القتال ووساطة دولية متعددة الأطراف على رأسها باكستان، دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لتنطلق بعدها مفاوضات ما زالت مستمرة في تناول وتداول كل هذه العناصر: الملف النووي والتخصيب ومخزون اليورانيوم والمنشآت النووية، ووكلاء إيران في اليمن والعراق ولبنان، والأموال الإيرانية المجمدة والعقوبات، والبرنامج الصاروخي الإيراني، ومضيق هرمز وحق المرور فيه، والتعويضات التي يطالب بها أكثر من طرف، منها دول الخليج التي حرصت على عدم الخوض في هذه المواجهة والامتناع عن إذكاء نيران الأزمة.  

كيف ستتطور الأمور من هنا؟ وهل ستتقارب وجهات النظر أم ستتباعد؟ وهل تتبلور تطورات سياسية داخلية في الدول المنخرطة في الأزمة بشكل يؤثر على مسار الأمور كما حدث من قبل؟ هذا ما ستكشفه الأيام والأسابيع المقبلة.