آراء

ما بعد هرمز: كيف تبني السعودية مرونتها الاستراتيجية عبر الترابط الإقليمي | د. خالد محمد باطرفي

من الهشاشة الاستراتيجية إلى الخيار الاستراتيجي 

ظل مضيق هرمز، لعقود طويلة، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ يعبر من خلاله نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط، الأمر الذي جعل أمنه قضية دولية تتجاوز حدود الخليج العربي. ومع كل تصعيد سياسي أو عسكري في المنطقة، تتجه أنظار الأسواق العالمية إلى المضيق، لما قد يترتب على أي اضطراب فيه من آثار مباشرة على أسعار الطاقة، وتكاليف الشحن، وأقساط التأمين البحري، وثقة المستثمرين. 

غير أن تطورات الأسبوعين الماضيين أكدت حقيقة بدأت تتبلور منذ سنوات، وهي أن تداعيات الأزمات الجيوسياسية لم تعد تقتصر على إغلاق الممرات البحرية أو تعطيل الملاحة فعليًا. ففي الاقتصاد العالمي المعاصر، أصبحت حالة عدم اليقين بحد ذاتها عاملًا مؤثرًا لا يقل أهمية عن الخطر المادي؛ إذ يكفي ارتفاع مستوى المخاطر المتصورة لزيادة تكاليف التأمين، وتأخير حركة البضائع، وإرباك سلاسل الإمداد، ورفع تكاليف النقل، حتى وإن استمرت السفن في العبور بصورة طبيعية. 

وقد أسهم هذا التحول في إعادة تعريف مفهوم الأمن الوطني. فبينما يظل الردع العسكري عنصرًا أساسيًا في حماية الدول، أصبحت المرونة الاقتصادية والقدرة على استمرار النشاط التجاري في أوقات الأزمات جزءًا لا يتجزأ من معادلة الأمن القومي. ولم تعد البنية التحتية للطاقة، وشبكات النقل، وسلاسل الإمداد، والبنية الرقمية، مجرد أدوات للتنمية الاقتصادية، بل غدت ركائز استراتيجية تعزز قدرة الدول على مواجهة الصدمات الخارجية. 

وتجسد الاستراتيجية السعودية طويلة المدى هذا التحول بوضوح. فبدلًا من الاكتفاء باعتبار أمن الممرات البحرية الضامن الوحيد لاستقرار الاقتصاد، استثمرت المملكة، على مدى عقود، في إنشاء مسارات بديلة لتصدير النفط، وتطوير موانئ البحر الأحمر، وبناء منظومة لوجستية متكاملة تقلل من الاعتماد على أي ممر بحري واحد. وقد اكتسبت هذه الاستثمارات، التي سبق تنفيذها الأزمات الراهنة بسنوات، أهمية استراتيجية متزايدة في ضوء التطورات الأخيرة. 

ويُعد خط أنابيب الشرق–الغرب (بترولاين) أبرز تجسيد لهذا النهج؛ إذ يمتد من المنطقة الشرقية إلى موانئ التصدير على البحر الأحمر، بما يتيح نقل كميات كبيرة من النفط الخام دون الحاجة إلى المرور عبر مضيق هرمز. ورغم أن أي مشروع منفرد لا يستطيع إلغاء المخاطر الجيوسياسية بالكامل، فإن هذا الخط يمنح المملكة مرونة استراتيجية أكبر، ويوفر لها خيارات إضافية في أوقات التوتر الإقليمي. 

وقد تعزز هذا التوجه مع إطلاق الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030. فالغاية لم تعد مجرد زيادة الطاقة الاستيعابية لوسائل النقل، وإنما تحويل المملكة إلى مركز لوجستي عالمي من خلال ربط الموانئ والمطارات والسكك الحديدية والمناطق الصناعية والبنية الرقمية في منظومة وطنية متكاملة. وبهذا، لم تعد كفاءة نقل البضائع هي الهدف الوحيد، بل أصبحت استمرارية حركة التجارة في مختلف السيناريوهات الجيوسياسية هدفًا استراتيجيًا لا يقل أهمية. 

كما تتقاطع هذه الرؤية مع المبادرات الدولية الرامية إلى تنويع ممرات التجارة العالمية، وفي مقدمتها الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC). ورغم أن المشروع لا يزال مرتبطًا بتطورات سياسية وتجارية معقدة، فإنه يعكس إدراكًا دوليًا متزايدًا بأن الاقتصادات الحديثة تحتاج إلى شبكة مترابطة من مسارات النقل البحرية والبرية، بدلًا من الاعتماد على ممر واحد. وفي هذا السياق، تضع الاستثمارات السعودية في البنية اللوجستية المتكاملة المملكة في موقع يؤهلها للاستفادة من أي مشروعات إقليمية مستقبلية تعزز الترابط الاقتصادي، وفي الوقت نفسه تدعم مرونتها الاستراتيجية على المدى الطويل. 

لقد أكدت الاضطرابات الأخيرة في المنطقة صحة هذا النهج؛ إذ بات واضحًا أن المرونة الاستراتيجية لا تتحقق عبر التنبؤ بالأزمات المقبلة، بل من خلال بناء بنية تحتية متعددة المسارات، وشبكات نقل قادرة على مواصلة العمل قبل وقوع الأزمات، لا بعد اندلاعها. 

الترابط الإقليمي بوصفه رصيدًا استراتيجيًا 

لا تمثل الاستثمارات السعودية في البنية التحتية حالة منفردة، بل تأتي ضمن تحول أوسع تشهده منطقة الخليج، حيث لم تعد مشاريع النقل واللوجستيات تُنظر إليها باعتبارها أدوات اقتصادية فحسب، وإنما باعتبارها وسائل استراتيجية لتعزيز قدرة الدول على مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية وتقليل آثارها. 

ومن أبرز هذه المشاريع مشروع سكة حديد دول مجلس التعاون الخليجي، الذي أقره قادة المجلس قبل أكثر من عقدين، بهدف إنشاء شبكة حديدية تربط الدول الأعضاء الست، وتيسر حركة البضائع، وتعزز التجارة البينية، وتدعم التكامل الاقتصادي الخليجي. ورغم تفاوت وتيرة التنفيذ بين الدول، فإن استمرار العمل في المقاطع الوطنية يؤكد أن القيمة الاستراتيجية للمشروع ما تزال قائمة، بل ربما ازدادت أهميتها في ظل المتغيرات الدولية الراهنة. 

ولا تقتصر أهمية هذا المشروع على تحسين وسائل النقل، بل تمتد إلى تنويع سلاسل الإمداد، وتقليل الاعتماد على الشحن البحري في التجارة الخليجية البينية، ورفع كفاءة الخدمات اللوجستية، ومنح الحكومات خيارات إضافية خلال فترات اضطراب الملاحة البحرية. ومن هذا المنطلق، يمثل المشروع استثمارًا في المرونة الاستراتيجية بقدر ما يمثل استثمارًا في التنمية الاقتصادية. 

ويأتي مشروع الجسر البري السعودي امتدادًا لهذه الرؤية، إذ يهدف إلى ربط الخليج العربي بالبحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع تمتد عبر أراضي المملكة. وإذا اكتمل المشروع وفق الرؤية المخطط لها، فسيشكل أحد أهم الممرات البرية في المنطقة، وسيعزز مكانة المملكة بوصفها محورًا رئيسًا في حركة التجارة بين الشرق والغرب، مع تقليص زمن نقل البضائع بين الموانئ على ساحليها الشرقي والغربي. 

وتتميز الممرات البرية بأنها تضيف طبقة جديدة من المرونة الاستراتيجية، إذ لا تهدف إلى استبدال النقل البحري، الذي سيظل العمود الفقري للتجارة العالمية، وإنما إلى ضمان ألا يؤدي تعطل أحد أنماط النقل إلى شلل كامل في منظومة التجارة والإمداد. 

ومن هنا، تتجاوز الأهمية الاستراتيجية لهذه المشاريع كل مشروع على حدة؛ فخطوط الأنابيب، والسكك الحديدية، والموانئ، والمناطق اللوجستية، والبنية الرقمية، تشكل معًا منظومة متكاملة تقوم على مبدأ تعدد البدائل والمسارات الاحتياطية، وهو مبدأ ارتبط تقليديًا بالتخطيط العسكري، لكنه أصبح اليوم أحد أهم مرتكزات الأمن الاقتصادي. 

ويقدم التاريخ مثالًا معبرًا على ذلك. فقد لعبت سكة حديد الحجاز، قبل أكثر من قرن، دورًا مهمًا في ربط أجزاء من شبه الجزيرة العربية ببلاد الشام، وأسهمت في تسهيل حركة التجارة والتنقل بين مناطق واسعة من الشرق الأوسط. ورغم أن المقترحات المتعلقة بإحياء أجزاء من هذا الخط ما تزال في إطار التصورات المستقبلية أكثر من كونها مشاريع رسمية، فإنها تعكس اهتمامًا متجددًا بإحياء الترابط الإقليمي بوصفه ركيزة للتعاون الاقتصادي. وإذا تهيأت الظروف السياسية الملائمة مستقبلًا، فقد تستعيد بعض هذه الممرات التاريخية دورًا اقتصاديًا جديدًا من خلال بنية تحتية حديثة، بعيدًا عن الاعتبارات الجيوسياسية التي ارتبطت بها في الماضي. 

وتشير هذه المبادرات مجتمعة إلى أن سياسات البنية التحتية في الخليج تتجه نحو مرحلة جديدة، لم تعد فيها مشاريع النقل مجرد أدوات للتنمية الاقتصادية، بل أصبحت أحد الأعمدة الأساسية للمرونة الاستراتيجية، بما يعزز في الوقت نفسه القدرة التنافسية للاقتصادات الوطنية، ويدعم أمنها واستقرارها في عالم يتسم بتزايد حالة عدم اليقين. 

قطار حاويات على خط الدمام-الرياض في الشرقية (Zach, 2025)

ما بعد هرمز: من أمن الطاقة إلى المرونة الإقليمية 

أظهرت التطورات الأخيرة أن الجغرافيا الاستراتيجية في الشرق الأوسط أصبحت أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في مضيق هرمز وحده. فرغم استمرار الخليج العربي بوصفه القلب النابض لأسواق الطاقة العالمية، فإن القدرة على الصمود أمام الأزمات باتت تعتمد بصورة متزايدة على أمن شبكة مترابطة من الممرات البحرية والبرية، تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ثم إلى الأسواق العالمية. 

وقد أبرزت أحداث الأسبوعين الماضيين هذه الحقيقة بوضوح. فمع أن المخاوف من إغلاق طويل الأمد لمضيق هرمز قد تراجعت، فإن حركة الملاحة التجارية في المنطقة لا تزال تواجه ارتفاعًا في أقساط التأمين، وتشددًا في تقييم المخاطر، وزيادة في تكاليف التشغيل. ويؤكد ذلك حقيقة مهمة مفادها أن تعطيل التجارة العالمية لم يعد يتطلب إغلاق الممرات البحرية فعليًا؛ إذ يكفي ارتفاع مستوى المخاطر المتصورة حتى تتأثر قرارات شركات الشحن، وتتغير مسارات التجارة، وترتفع تكاليف النقل، بما ينعكس مباشرة على الأسواق الدولية. 

وقد أضافت التطورات الأخيرة في اليمن بُعدًا جديدًا لهذا التحدي. فمع تجدد التوترات، أعلنت جماعة الحوثي ما وصفته بفرض حصار على السفن المرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر، كما أعلنت تنفيذ هجمات استهدفت ناقلات نفط سعودية أثناء عبورها الممر البحري. ورغم أن الآثار العملياتية لهذه الادعاءات لا تزال صعبة التحقق بصورة مستقلة، فإن الحدث في حد ذاته يبرز الكيفية التي تستطيع بها الجماعات المسلحة من غير الدول استغلال حساسية الممرات البحرية الاستراتيجية لخدمة أهداف سياسية تتجاوز تأثيرها العسكري المباشر. كما يؤكد في الوقت نفسه أهمية حماية حرية الملاحة وفقًا للقانون الدولي، باعتبارها مسؤولية لا تخص دول المنطقة وحدها، وإنما تمس استقرار التجارة العالمية بأسرها. 

ومن هذه الزاوية، تبدو مسألة امتلاك الحوثيين القدرة على الاستمرار في مثل هذه العمليات أقل أهمية من دلالاتها الاستراتيجية. فمع نجاح السعودية في تقليص اعتمادها على مضيق هرمز عبر خط أنابيب الشرق–الغرب، وتوسيع طاقتها التصديرية عبر البحر الأحمر، ازدادت في المقابل الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب. غير أن ذلك لا يعني تراجع أهمية مضيق هرمز، وإنما يعكس انتقال الاعتماد الاستراتيجي من ممر منفرد إلى شبكة مترابطة من الممرات البحرية والبرية. ولم يعد السؤال الرئيس يتمثل في كيفية تجاوز نقطة اختناق واحدة، بل في كيفية بناء منظومة متكاملة قادرة على الحفاظ على انسياب التجارة حتى لو تعرض أحد الممرات للاضطراب. فالتنويع يقلل المخاطر، لكن المرونة الحقيقية تتحقق من خلال تعدد البدائل، لا من خلال استبدال ممر بآخر. 

وفي هذا السياق، تبرز الأهمية المتزايدة لمضيق باب المندب، الذي تعبره نسبة كبيرة من الصادرات المتجهة من البحر الأحمر إلى قناة السويس والأسواق الأوروبية. ويشكل باب المندب وهرمز معًا منظومة بحرية مترابطة تربط الخليج العربي بالاقتصاد العالمي، بحيث ينعكس أي اضطراب في أحدهما على كفاءة سلاسل الإمداد الدولية بأكملها. 

ومن هنا، تتضح أهمية استمرار السعودية في تنويع خياراتها اللوجستية، وعدم الاعتماد على مسار واحد أو وسيلة نقل واحدة. فاستثمارات المملكة في موانئ البحر الأحمر، والمناطق اللوجستية، والمدن الصناعية، وشبكات النقل متعددة الوسائط، لا تمثل مشاريع مستقلة، وإنما تشكل عناصر مترابطة في استراتيجية شاملة تهدف إلى ضمان استمرارية حركة التجارة في مختلف الظروف. 

إلا أن المرونة الاستراتيجية في العصر الحديث لم تعد ترتبط بالبنية التحتية المادية وحدها، بل أصبحت تعتمد أيضًا على البنية الرقمية التي تدير حركة التجارة العالمية. فالمنصات الإلكترونية للتخليص الجمركي، وأنظمة تتبع الشحنات، وتقنيات إدارة الموانئ، والأمن السيبراني، وتبادل البيانات اللوجستية في الزمن الحقيقي، أصبحت جميعها مكونات أساسية في منظومة سلاسل الإمداد الحديثة. ولم يعد الاستثمار في الطرق والموانئ والسكك الحديدية كافيًا ما لم يواكبه استثمار موازٍ في البنية الرقمية القادرة على ضمان سرعة الاستجابة واستمرارية العمليات أثناء الأزمات. 

ويعكس هذا التحول تطورًا أوسع في مفهوم الأمن الوطني ذاته. فقد انصب الاهتمام التقليدي على حماية الحدود وردع التهديدات العسكرية، بينما أصبحت المرونة الاقتصادية، وموثوقية البنية التحتية، والقدرة التكنولوجية، واستمرارية سلاسل الإمداد، عناصر رئيسة تحدد قدرة الدول على مواجهة الصدمات الخارجية. ومن هذا المنظور، لم تعد البنية التحتية مجرد أداة للتنمية، بل أصبحت أداة من أدوات القوة الاستراتيجية. 

وقد تنبهت المؤسسات الدولية إلى هذا التحول. فقد أكدت وكالة الطاقة الدولية (IEA) مرارًا هشاشة أسواق الطاقة العالمية أمام أي اضطراب يصيب الممرات البحرية الحيوية، كما أوضح مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) أن الاضطرابات التي تصيب طرق الملاحة الدولية تنعكس سريعًا في صورة ارتفاع تكاليف الشحن، وتأخر وصول البضائع، واضطراب التجارة العالمية. وفي السياق ذاته، يبرز مؤشر الأداء اللوجستي الصادر عن البنك الدولي العلاقة الوثيقة بين كفاءة البنية التحتية للنقل، والتنافسية الاقتصادية، وجاذبية الاستثمار. 

كما تؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن بناء بنية تحتية قادرة على الصمود لم يعد قضية تنموية فحسب، بل أصبح جزءًا أساسيًا من الأمن الاقتصادي، في ظل ازدياد ترابط سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع مستوى تعرضها للمخاطر الجيوسياسية. 

وتقود هذه المؤشرات جميعًا إلى نتيجة واحدة، وهي أن الاستثمار في البنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره استثمارًا اقتصاديًا فقط، بل باعتباره أيضًا استثمارًا في المرونة الاستراتيجية، لأنه يقلل من التعرض للصدمات الخارجية، ويحافظ على ثقة المستثمرين، ويعزز استقرار الأسواق. 

وتنسجم هذه الرؤية بصورة مباشرة مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تسعى إلى تنويع الاقتصاد الوطني، وتحويل المملكة إلى مركز لوجستي عالمي يربط آسيا وأوروبا وأفريقيا. غير أن الموقع الجغرافي وحده لا يكفي لتحقيق هذا الهدف؛ إذ تتطلب المنافسة الدولية بنية تحتية موثوقة، ومنظومة رقمية متقدمة، وأطرًا تنظيمية كفؤة، وتعاونًا إقليميًا يضمن استمرار تدفق التجارة حتى في أوقات الأزمات. 

وفي هذا الإطار، لا ينبغي النظر إلى الترابط الإقليمي بوصفه منافسة بين النقل البحري والبري، ولا باعتباره محاولة لإيجاد بديل لمضيق هرمز أو الانتقاص من أهميته الاستراتيجية. فالمضيق سيظل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم خلال المستقبل المنظور. والهدف الحقيقي يتمثل في تنويع الخيارات، بحيث لا يصبح ازدهار المنطقة أو استقرار الأسواق العالمية رهينة لممر واحد. 

وينطبق الأمر ذاته على التعاون بين دول مجلس التعاون الخليجي؛ إذ تستمد مشروعات مثل سكة حديد الخليج، وتطوير الشبكات اللوجستية المشتركة، جانبًا كبيرًا من قيمتها من كونها مشاريع تكاملية، تعزز التجارة البينية، وتقوي سلاسل الإمداد، وتشجع الاستثمار، وتخلق حوافز عملية لتعميق الاندماج الاقتصادي الخليجي. وفي بيئة دولية تتزايد فيها التقلبات، يصبح الترابطالإقليمي نفسه أحد أشكال الضمان الاستراتيجي. 

الخاتمة: بناء المرونة قبل وقوع الأزمة 

تكشف الأزمة الراهنة أن أهميتها لا تقتصر على التساؤل حول قدرة السفن على مواصلة العبور الآمن عبر مضيق هرمز، بل تمتد إلى درس أكثر عمقًا، وهو أن المرونة الاستراتيجية لا تُبنى أثناء الأزمات، وإنما قبل وقوعها. فهي ثمرة استثمارات طويلة الأجل، وتخطيط استراتيجي متواصل، وتعاون إقليمي يسبق لحظة الاختبار بسنوات. 

وتقدم التجربة السعودية مثالًا واضحًا على هذا النهج. فعلى مدى عقود، عملت المملكة على توسيع خياراتها الاستراتيجية عبر تطوير مسارات بديلة لتصدير النفط، وتحديث البنية التحتية اللوجستية، وتعزيز شبكات النقل المتكاملة، والاستثمار المستمر في موانئ ومرافق البحر الأحمر. وقد صُممت هذه المشاريع أساسًا لدعم التحول الاقتصادي، لكنها اكتسبت اليوم بعدًا استراتيجيًا إضافيًا يتمثل في تقليل الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على التكيف مع بيئة دولية تتزايد فيها الاضطرابات. 

ولا يقتصر هذا التحدي على السعودية وحدها، بل يواجه منطقة الخليج بأسرها. فمع التحولات المتسارعة في أنماط التجارة العالمية، وتصاعد التنافس الجيوسياسي، أصبحت البنية التحتية عنصرًا مؤثرًا في الأمن الوطني بقدر تأثيرها في التنمية الاقتصادية. ولم تعد خطوط الأنابيب، والسكك الحديدية، والموانئ، والمنصات اللوجستية، والبنية الرقمية، وسلاسل الإمداد المرنة، مجرد مشاريع تنموية، بل أصبحت مكونات أساسية في منظومة الأمن والاستقرار الاقتصادي. 

وفي عالم يتجه نحو مزيد من الاستقطاب وعدم اليقين، لم تعد قوة الدول تُقاس فقط بما تمتلكه من قدرات عسكرية، وإنما أيضًا بقدرتها على الحفاظ على انسياب الطاقة، واستمرار حركة التجارة، وسلامة البيانات، وثقة المستثمرين، حتى في أوقات الأزمات. وأصبحت مرونة البنية التحتية معيارًا مهمًا من معايير القوة الاستراتيجية للدول. 

ومن هنا، فإن الدرس الأبرز الذي أفرزته التطورات الأخيرة ليس أن مضيق هرمز فقد أهميته، ولا أن باب المندب أصبح البديل الوحيد له، بل إن الاقتصادات الحديثة لم يعد في مقدورها الاعتماد على ممر واحد، مهما بلغت أهميته. فالاستثمارات السعودية في خطوط الأنابيب، والموانئ، والسكك الحديدية، والبنية اللوجستية، والترابط الإقليمي، ينبغي أن تُفهم باعتبارها عناصر متكاملة في استراتيجية أشمل تستهدف تقليل الهشاشة البنيوية لشبكات النقل والطاقة، لا استبدال نقطة اختناق بأخرى. 

كما تؤكد هذه الرؤية أن التعاون الإقليمي لم يعد خيارًا سياسيًا فحسب، بل أصبح ضرورة استراتيجية. فمشروعات مثل سكة حديد دول مجلس التعاون الخليجي، وتوحيد الإجراءات الجمركية، وربط الشبكات اللوجستية، وتطوير البنية التحتية العابرة للحدود، تعزز قدرة المنطقة على مواجهة الأزمات، وتزيد من كفاءة التجارة والاستثمار، وتمنح اقتصاداتها قدرًا أكبر من المرونةالجماعية. 

ومن هذا المنطلق، لا ينبغي أن يُفهم عنوان هذه الدراسة، «ما بعد هرمز»، على أنه دعوة لتجاوز المضيق أو التقليل من أهميته. فهرمز سيظل، في المستقبل المنظور، أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة الطاقة العالمية. أما القضية الجوهرية فهي كيف تستطيع الدول أن تضمن ألا يصبح أمنها الاقتصادي وازدهارها الوطني رهينة لممر بحري واحد، أيًا كانت أهميته. 

وبالنسبة إلى السعودية، يكمن الجواب في التنويع لا الاستبدال، وفي الترابط لا الاعتماد، وفي بناء شبكة متكاملة من البنية التحتية للطاقة والنقل والخدمات اللوجستية والاقتصاد الرقمي، قادرة على دعم النمو الاقتصادي حتى في ظل بيئة دولية تتسم بارتفاع مستويات المخاطر وعدم اليقين. وقد لا يفضي هذا النهج إلى إزالة المخاطر الجيوسياسية بصورة كاملة، لكنه يقلص آثارها، ويوفر للدولة خيارات أوسع، ويعزز قدرتها على التكيف مع المتغيرات. 

وفي نهاية المطاف، ربما تكمن الرسالة الأهم لهذه الدراسة في أن المرونة الاستراتيجية لم تعد مجرد هدف اقتصادي أو خيار في سياسات البنية التحتية، بل أصبحت قدرة وطنية شاملة، وأحد أهم عناصر القوة في القرن الحادي والعشرين. فالدول التي تنجح في تنويع مساراتها، وتكامل بنيتها التحتية، وتعزيز ترابطها الإقليمي، ستكون الأقدر على حماية مصالحها الوطنية، والحفاظ على استقرارها الاقتصادي، والإسهام في استقرار النظام التجاري العالمي، مهما بلغت حدة الأزمات وتقلبات الجغرافيا السياسية. 

حقل الشيبة النفطي في صحراء الربع الخالي جنوب شرق المملكة العربية السعودية (أرامكو)
كتّابنا Rutba Logo
كاتب

د. خالد محمد باطرفي

أكاديمي ومحلل سياسي سعودي، وكاتب صحفي تُنشر مقالاته بشكل دوري على منصات عربية بارزة، من بينها موقعي العربية والجزيرة. ويتناول في كتاباته القضايا السعودية والخليجية والإقليمية، خصوصًا فيما يتعلّق بالجغرافيا السياسية والأمن والدفاع.

تابع على الشبكات الاجتماعية
د. خالد محمد باطرفي