رؤية المملكة العربية السعودية للأمن الإقليمي في الشرق الأوسط | خالد محمد باطرفي
مقدمة
لا يزال الشرق الأوسط أحد أكثر مناطق العالم أهميةً من الناحية الاستراتيجية، وفي الوقت ذاته من أكثرها تعقيدًا سياسيًا وأمنيًا. فهو يضم موارد طاقة حيوية، وممرات تجارية بحرية رئيسية، ويقع عند تقاطع أهم المسارات الجيوسياسية العالمية. وفي المقابل، ما زالت المنطقة تواجه تحديات مستمرة تشمل النزاعات المسلحة، والحروب بالوكالة، والإرهاب، وعدم الاستقرار السياسي، وتصاعد المنافسة بين القوى الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، طوّرت السعودية خلال السنوات الأخيرة فهمًا أوسع وأكثر شمولًا لمفهوم الأمن الإقليمي. فبينما تظل القدرات العسكرية التقليدية عنصرًا أساسيًا في حماية الدولة، تنظر السعودية بشكل متزايد إلى الأمن باعتباره مفهومًا متعدد الأبعاد يجمع بين الدفاع، والدبلوماسية، والتنمية الاقتصادية، والتعاون الإقليمي، والشراكات الدولية.
ويعكس هذا النهج قناعة بأن الاستقرار طويل المدى لا يمكن تحقيقه بالردع العسكري وحده، بل يتطلب توازنًا بين القوة الصلبة والقوة الناعمة، وبين الدفاع الوطني والتعاون الإقليمي.
المفهوم السعودي للأمن الإقليمي
تقوم الرؤية السعودية للأمن الإقليمي على خمسة مرتكزات مترابطة:
أولًا: السيادة وعدم التدخل
تعتبر السعودية احترام سيادة الدول أحد المبادئ الأساسية للنظام الإقليمي. وتؤكد السياسة السعودية أهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، واحترام الحدود المعترف بها دوليًا، ورفض التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للدول.
وقد انعكس هذا الموقف في تعامل السعودية مع ملفات اليمن وسوريا ولبنان والعراق، حيث تدعم باستمرار تعزيز مؤسسات الدولة الشرعية باعتبارها الضامن الرئيسي للاستقرار.
ثانيًا: الأمن الجماعي والتعاون الإقليمي
ترى السعودية أن التحديات الأمنية الحديثة تتجاوز الحدود الوطنية، وبالتالي تتطلب استجابات جماعية. فالإرهاب، والتهديدات السيبرانية، وانعدام الأمن البحري، والجريمة المنظمة، والهجرة غير النظامية، كلها قضايا لا يمكن لدولة واحدة معالجتها بمفردها.
ولهذا تولي السعودية أهمية كبيرة للمؤسسات الإقليمية والشراكات الأمنية، خصوصًا في إطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية، إلى جانب الأطر العربية والإسلامية الأوسع. كما أصبحت تبادل المعلومات الاستخباراتية، والمناورات العسكرية المشتركة، والتعاون في مكافحة الإرهاب، وتنسيق جهود الأمن البحري، عناصر رئيسية في هذا التوجه.
ثالثًا: الدفاع والجاهزية العسكرية
رغم أن السعودية تدعو إلى الحوار والدبلوماسية، فإنها تؤكد في الوقت نفسه أن الردع الفاعل يظل عنصرًا لا غنى عنه في منظومة الأمن الإقليمي.
وقد استثمرت السعودية بشكل كبير في تحديث قواتها المسلحة، وتعزيز قدرات الدفاع الجوي والصاروخي، وتطوير قواتها البحرية في كل من الخليج العربي والبحر الأحمر، إضافة إلى تنمية الصناعات العسكرية المحلية ضمن مستهدفات رؤية 2030.
ولا تهدف هذه الجهود إلى حماية الأراضي السعودية والبنية التحتية الحيوية فحسب، بل تسعى أيضًا إلى الإسهام في استقرار المنطقة ككل.
ومن المنظور السعودي، تكون الدبلوماسية أكثر فاعلية عندما تستند إلى قدرات دفاعية موثوقة. ولذلك يُنظر إلى التعاون العسكري مع الشركاء الدوليين، وتحديث القدرات الدفاعية، وحماية الممرات البحرية الاستراتيجية، باعتبارها عناصر مكملة للدبلوماسية وليست بديلة عنها.
وقد ازدادت أهمية هذا البعد العسكري في ظل التهديدات المتطورة، بما في ذلك انتشار الصواريخ والطائرات المسيّرة، والهجمات على منشآت الطاقة، والعمليات السيبرانية، وأنشطة الجماعات المسلحة غير الحكومية العابرة للحدود.
رابعًا: التنمية كاستراتيجية أمنية
تنظر السعودية بشكل متزايد إلى التنمية الاقتصادية باعتبارها أداة طويلة الأمد لتحقيق الاستقرار.
فـرؤية السعودية 2030 ليست مجرد برنامج للتحول الاقتصادي، بل تمثل أيضًا مشروعًا استراتيجيًا لمعالجة العوامل الهيكلية التي تسهم في عدم الاستقرار.
وتسعى المشروعات الكبرى مثل نيوم، ومشروع البحر الأحمر، والممرات اللوجستية، ومشروعات الربط الإقليمي، إلى خلق فرص اقتصادية جديدة، وجذب الاستثمارات، وتعزيز الترابط بين دول المنطقة.
وينطلق هذا التوجه من قناعة مفادها أن المجتمعات المزدهرة ذات المؤسسات القوية والفرص الاقتصادية الواسعة تكون أقل عرضة للصراعات والتطرف.
خامسًا: الدبلوماسية وخفض التصعيد
أعطت السعودية خلال السنوات الأخيرة أهمية متزايدة للدبلوماسية بوصفها أداة لتخفيف التوترات ومنع النزاعات.
وقد شهدت المنطقة مبادرات سعودية متعددة لدعم الحوار، وتعزيز الوساطات، وتشجيع الحلول السياسية للأزمات الإقليمية.
ويعكس استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إيران، والجهود الرامية إلى دعم الاستقرار في اليمن والسودان، والانخراط الدبلوماسي في ملفات غزة ولبنان، استراتيجية أوسع تقوم على خفض التصعيد متى أمكن، والردع عند الضرورة.

أولويات الأمن الإقليمي في الرؤية السعودية
الأمن البحري
تجعل الجغرافيا من الأمن البحري أولوية استراتيجية للسعودية.
فاستقرار البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، والخليج العربي، ومضيق هرمز، لا يمثل أهمية للسعودية وحدها، بل للاقتصاد العالمي وأمن الطاقة الدولي.
لذلك تدعم السعودية الجهود الدولية الرامية إلى حماية حرية الملاحة، ومكافحة القرصنة، وتأمين خطوط التجارة العالمية.
مكافحة الإرهاب والتطرف
كانت السعودية هدفًا مباشرًا للإرهاب، كما أصبحت من أبرز المساهمين في الجهود الدولية لمكافحته.
ويجمع النهج السعودي بين الإجراءات الأمنية، والتعاون الاستخباراتي الدولي، والرقابة المالية، والمبادرات الفكرية الرامية إلى مواجهة الخطاب المتطرف وتجفيف منابعه.
القضية الفلسطينية
لا تزال السعودية ترى أن القضية الفلسطينية تمثل عنصرًا محوريًا في أي منظومة أمنية إقليمية مستدامة.
وتدعم الجهود الرامية إلى تحقيق سلام عادل ودائم يقوم على حل الدولتين، انطلاقًا من قناعة بأن استمرار النزاع الفلسطيني الإسرائيلي يظل مصدرًا رئيسيًا لعدم الاستقرار في المنطقة.
استقرار اليمن
يتمثل الهدف السعودي طويل المدى في قيام دولة يمنية مستقرة وآمنة وذات سيادة كاملة، قادرة على بسط سلطتها على أراضيها والإسهام إيجابًا في أمن المنطقة.
فهم مواقف الفاعلين الإقليميين الآخرين
لا يمكن مناقشة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط دون الإقرار بأن الدول الفاعلة في المنطقة تنظر إلى مفهوم الأمن من زوايا مختلفة ترتبط بتجاربها التاريخية وأولوياتها الاستراتيجية.
فإيران تؤكد أهمية الردع والعمق الاستراتيجي ومواجهة الضغوط الخارجية. أما تركيا فتركز على أمن الحدود والنفوذ الإقليمي ومكافحة الإرهاب. بينما تعطي إسرائيل أولوية كبيرة للردع العسكري والحماية من التهديدات التي تعتبرها وجودية. وفي المقابل، تميل بعض الدول الخليجية الأصغر إلى التركيز على الدبلوماسية والتكامل الاقتصادي وتحقيق التوازن في علاقاتها مع القوى الكبرى.
ورغم اختلاف الرؤية السعودية في بعض الجوانب عن هذه المقاربات، فإنها تسعى بصورة متزايدة إلى ترسيخ دورها كقوة داعمة للاستقرار الإقليمي من خلال الجمع بين التعاون الأمني والتنمية الاقتصادية والانخراط الدبلوماسي.
إن فهم هذه الرؤى المختلفة يعد شرطًا أساسيًا لبناء نظام إقليمي أكثر شمولًا واستدامة.

التحديات التي تواجه الأمن الإقليمي
رغم الجهود الدبلوماسية المتواصلة، لا تزال المنطقة تواجه تحديات كبيرة، من أبرزها:
- النزاعات والحروب بالوكالة.
- الجماعات المسلحة غير الحكومية.
- الاستقطاب الطائفي والأيديولوجي.
- التهديدات السيبرانية وحروب المعلومات.
- انتشار الصواريخ والطائرات المسيّرة.
- تهديد البنية التحتية الحيوية.
- التنافس بين القوى الإقليمية والدولية.
- التحديات الناشئة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتقنيات العسكرية المتقدمة.
وتتطلب هذه التحديات مقاربات مرنة ومتعددة الأبعاد تجمع بين الجاهزية العسكرية والمبادرات الدبلوماسية والتنموية.
الخاتمة
لقد تطور المفهوم السعودي للأمن الإقليمي من التركيز التقليدي على الدفاع العسكري إلى إطار استراتيجي شامل يدمج بين السيادة الوطنية، والأمن الجماعي، والجاهزية العسكرية، والتنمية الاقتصادية، والدبلوماسية الفاعلة.
وتتمثل الفكرة المحورية في الرؤية السعودية في أن الاستقرار الدائم في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، كما لا يمكن أن يتحقق بالتنمية الاقتصادية وحدها. بل يتطلب مقاربة متوازنة تجمع بين القدرات الدفاعية الموثوقة، ومؤسسات الدولة القوية، والتعاون الإقليمي، والفرص الاقتصادية، والانخراط الدبلوماسي المستمر.
وفي هذه الرؤية، لا يقتصر الأمن على غياب الصراع، بل يعني أيضًا وجود الاستقرار والازدهار والتعاون الفاعل بين الدول.
ومع التحولات السياسية والاقتصادية العميقة التي تشهدها المنطقة، تسعى السعودية إلى الإسهام في بناء نظام إقليمي أكثر أمنًا وترابطًا وقدرةً على تحقيق السلام والتنمية للأجيال القادمة.
وبذلك تقوم الرؤية السعودية للأمن الإقليمي على خمسة أعمدة رئيسية: السيادة، والأمن الجماعي، والجاهزية الدفاعية، والتنمية، والدبلوماسية. وهي عناصر مترابطة تشكل معًا إطارًا متوازنًا لتحقيق الاستقرار الإقليمي في بيئة دولية وإقليمية تزداد تعقيدًا وتداخلًا.
