الشراكات التقنية في دول الخليج: اعتبارات الأمن والسيادة الرقمية
أصبح الفضاء الرقمي محركًا أساسيًا لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز القدرة التنافسية الاقتصادية. وشهدت دول الخليج تحولًا رقميًا متسارعًا، مدفوعًا بخططها الاستراتيجية، مثل رؤية السعودية 2030، ورؤية الإمارات 2031، ورؤية قطر الوطنية 2030، ورؤية عمان 2040، والتي تهدف إلىبناء اقتصاد متنوع يحاكي التحديات العالمية بالإضافة لتهيئة بيئة داعمة للابتكار والاستثمار. وفي هذا الإطار ازداد اعتماد دول الخليج على التقنيات والشراكات التكنولوجية الدولية وفق معايير دقيقة تشمل الكفاءة التشغيلية، ومعدلات الأمن، والتكلفة مقابل العائد الاقتصادي، علاوة على مدى القدرة على نقل المعرفة وتوطين التقنيات محليًا، والتوافق التام مع التشريعات الوطنية.
وفي المقابل، فرض هذا الانفتاح التقني تحديات متزايدة تتعلق بالأمن السيبراني، وحماية البيانات، وأمن البنية التحتية الحيوية. لذلك، تسعى دول الخليج إلى تحقيق توازن بين حماية أمنها المعلوماتي والاستفادة من أفضل التقنيات والخبرات العالمية، في ظل تزايد المخاوف الأمنية والتقارير التي تربط بعض الشركات الأجنبية بحوادث واختراقات سيبرانية.
وتمثل السيادة الرقمية ركيزةً أساسيةً لدول الخليج في ظل تزايد الاعتماد على التقنيات العالمية في القطاعات الحيوية وتبنت هذه الدول وعلى رأسها السعودية والإمارات في السنوات الأخيرة سياسات تهدف إلى تنويع قاعدة الموردين وتعزيز المحتوى المحلي. ففي السعودية، يشجع برنامج اكتفاء(IKTVA) التابع لأرامكو الموردين العالميين على الاستثمار والتصنيع داخل المملكة، ونقل المعرفة، وزيادة المحتوى المحلي، بما يعزز قدرتهم على المنافسة في العقود الحكومية. كذلك، يضع برنامج القيمة الوطنية المضافة (ICV) في الإمارات معايير تمنح أفضلية للموردين الذين يساهمون في الاقتصاد المحلي من خلال التصنيع والتوظيف والاستثمار داخل الدولة.
وفي عام 2023، أعلنت مجموعة بيون البحرينية عن استثمار بقيمة 250 مليون دولار أمريكي في بنية تحتية جديدة لدعم التحول الرقمي. كما تُجري شركة بتلكو، المشغل الرئيسي للاتصالات والتابعة للمجموعة محادثات مع شركتي نوكيا وهواوي لإجراء تجارب محتملة على تقنيات الجيل السادس (6G).
وفي عام 2024، دشّن مجلس التعاون الخليجي الاستراتيجية الخليجية للأمن السيبراني، إلى جانب منصة خليجية لتبادل معلومات التهديدات السيبرانية، بهدف توحيد الجهود بين الدول الأعضاء، وتعزيز حماية البنية التحتية الرقمية، وتطوير القدرات الوطنية، وتقليل الاعتماد على حلول أو مزودي خدمات منفردين في المجالات الحساسة.
كما اعتمد المجلس لاحقًا الخطة التنفيذية الاستراتيجية للفترة 2024–2028، والتي تتضمن تعزيز التعاون الدولي، وتنظيم مشاركة معلومات التهديدات السيبرانية، وإجراء تمارين سيبرانية خليجية مشتركة لرفع مستوى الجاهزية. ويعكس ذلك انتقال دول الخليج من الاعتماد على حلول مستوردة أو موردين محدودين إلى بناء منظومة رقمية أكثر تنوعًا ومرونة، تجمع بين تنمية القدرات المحلية، وتوسيع قاعدة الشركاء، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي.
التحديات السيبرانية في دول الخليج العربي
رغم ما حققته المبادرات الخليجية من تقدم في تطوير البنية التحتية التقنية ورفع مستوى الجاهزية السيبرانية، شهد القطاع تهديدات وتحولات متسارعة بفعل التطورات الجيوسياسية وتغير أنماط الهجمات. وخلال عامي 2025 و2026، تعرضت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومملكة البحرين وسلطنة عُمان ودولة الكويت لحملات سيبرانية شملت التصيد الإلكتروني، وهجمات حجب الخدمة (DDoS)، ومحاولات اختراق الجهات الحكومية والبنى التحتية الحيوية وتسريب البيانات. كذلك كشفت شركة Check Point عن حملة تجسس إلكتروني قامت بنشر برمجيات خبيثة، مثل PlugX وCobalt Strike، في قطر، بهدف سرقة البيانات والسيطرة على الأجهزة، ونُسبت الحملة إلى مجموعة Mustang Panda، المعروفة باستهداف الجهات الحكومية والدبلوماسية والعسكرية. كما أسهمت الحرب التي اندلعت في فبراير 2026 في إعادة تشكيل خريطة الفاعلين السيبرانيين، إذ أدت القيود المفروضة على الإنترنت داخل إيران إلى تراجع نشاط بعض المجموعات الإيرانية التقليدية، مقابل تصاعد دور مجموعات وكيلة مرتبطة بجهات وشركات أجنبية.
وفي إطار هذا التحول، أشار تقرير صادر عن شركة ESET إلى نشاط مجموعات سيبرانية مرتبطة بالصين في الخليج خلال الفترة من أكتوبر 2025 إلى مارس 2026، نفذت خلالها عمليات تجسس استهدفت قطاعي الطاقة والنقل البحري بهدف جمع معلومات سياسية واقتصادية وأمنية. وشملت الوقائع التي رصدها التقرير اختراق شركة دفاع في الإمارات، إلى جانب حملة استخدمت برمجية خبيثة تعمل على نظام Android لاستهداف مستخدمين ناطقين بالعربية، يُرجح أن من بينهم صحفيين ومتخصصين في استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT). واعتمد منفذو الحملة على قناة في تطبيق تيليغرام تحمل اسمًا مشابهًا لمنصة Liveuamap لاستدراج الضحايا، ما يعكس انتقال التهديدات من الهجمات التخريبية العامة إلى عمليات تجسس أكثر تخصصًا تستهدف القطاعات الاستراتيجية في المنطقة.

النهج الخليجي نحو تحقيق الاستقلال الرقمي
تُسهم الشراكات التقنية الدولية بصورة كبيرة في دعم التحول الرقمي وتطوير البنية التحتية لكنها تفرض في الوقت ذاته تحديات أمنية متزايدة. وتتمثل هذه التحديات في حماية البيانات، وتأمين البنية التحتية الحيوية، والحد من الاعتماد على الموردين الخارجيين في القطاعات الحساسة. وقد ازدادت أهمية هذه القضايا مع تصاعد التهديدات السيبرانية واحتدام المنافسة التكنولوجية على المستوى العالمي، الأمر الذي دفع بعض الحكومات إلى إعادة النظر في الأنظمة والمنصات التقنية التي تعتمد عليها.
فعلى سبيل المثال، اتجهت فرنسا إلى التوسع في استخدام البرمجيات مفتوحة المصدر وتقليل الاعتماد على التطبيقات والأنظمة مغلقة المصدر، نتيجة اعتبارات أمنية وقانونية بهدف تعزيز السيادة الرقمية والوطنية ووضعت جدولًا زمنيًا للفترة (2026–2030) لاستبدال أنظمة التشغيل الحالية بنظام لينكس Linux. كذلك قرر البرلمان الأوروبي اعتماد محرك البحث الفرنسي Qwant محركًا افتراضيًا في أجهزته الداخلية، في إطار الحد من الاعتماد على محركات البحث الخاصة بالشركات التقنية الأجنبية.
وفي السياق ذاته، وبالرغم من دور شركة هواوي في دعم مشاريع التحول الرقمي في دول الخليج من خلال نشر شبكات الجيل الخامس 5G، وتطوير الحوسبة السحابية ومراكز البيانات، وبناء المدن الذكية، إلا أنها واجهت قيودًا صارمة وحظرًا تدريجيًا في عدد من دول الاتحاد الأوروبي، بعدما صنفتها المفوضية الأوروبية ضمن “الموردين مرتفعي المخاطر”، وحثت الدول الأعضاء على استبعاد معداتها من شبكات الجيل الخامس والبنية التحتية الأساسية للاتصالات. كما أسهمت المادة السابعة من قانون الاستخبارات الوطني الصيني، التي تُلزم المنظمات والمواطنين الصينيين بدعم أعمال الاستخبارات الوطنية والتعاون معها وفقًا للقانون، في زيادة المخاوف لدى عدد من الدول بشأن أمن البيانات واستقلالية الشركات الصينية، وهو ما انعكس على تقييم المخاطر المرتبطة بالتعامل مع هذه الشركات. لذلك وضعت دول مثل ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة جداولًا زمنية لإزالة معدات هواوي من شبكاتها، واتجه الاتحاد الأوروبي إلى دعم تقنيات شبكات الوصول الراديوي المفتوحة Open RAN لتعزيز أمن ومرونة شبكات الاتصالات.
وفي ظل هذه المتغيرات، شددت دول مجلس التعاون الخليجي معاييرها لحماية البيانات والبنية التحتية الحيوية. ولم تتجه إلى استبعاد شركات بعينها، بل واصلت التعاون مع هواوي في عدد من مشاريع التحول الرقمي، مع إخضاع هذه الشراكات للضوابط المطلوبة ومتطلبات العمل. ويعكس ذلك نهجًا خليجيًا يختلف عن النهج الغربي في التعامل مع شركات التكنولوجيا. فبدلًا من الانحياز إلى طرف أو تبني سياسات الحظر الشامل، تميل دول الخليج إلى الموازنة بين المخاطر والمكاسب، بما يضمن الاستفادة من التقنيات المتاحة دون الإخلال بمصالحها الوطنية.
ومن هنا، برز مفهوم الاستقلال الرقمي كأحد المرتكزات الأساسية في السياسات التقنية الخليجية. فدول المجلس تسعى إلى تنويع شراكاتها التكنولوجية، وتوسيع خياراتها لتضمن لنفسها القدرة على اتخاذ قراراتها الرقمية بحرية، بشكل يخدم مصالحها الوطنية وينسجم مع رؤاها التنموية. ولا يعني ذلك الابتعاد عن شركاء بعينهم، بقدر ما يعكس توجهًا نحو تقليل الاعتماد على طرف واحد، وبناء منظومة رقمية أكثر استقلالًا ومرونة، وقادرة على التكيف مع التحولات الجيوسياسية والتكنولوجية المتسارعة.
