تقارير

سلطنة عُمان ومسارها المستقلّ: تحليل للسياسة العُمانية خلال الأزمة

اتخذت سلطنة عُمان لنفسها منذ عقود طويلة مسارًا مستقلًا عن التحالفات والتجاذبات الإقليمية، ظلت مستمرة عليه حتى بعد بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية وما ترتب عليها. هذا تحليل للدور العُماني في الخليج كما في المضيق.

بعد الساعة الواحدة من ظهر يوم 21 يونيو بقليل، بالتوقيت المحلي للمدينة السويسرية لوسرن، جلس ممثلو الولايات المتحدة وإيران إلى مفاوضات مباشرة للمرة الأولى منذ بداية الحرب في 28 فبراير الماضي، وبينهما الوسيطان قطر وباكستان بتمثيل رفيع المستوى. الغائب الحاضر في هذه المفاوضات هو سلطنة عُمان التي تنعقد المفاوضات بدون دور مباشر لها للمرة الأولى في التاريخ السياسي الحديث للشرق الأوسط بعد الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979. فعُمان قد نجحت على مدار العقود الماضية من الحرب الباردة أحيانًا والساخنة أحيانًا أخرى بين طهران وواشنطن في ترسيخ نفسها كوسيط يحظى بثقة كلًا من الطرفين. وعلى نحو استثنائي يستند بالمقام الأول إلى الموقع الجغرافي الفريد لعُمان وخصوصيتها السياسية، وهما العنصران اللذان أنتجا في الماضي وساطات قادَتها مسقط لمنع تدهور أزمات عابرة بين واشنطن وطهران إلى صراعات مسلحة، والمساهمة في عودة مواطنين غربيين إلى بلادهم بعد احتجازهم لدى طهران تحت مسوغّات وظروف مختلفة، وتوفير البنية التحتية من التفاهمات السياسية والثقة التي كانت العنصر الأساسي في اتفاقية الإطار الشامل حول البرنامج النووي الإيراني عام 2015. فما الذي حدث تحديدًا وأي ظروف دفعت مسقط إلى مغادرة موقعها التقليدي؟ وبعد الحرب الحالية التي لم يمنع فيها الموقف العماني المحايد استهداف البلاد بالصواريخ والمسيّرات الإيرانية، أين تقف عُمان الآن؟ 

تفرّد في الإقليم 

تبنّت سلطنة عُمان في ظل حكم السلطان السابق قابوس بن سعيد سياسة عدم الانخراط في المحاور والتحالفات الإقليمية، وذلك بالرغم من الدرجة العالية من الاستقطاب السياسي التي عصفت بالمنطقة العربية والشرق الأوسط خلال القرن الماضي. ففي الخمسينات والستينات من القرن العشرين، اصطفت دول المنطقة في محورين أساسيين. الأول هو المحور العربي القومي الثوري بزعامة جمال عبد الناصر والموالي للاتحاد السوفييتي، والثاني هو المعسكر المحافظ الموالي للغرب نسبيًا، ولكن سلطنة عُمان حتى في تلك اللحظة المبكرة لم تنخرط في أي من المعسكرين. وفي أعقاب المقاطعة العربية الواسعة لمصر بعد توقيع الرئيس الأسبق أنور السادات معاهدة كامب ديفيد مع إسرائيل، لم تكن عًُمان ضمن الدول المقاطعة، والتي اتخذت لنفسها اسم جبهة الصمود والتحدي. وفي بداية القرن الحادي والعشرين، عندما تحول الاصطفاف إلى محور الممانعة المنافس لمحور الاعتدال، لم تنضم عُمان إلى أي من المحورين. وفي سياقات محدودة، لم تشارك عُمان في مقاطعة سوريا الأسد إبان الحرب الأهلية، ولم تدعم مشروع الاتحاد الخليجي الذي سعى لروابط تنقل الخليج من مرحلة التحاف الإقليمي إلى الاتجاه نحو الفيدرالية، ولم تضم صوتها إلى فكرة تأسيس ناتو عربيّ. وفي إطار الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، التي استهدفت خلالها طهران المدن والموانئ العُمانية إلى جانب دول الخليج الأخرى، رفضت سلطنة عمان الانضمام إلى الأصوات الداعية للرد على إيران عسكريًا، بل ورفضت في الكثير من الأحيان اتهام إيران مباشرة بالوقوف خلف الهجمات، كما حرصت في مناسبات عديدة على إدانة الهجمات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة على إيران.  

لم يلق هذا الموقف العُماني المتفرّد الكثير من الترحيب في العواصم الخليجية الأخرى، وعلى الرغم من وجود تنسيق سياسي وعسكري عالي المستوى بين كل دول مجلس التعاون الخليجي، ذلك التعاون الذي كان منصة مهمة للتعامل مع الصواريخ والمسيّرات الإيرانية وصياغة الموقف السياسي الخليجي الموحّد المدين للاعتداءات الإيرانية والمستهجن لها، كانت هناك تساؤلات حول طبيعة الموقف العُماني لدى النخب الخليجية، التي أكدت أن تلك لحظة استثنائية لا يصح فيها مهادنة دولة هاجمت الخليج كل صباح خلال الحرب. وفي منعطف مهم خلال الحرب عكس الموقف العُماني بصورة أكثر وضوحًا، صرحّت وزارة الخارجية العُمانية في 9 مارس 2026 أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران غير أخلاقية وغير قانونية، وبعد يومين، في 11 مارس، قامت إيران باستهداف ميناء صلالة بمسيّرة في هجوم نفت طهران مسؤوليتها عنه، وامتنعت مسقط بدورها عن نسبه إلى طهران. ومنذ بداية الأزمة، بل وحتى أثناء المفاوضات التي توسطت فيها عُمان قبل بداية الحرب بأيام، والتي نجحت خلالها في انتزاع تنازلات إيرانية مهمة فيما يتعلق بملف تخصيب اليورانيوم كما أعلن وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي قبل ساعات من بداية الحرب في مقابلة مع شبكة CBS الأمريكية، حرصت عُمان على إبقاء غصن الزيتون حيًا ومسار المفاوضات قائمًا ومبادرات الوساطة فعّالة على الرغم من كل شيء. 

خلال استضافة سلطنة عمان للمفاوضات حول الملف النووي الإيراني خلال شهر فبراير 2026 (FMofOman)

إدارة مضيق هرمز 

في 24 مايو، زار نائب وزير الخارجية الإيراني مسقط لعقد مباحثات وصفت وزارة الخارجية العُمانية فحواها بـ”تبادل وجهات النظر والأفكار في ضوء المعطيات المستجدة والحاجة إلى بناء وتطوير القدرات الكفيلة بضمان سلامة حركة الشحن والتجارة وسلاسل الإمداد”. وفي 27 مايو، وفي تصريح صادم، قال الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض إنه إذا تعاونت عُمان مع إيران لفرض رسوم أو قيود على المرور في مضيق هرمز فإن الولايات المتحدة قد “تضطر إلى ضربهم.” وفي 29 مايو، أدلى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بعد محادثة مع نظيره العماني بدر بن حمد البوسعيدي بتصريحات عما سمّاه بالإدارة المستقبلية لمضيق هرمز، بما يتوافق مع “المسؤوليات السيادية والقانون الدولي”. كانت هذه أول إشارة رسمية رفيعة المستوى إلى مفهوم إدارة جديدة للمضيق بالتنسيق مع عُمان، وهو الأمر الذي تكررت التصريحات الإيرانية حوله منذ ذلك الحين. بعدها بأيام قليلة، صرحّ عراقجي بصورة أكثر وضوحًا أن كلًا من عُمان وإيران ستديران مضيق هرمز بشكل مشترك، لتتناصفا تحصيل رسوم جديدة تطالب إيران بفرضها ضمن شروطها لفتح المضيق أمام حركة الملاحة، معتبرة أن مضيق هرمز يخضع للسيادية الإيرانية العُمانية المشتركة، وأنهما، دونًا عن الدول الأخرى المطلة على الخليج، لهما الحق الحصري في تقرير كيفية الملاحة بالمضيق.  

الولايات المتحدة جددت رفضها لأي تصور يمنح إيران سلطة منفردة أو استثنائية على الملاحة في المضيق، مؤكدة أن حرية الملاحة يجب أن تكون مفتوحة وغير مشروطة. كما ظهرت تقارير إعلامية عن تصريحات لمسؤولين أمريكيين مفادها أن أي ترتيبات تخص هرمز يجب أن تضمن العبور الحر وفق القانون الدولي، وأن واشنطن عارضت فكرة فرض رسوم أو قيود على المرور. ومن ناحية دول الخليج، لم تصدر تصريحات مباشرة تعارض الموقف الإيراني، ولكنها تمسّكت بمبدأ حرية الملاحة. 

أما الخارجية العُمانية فلم تعلن صراحة تماشيها مع القرار الإيراني، ولكنها لم تفنده بشكل مباشر، بل أكدت على أهمية الملاحة وانسيابية التجارة الدولية والالتزام بالقانون الدولي، كما أكدت في بيان مشترك بين وزارتي الخارجية العُمانية والإيرانية على “الالتزام بالقانون الدولي بشأن العبور الآمن لمضيق هرمز.” وعند أخذ كل هذه التصريحات والمواقف في الاعتبار، فيبدو من الواضح أن هناك تصورات متباينة حول مستقبل الملاحة بمضيق هرمز، ما بين نظرة عُمانية ترى في التعاون مع إيران صمام أمان للإقليم ضد المزيد من التوتر، وبين نظرة أخرى تتمسك بالأسس القديمة للمرور بالمضيق وترفض الوصاية الإيرانية عليه، وهذه النظرة نفسها التي تحملها الولايات المتحدة. وفي مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران التي تم توقيعها يوم 19 يونيو الجاري، نصّت النقطة الخامسة على إعادة فتح الملاحة التجارية في مضيق هرمز، وتعهد إيران بتأمين عبور السفن التجارية لمدة 60 يومًا دون رسوم، مع إجراء محادثات مع عُمان حول الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في المضيق وفق القانون الدولي وحقوق الدول المشاطئة. ورأى مراقبون أن هذه الصياغة تعني موافقة أمريكية ضمنية غير مسبوقة على الوصاية الإيرانية العُمانية المشتركة على المضيق. ولكن مذكرة التفاهم نصّت على أن كل هذه الأمور ستخضع لمفاوضات تقنية تمتد لستين يوميًا من أجل توقيع اتفاق نهائي، تلك المفاوضات التي بدأت بالفعل يوم 21 يونيو.  

فما الذي سيحدث في هذه المفاوضات، وهل من الممكن أن تتنازل الولايات المتحدة عن شرط حرية الملاحة على المدى البعيد؟ أم أن دول مجلس التعاون الخليجي ستضغط لمنع حدوث هذا الأمر بدون الخوض في مواجهة سياسية خليجية-خليجية مباشرة؟ لا يبدو الموقف العُماني من هذه المسألة وليد الصدفة أو نتيجة لحسابات جديدة، بل هو الامتداد الطبيعي للمواقف الفريدة التي اتخذتها عُمان لنفسها في العقود الأخيرة.

لقطة من جبال مسندم لسفن تجارية وناقلات نفط بالقرب من مضيق هرمز (M7MDALTUNAIJI, 2026)