تقارير

ملف الوساطة القطرية: من دولة صغيرة إلى منصة للتسويات الإقليمية

كيف تمكنت الدوحة في وساطاتها من حل صراعات دولية شديدة التعقيد؟ وهل يتكلل هذا الدور الدبلوماسي القطري باتفاق ناجح ينهي الحرب الأمريكية الإيرانية؟

بيروت، الثامن من مايو أيار 2008. استيقظ العالم على خطاب للأمين العام الراحل لحزب الله حسن نصر الله، يعتبر فيه أن قرار الحكومة اللبنانية باعتبار شبكة اتصالات حزب الله في مطار بيروت غير شرعية بمثابة إعلان حرب. كان هذا المنعطف الأخير في أزمة بدأت قبل عدة أيام، وتطورت بعد خطاب نصر الله من إغلاق للطرق وإضرابات حدثت في اليوم السابق، إلى اشتباكات واجتياح لأحياء بيروت الغربية من قبل عناصر حزب الله، قبل أن تمتد الاشتباكات إلى جبل لبنان وطرابلس ليسقط خلالها المزيد من القتلى وتتعقد الأزمة أكثر فأكثر. استمر الاقتتال لعدة أيام إضافية انعقد خلالها المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية ليصدر قرارًا في 11 مايو بوقف إطلاق النار وانسحاب المسلحين وانتشار الجيش اللبناني، وفي 15 مايو تم التوصل في بيروت إلى تفاهم أولي بين أطراف الأزمة، على أن تستكمل المفاوضات في الدوحة. وبعد توافد الفرقاء اللبنانيون على الدوحة واحدًا تلو الآخر للمشاركة فيما تم تسميته بمؤتمر الحوار اللبناني، وبعد خمسة أيام من الحوار والمفاوضات الشاقة، تم في 21 مايو الإعلان عن التوصل إلى اتفاق الدوحة الذي وقّعه جميع المشاركين بحضور أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وأعضاء اللجنة الوزارية العربية والأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، لتنتهي بذلك كبرى الأزمات اللبنانية منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1990. وسجّلت قطر نجاحًا دبلوماسيًا ستغتنمه الدوحة بعد ذلك لترسيخ مكانتها كوسيط محترف قادر على إيجاد الحلول لأكثر قضايا المنطقة حساسية.

من دولة نفطية صغيرة إلى منصة للتسويات الإقليمية 

لم يكن اتفاق الدوحة حلًا نهائيًا للأزمة اللبنانية، ولم ينهِ معضلة السلاح أو الانقسام الطائفي أو النفوذ الإقليمي داخل لبنان، لكنه أوقف التدهور السريع نحو الصراع المسلّح، ومنح كل الفرقاء مخرجًا سياسيًا يحفظ ماء الوجه عبر تفكيك نقاط الخلاف وإجراء محادثات ثنائية والامتناع عن التصريحات الاستفزازية. ستصبح هذه الطريقة في حل الأزمات فيما بعد سمة مميزة للوساطة القطرية فيما تولت الدوحة مسؤوليته من ملفات آلت إليها بفضل هذا النجاح المبكر في الأزمة اللبنانية، وبفضل المقومات الأخرى للسياسة الخارجية القطرية التي أسّستها وشكّلتها قطر على مدار عقدين من الزمن. فنموذج الوساطة القطرية يستند على مجموعة من العناصر والعوامل العملية والأيديولوجية التي تتفرّد بها قطر، والتي نجحت في توظيفها للجمع بين فرقاء تخندقوا خلف مواقفهم وتصلّبوا عليها لعقود طويلة، وأحد أوضح التعبيرات عن هذا التوظيف هو بالجمع ما بين العلاقات الأمنية الوثيقة مع الولايات المتحدة، واستضافة قوى إسلامية على الأراضي القطرية، ونيل ثقة كلًا من الطرفين إلى حد معقول، لا لأن الدوحة محايدة تمامًا، بل لأنها قادرة على الحديث مع أطراف أقسموا على ألا يجتمعوا في غرفة واحدة، بل وعلى أنهم يفضلون الموت على التنازل عن مواقفهم.

يقبع جوهر الوساطة القطرية بما يمكن تسميته بالحياد الوظيفي. فالدول الكبرى لا تنظر إلى قطر باعتبارها دولة بلا مواقف أو بلا مصالح، لكنها ترى فيها قناة مفيدة للتواصل مع أطراف قد يحمل التواصل واللقاء العلني بها أثمانًا سياسية أو يشترط تراجعًا عن سياسات راسخة. أما الحركات المسلحةأو الإسلامية فترى في الدوحة طرفًا لا يتعامل معها بمنطق الإقصاء الكامل. هذه المساحة الرمادية هي ما مكّن قطر من الاضطلاع بهذا الدور، فهي في نهاية المطاف ليست بسويسرا الشرق الأوسط، وليست بقوة عظمى تفرض الحلول، بل دولة صغيرة أتقنت فن توفير المكان والضمان واللغة السياسية والبنية التحتية السياسية التي تسمح للأطراف المتخاصمة بأن تتراجع عن أكثر مواقفها تصلّبًا من دون الإعلان عن الهزيمة.

 جلسة لهيئة الحوار الوطني اللبناني برئاسة رئيس الجمهورية اللبنانية السابق ميشال سليمان بعد مؤتمر واتفاق الدوحة (2008)

الوساطة في الملف الفلسطيني 

في ملف حماس والقضية الفلسطينية، المفعمة بالتعقيدات والتوترات التي مسّت كل من انخرط فيها من قريب أو بعيد لعقود طويلة، ظهر الوجه الأكثر حساسية للوساطة القطرية. فقد استضافت قطر قيادات سياسية من حركة حماس في ظل معاداة رسمية شديدة للحركة في الخليج كما في مصر والأردن، وقدمت دعمًا ماليًا وإنسانيًا لقطاع غزة، واحتفظت في الوقت نفسه بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة. هذه العلاقة مع حماس عرضّت قطر لانتقادات متكررة في المنطقة العربية والولايات المتحدة، خصوصًا من أطراف ترى أن استضافة الحركة تمنحها شرعية سياسية لا تقبلها تلك الأطراف، ومن قبلها السلطة الفلسطينية نفسها، التي تعتبر أن حماس نفذّت انقلابًا عليها في قطاع غزة. لكن الأزمات المتكررة في الأراضي الفلسطينية والحروب الإسرائيلية على قطاع غزة، مع ما لهذه الحروب من أصداء عالمية، فرضت على الولايات المتحدة بل وإسرائيل نفسها اللجوء إلى قطر للتحدث مع حماس. فحين اندلعت حرب غزة بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023، أصبحت الدوحة إحدى القنوات القليلة القادرة على الوصول إلى حماس والتفاوض بشأن الرهائن والهدن الإنسانية.

هنا ظهرت الفكرة الأساسية في الدور القطري: ليس من المهم أن يكون الوسيط محبوبًا أو أن يحظى بالثقة الكاملة للطرفين، بل أن يتمتع بقدر كافٍ من الثقة. فإسرائيل والولايات المتحدة لم تكونا بحاجة إلى دولة تتفق مع موقفهما من حماس، بل إلى طرف يستطيع التواصل مع حماس ودفعها إلى الردوالتفاوض. وبموجب هذا، تحولت علاقة قطر بحماس إلى أداة دبلوماسية أثبتت أهميتها ونجاحها في لحظات صعبة خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة. فقد شاركت الدوحة إلى جانب مصر والولايات المتحدة في مسارات التفاوض التي أفضت إلى هدن مؤقتة وتبادل رهائن وأسرى وإدخالمساعدات إنسانية إلى القطاع المنكوب. نعرف الآن أن هناك أثمانًا قد تُدفع مقابل ممارسة هذا الدور، وجاءت تلك اللحظة في 2025 عندما شنّت إسرائيل هجومًا غير مسبوق على العاصمة القطرية لاغتيال الصف الأول من القيادات السياسية لحركة حماس أثناء بحث ورقة قدمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولكن الهجوم قد فشل في تحقيق أهدافه.

مساعدات قطرية تصل لمدينة العريش المصرية تمهيدًا لتوزيعها في قطاع غزة (وزارة الدفاع القطرية، 2024)

الملفان الأفغاني والإيراني 

أما في الملف الأفغاني، فقد أخذ الدور القطري بعدًا دوليًا تجاوز قضايا المنطقة العربية. فمنذ افتتاح مكتب طالبان السياسي في الدوحة عام 2013، أصبحت قطر المكان الوحيد في العالم الذي تستطيع فيه الولايات المتحدة التفاوض مع حركة طالبان من دون الاعتراف بها كدولة، وقد تطلب إنجاز هذا الأمر قدرًا كبيرًا من الحنكة والحساسية السياسيتين. وفي 2020، تكلل هذا المسار بالنجاح مع توقيع اتفاق الدوحة بين الولايات المتحدة وطالبان، والذي أصبح بعد ذلك الإطار الذي مهد لانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان. ويمكن القول إن قطر هنا لعبت دور المترجم السياسي بين طرفينلا يثقان ببعضهما، فالولايات المتحدة هي قوة عظمى تريد إنهاء حربها الطويلة من دون إعلان الهزيمة، وطالبان هي حركة أصولية مسلحة تريد العودة إلى السلطة من دون الظهور كطرف تابع لشروط أمريكية. وبهذا فإن قطر لم تصنع توازنات القوة في أفغانستان، لكنها قدمت المكان الذي تم فيهترجمة هذه التوازنات إلى نص تفاوضي.

وفي الحالة الإيرانية، كان الدور القطري في الوساطة خفيًا عن الأنظار إلى درجة كبيرة، لصالح الوساطة العُمانية التقليدية بين الغرب وطهران. ولكن الواقع أن قطر في السنوات الأخيرة قد لعبت دورًا تفاوضيًا مهمًا أفضى إلى اتفاقيات وترتيبات ناجحة لتبادل السجناء ونقل الأموال بين طهران والغرب، وامتد الدور القطري ليشمل توفير الثقة الإجرائية بين الطرفين، من استضافة للمحادثات وضمان للالتزامات ومراقبة لسير الإجراءات وإدارة التحويلات المالية مع الالتزام بالقيود المفروضة على تلك الأموال، بما سمح للطرفين بإتمام الصفقة دون أن يبدو أي منهما وكأنه منح خصمهتنازلًا مباشرًا.

وربما تفسر هذه الخبرة سبب بروز الدوحة بصورة أكبر مع تعقد المفاوضات الحالية بين الولايات المتحدة وإيران. فبعد أن كانت الوساطات السابقة تتمحور حول ملفات محددة، أصبحت المفاوضات الراهنة تتناول في وقت واحد قضايا نووية وأمنية وإقليمية واقتصادية، ما جعلها أقرب إلى إدارة حزمة متكاملة من التفاهمات لا إلى التفاوض على اتفاق واحد. وفي هذا السياق، جاء دخول باكستان على خط الأزمة بوصفه إضافة إلى شبكة الوسطاء، قبل أن تنتقل إدارة المسار التفاوضي بهدوء إلى الدوحة، حيث تحولت الأفكار العامة إلى ورقة تفاهم تتضمن بنودًا وإجراءات تنفيذية متدرجة. ويعكس ذلك إحدى السمات التي ميزت الوساطة القطرية خلال السنوات الماضية، والمتمثلة في تفكيك الملفات المعقدة إلى خطوات صغيرة قابلة للإنجاز، وربط كل خطوة بآلية تنفيذ وضمان مستقلة، بما يسمح بتحقيق تقدم تدريجي حتى في أكثر القضايا استعصاءً. هل تنجح الدوحة وإسلام أباد بالوصول بالمفاوضات الحالية إلى خط النهاية؟ وهل تتوقف الحرب حقًا إلى غير رجعة؟ ربما، وربما لا، فقطر إن كانت قد نجحت في السابق، فقد كان نجاحها بالدرجة الأولى في فتح الأبواب، وليس فرض التسويات، وإن لم يحمل كلًا من الطرفين، الأمريكي والإيراني، نية حقيقية في إنهاء الصراع، فلن ينتهي الصراع.

خلال محادثات السلام الأفغانية في العاصمة القطرية الدوحة في سبتمبر 2020 (DOS)