من الثروة السيادية إلى الأمن السيادي | زيد بلباجي
أدّت الحرب مع إيران إلى هزّ أسواق الطاقة وكشفت هشاشة مضيق هرمز، ما سرّع تحولاً كان قد بدأ بالفعل في الخليج، مع شروع دولِه في الابتعاد عن الممارسات غير المستدامة المتمثلة في الاستعانة بالغير لتوفير الأمن. فالنموذج القديم، الذي كانت تُعاد فيه تدوير عائدات النفط والغاز في محافظ استثمارية عالمية فيما اعتمدت منظومات الدفاع على معدات ودفاعات مستوردة، يفسح المجال الآن لمقاربة تُعلي من شأن الاستثمار المحلي والإنتاج المحلي.
ولطالما اتسمت المنطقة باعتماد كثيف على الواردات، أو ما يمكن وصفه بالأمن المستورد، إذ استحوذت على 27% من إجمالي واردات السلاح العالمية خلال الفترة 2020–2024، فيما شكّل أعضاء مجلس التعاون الخليجي وحدهم نحو 20% من واردات السلاح العالمية. وتستورد السعودية 74% من أسلحتها الرئيسية من مورد واحد هو الولايات المتحدة، بينما توفر واشنطن، على مستوى الشرق الأوسط الأوسع، أكثر من نصف إجمالي واردات السلاح.
هذا المستوى من الاعتماد بات غير مقبول سياسياً واستراتيجياً، وبدأ التحول يظهر بوضوح في الطريقة التي تعيد بها دول الخليج توجيه رؤوس أموالها. فقد أقرّ صندوق الاستثمارات العامة السعودي استراتيجية للفترة 2026–2030 تركز على تسريع النمو المحلي ورفع حصة الاستثمار الداخلي إلى 80%. ومع سعي المملكة إلى توطين 50% من إنفاقها العسكري بحلول عام 2030، تزداد هذه الأهداف إلحاحاً في ظل ما تفرضه الحرب من ضغوط على صادرات النفط والمالية العامة.
والدرس الذي أفرزته الحرب لا يقتصر على حاجة الخليج إلى مزيد من المعدات الدفاعية، بل إلى امتلاك القدرة على الوصول والتحكم بسلاسل الإمداد، وحقوق الصيانة والتحديث، والبرمجيات والشيفرات التي تقوم عليها الأنظمة الدفاعية الحديثة. فقد أقرت واشنطن نفسها بأن الحرب مع إيران استنزفت مخزوناتها، ما تسبب في تأخير تسليمات لحلفائها الأوروبيين. في المقابل، أظهرت إيران قدرتها على الحفاظ على عمليات مكثفة بالطائرات المسيّرة انطلاقاً من قاعدة إنتاجية صُممت عمداً لتكون بسيطة وموزعة. هذا التفاوت بين الإنتاج الإيراني منخفض الكلفة واقتصاديات الصواريخ الاعتراضية الغربية مرتفعة الكلفة لا يمكن معالجته عبر المشتريات التقليدية وحدها. وبدلاً من ذلك، يجري توجيه الثروة السيادية الخليجية نحو استراتيجيات صناعية مدعومة من الدولة تشمل إنتاج المعدات الدفاعية ومنظومة الذكاء الاصطناعي التي باتت تتحكم على نحو متزايد في القدرات الدفاعية.

وكان صندوق الاستثمارات العامة السعودي قد أسس الشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI) عام 2017 بوصفها الذراع المملوكة بالكامل لتطوير الإنتاج الدفاعي المحلي، وبحلول نهاية عام 2024 بلغت المملكة معدل توطين قدره 24.89%، أي نحو نصف الطريق نحو هدف «رؤية 2030» البالغ 50%. وقد سعت الشركة إلى تحقيق ذلك عبر مشروعات مشتركة واتفاقيات لنقل التكنولوجيا، مع تجميع خطوط الإنتاج في مجمع SAMI الصناعي البري الجديد. وتبرز هذه المقاربة أيضاً في مجال الدفاع الجوي والمسيّرات؛ فقد بدأ تصنيع مكونات من منظومة THAAD داخل السعودية ضمن شراكات مع Lockheed Martin وشركات محلية، كما يرتبط مشروع المسيّرة السعودية Sky Guardian بجهود تطوير وتصنيع وتوطين منظومات الطائرات المسيّرة داخل المملكة.
وفي سبتمبر 2025، وبعد الضربة الإسرائيلية على الدوحة التي كشفت حدود المظلة الأمنية الأميركية، وقعت الرياض وإسلام آباد اتفاقية دفاع استراتيجي مشترك تُلزم كلا البلدين باعتبار أي اعتداء على أحدهما اعتداءً على كليهما. ويضفي هذا الاتفاق طابعاً مؤسسياً على عقود من التعاون العسكري، ويفتح قناة إلى الردع النووي الباكستاني، وهو خيار كان يصعب تصور قبوله سياسياً في ظل الترتيب القديم القائم على الاعتماد الحصري على واشنطن.
أما الإمارات العربية المتحدة فسلكت مساراً مختلفاً. فبدلاً من السعي إلى اكتفاء صناعي كامل، تستخدم أبوظبي رأس المال السيادي لشراء موقع متقدم على طاولة تكنولوجيا الدفاع الأميركية. ويعكس إطار الاستثمار الممتد لعشر سنوات بقيمة 1.4 تريليون دولار، الموقع مع واشنطن في مارس 2025، والذي يشمل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة والتصنيع، استراتيجية مدروسة تهدف إلى جعل الإمارات طرفاً لا غنى عنه في سلاسل الإمداد التكنولوجية الأميركية، مقابل ضمان الوصول إلى الأنظمة ذات الاستخدام المزدوج التي ستحدد ملامح الحروب في الجيل المقبل.
وقد بنت مجموعة EDGE، التكتل الدفاعي المملوك للدولة، محفظة متنامية من المنصات المحلية، من بينها نظام VORTEX-E الاعتراضي المضاد للمسيّرات، العامل بشكل مستقل بالكامل. وفي الوقت نفسه، تمثل G42 ركيزة طبقة الذكاء الاصطناعي والحوسبة في الإمارات، بدعم من رأس مال «مبادلة» وMGX، وهي أداة استثمارية في الذكاء الاصطناعي بقيمة 100 مليار دولار أُطلقت بالشراكة مع BlackRock وMicrosoft وGlobal Infrastructure Partners. كما تسهم جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في رفد البلاد بمسار محلي لإعداد الكفاءات.

وما يميز النموذج الإماراتي هو طبيعة الصفقة التي يعقدها مع واشنطن. فقد ارتبط استثمار Microsoft البالغ 1.5 مليار دولار في G42 بمقعد في مجلس الإدارة وضمانات أمنية متبادلة، أعقبه ترخيص أميركي بتصدير أشباه الموصلات المتقدمة الخاصة بالذكاء الاصطناعي إلى G42 وشركة Humain المدعومة سعودياً، وهو تنازل قدمته واشنطن بوصفه خطوة «إيجابية» لأنه أنهى ارتباط G42 بشركة Huawei. وبالنسبة لدولة لا تستطيع مجاراة الحجم الصناعي السعودي أو الطاقة الإنتاجية الإيرانية، فإن الطريق الواقعي إلى الاستقلال الاستراتيجي يمر عبر توظيف رأس المال السيادي لتصبح عقدة لا يمكن الاستغناء عنها في بنية التكنولوجيا الدفاعية الأميركية.
أما الدوحة فقد بنت قدراتها الدفاعية من خلال «برزان القابضة»، الذراع الاستثمارية الاستراتيجية التابعة لوزارة الدفاع، والتي تعمل من خلال شبكة كثيفة من المشروعات المشتركة واتفاقيات نقل التكنولوجيا. ويجمع هذا النموذج بين الصناعة التركية، إذ توسعت حديثاً الشراكة مع «أسيلسان» لتشمل إنتاجاً جديداً في مجالات التكنولوجيا العالية، وبين شركاء أوروبيين من بينهم شركة Fincantieri الإيطالية في أنظمة الرادار Omega360، إلى جانب Rheinmetall الألمانية.

وفي يناير، وقعت شركة General Atomics الأميركية مذكرة تفاهم مع «برزان» للتطوير المشترك لبرمجيات إدارة المعارك المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بما ينسجم مع أولويات قطر المعلنة لعام 2026 في مجالات الذكاء الاصطناعي العسكري، والحرب الإلكترونية، والقيادة والسيطرة السياديتين. وفي الأسبوع ذاته، وقعت «برزان» أربع اتفاقيات بقيمة 903 ملايين دولار مع القوات المسلحة القطرية، إضافة إلى مشروع مشترك مع مجموعة EDGE الإماراتية، في واحدة من الحالات النادرة للتعاون الدفاعي الصناعي داخل الخليج. وبعد الضربة الإسرائيلية على الدوحة في سبتمبر 2025، التي شكلت تحدياً مباشراً للالتزامات الأمنية الأميركية ضمن إطار مجلس التعاون، بات وجود قاعدة متنوعة من الشركاء الصناعيين ضرورة لا خياراً.
ورغم اختلاف هذه المقاربات الثلاث، فإنها تلتقي عند خلاصة واحدة، وهي أن الأمن لم يعد ممكناً التعاقد عليه أو تفويضه إلى الخارج. فالتوطين لا يزال بطيئاً، والفجوات في القدرات قائمة، والضغوط المالية شديدة. غير أن الاتجاه العام بات واضحاً، فالثروة السيادية الخليجية، التي أُنشئت أصلاً لبناء الازدهار في اقتصاد ما بعد النفط، يعاد توجيهها اليوم لحماية الأمن في الحاضر.