منظومات الدفاع الجوي بعيدة المدى: تقييم تقني واستراتيجي لنظام HQ-9 الصيني
أعادت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية التركيز على أنظمة الدفاع الجوي لما كان لها من دور حاسم في حماية مدن الخليج وبنيته التحتية من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية. فطهران، التي تلقت ضربات موجعة منذ بداية الحرب في 28 فبراير، قد قررت فرض ثمن الحرب على دول الخليج، لتطلق على كل دول مجلس التعاون الخليجي ستة آلاف من الصواريخ البالستية والمسيّرات الانقضاضية والصواريخ الجوّالة، التي تم اعتراض الغالبية العظمى منها بفضل مزيج من الأنظمة الغربية المتكاملة، مثل Patriot وTHAAD والنظام الكوري الجنوبي Cheongung II. وبهذا فقد أثبتت هذه الحرب حتى قبل نهايتها باتفاق شامل، أن أنظمة الدفاع الجوي التي دأبت الدول الخليجية على شرائها وتحديثها وتكامل عناصرها على مدار العقود الماضية، لم تكن رفاهية، بل كان لها الدور الحاسم في حماية، لا فقط المدن والبنية التحتية، بل النموذج التنموي الخليجي نفسه، والذي يعتمد في المقام الأول على أمن لا تفريط فيه. وفي تطور لافت، أعلن الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش في 28 يونيو عزم بلغراد شراء منظومة HQ-9 بعيدة المدى لتعزيز شبكتها للدفاع الجوي التي تضم منظومات صينية أخرى كمنظومة منظومة HQ-17Aقصيرة المدى ومنظومة FK-3/HQ-22 متوسطة إلى بعيدة المدى. ومع الإقبال الخليجي المتوقع على تعزيز دفاعاته الجوية متعددة الطبقات، هذا تقييم لنظام الدفاع الجوي الصيني الأبرز HQ-9، الذي يعدّ درّة تاج الدفاعات الجوية الصينية، ومحاولة للإجابة عما إذا كان النظام يقدم للمشتري الخليجي المستوى المطلوب من الأمن واستقلالية القرار الدفاعي في المديين المتوسط والبعيد.
المواصفات التقنية
يجمع نظام الدفاع الجوي الصيني HQ-9 أو «الراية الحمراء» مواصفات تبدو جذابة على الورق: مدى يصل إلى 300 كيلومتر، وقدرة عالية على التحرك، وكلفة رخيصة بالمقارنة مع أنظمة تنتمي نظريًا إلى الفئة نفسها، مثل S-300 الروسي أو Patriot الأمريكي.
| الخاصية | التفاصيل |
| الاسم | HQ-9 / Hong Qi-9 / Red Banner-9 أو FD-2000 لنسخة التصدير |
| الشركة المصنعة | CPMIEC (أو CASIC لنسخة التصدير) |
| التصنيف | دفاع جوي طبقي ضد الطائرات، المروحيات، المسيّرات، صواريخ كروز، الذخائر الموجهة، وبعض الصواريخ الباليستية التكتيكية |
| سنة دخول الخدمة | تشير التقديرات إلى العام 2001 |
| مدى الاشتباك | من 200 إلى 300 كيلومتر لـHQ-9 من 100 إلى 125 كليومتر لنسخة التصدير FD-2000 تصل إلى 250 كيلومتر لنسخة التصدير المعدّلة FD-2000B |
| ارتفاع الاشتباك | يصل إلى نحو 30 كيلومتر في أغلب التقديرات، أو إلى 50 كيلومتر في بعض تقديرات عن النسخة HQ-9B |
| سرعة الصاروخ | نحو 4 ماخ |
| الدفع | وقود صلب |
| نوع الرادار | رادارات بحث وتتبع وتحكم نيراني، أبرزها HT-233 في كثير من المصادر |
| قدرة الاشتباك مع عدة أهداف | مصمم لتتبع والاشتباك مع عدة أهداف في وقت واحد، لكن الأرقام الدقيقة تختلف ولا توجد بيانات قتالية مستقلة كافية |
| منصة الإطلاق | عربة إطلاق متحركة TEL |
| مقاومة التشويش | تسوق الصين النظام باعتباره قادرًا على العمل في بيئة تشويش كثيف وهجمات إشباع |
| القدرة ضد الشبحيّات | تُسوّق بعض النسخ مع رادارات مساعدة أو سلبية لتحسين كشف الأهداف منخفضة البصمة، لكن الأداء الفعلي غير مثبت قتاليًا |
| السجل القتالي | لا يوجد سجل قتالي واسع وموثق ضد خصم متطور يتيح تقييمًا مستقلًا حاسمًا |
| الدول المشغّلة | الصين وباكستان وتركمانستان وأوزبكستان والمغرب ومصر وأذربيجان |
| الأنظمة المعادلة | S-300PMU/S-400 الروسي، Patriot PAC-2/PAC-3 الأمريكي، SAMP/T الأوروبي |

الاعتبارات التقنية واللوجستية
حتى اليوم لا توجد حالة موثقة خاض فيها HQ-9 حربًا واسعة النطاق ضد خصم متطور جويًا، ولم يثبت اعتراضه لأعداد كبيرة من الصواريخ أو الطائرات في ظروف قتال حقيقية مماثلة لما واجهته أنظمة مثل Patriot أو Iron Dome أو حتى S-300/S-400 في بعض النزاعات. تم استخدام النظام في تدريبات ومناورات عسكرية، لكن المناورات تختلف جوهريًا عن القتال الفعلي. فبيئة الاختبار والتصنيع تتسم بالمعرفة المسبقة بنوع الأهداف والقدرة على التحكم في التهديدات، أما الحروب والاشتباكات الحقيقية فتحمل مجموعة واسعة من العوامل التي قد تؤثر بشكل حاسم على قدرة النظام المعني. وتشمل هذه العوامل الخارجة عن إرادة المصنّع عمليات التشويش والخداع الإلكتروني والأجسام الوهمية والإغراق بالإشارات الكاذبة والهجمات المتزامنة من عدة اتجاهات، فضلًا عن هجمات الإشباع أو الإغراق. في تلك الحالات، قد يهاجم الخصم الجهة المشغلة لـHQ-9 بعشرات أو مئات من المسيّرات والصواريخ الجوّالة والبالستية، فضلًا عن المقاتلات.
وبهذا فإن السؤال الحقيقي لا يقتصر على قدرة النظام على إسقاط هدف ما، بل على قدرته على التعامل مع عدة أهداف قبل أن يتعرض أداء المنظومة للتراجع. في الحروب الحقيقية، قد يلجأ الخصم إلى تكتيكات تدمير الدفاع الجوي SEAD، والتي تشمل الاستهداف المباشر بالصواريخ المضادة للرادار Anti-radiation missiles التي تستخدم إشارات الرادار في منظومة الدفاع الجوي كطريق يرشدها إلى المنظومة نفسها لضربها وتدميرها، مما يطرح السؤال المهم: هل يمتاز هذا النظام بالقدرة على الإغلاق وإعادة التشغيل بسرعة بعد تحرك الشاحنات التي تحمل النظام إلى موقع آخر؟
تطرح الحروب الحقيقية أيضًا أسئلة لا تتعلق بالضرورة بالقدرة التقنية للنظام بقدر ما تتعلق بمحيط النظام من عوامل بشرية وغير بشرية، وفي هذا الاتجاه من المهم أيضًا فهم سلاسل الإمداد الخاصة بالمنظومة ودرجة ومدى الاعتماد بين عناصرها، بما يشمل قطع الغيار وتحديث البرمجيات والرادارات والصيانة الثقيلة والذخائر الجديدة. من الناحية الاستراتيجية، ينطوي شراء منظومة مثل HQ-9 على شراكة مع الدولة المصنعة، شاء المشتري أم أبى، فالدولة المصنعة في هذه الحالة، وهي الصين، هي المصدر الوحيد والحصري للتقنيات وقطع الغيار والبرمجيات المطلوبة لدعم استدامة المنظومة، مما يخلق اعتمادية استراتيجية على بكين ويمنحها تأثيرًا بشكل أو بآخر على الدولة المشترية. وحتى إن لم تعكّر أي سُحُب صفاء العلاقات الصينية مع الدولة المعنية لتتحول هذه الاعتمادية إلى مشكلة، فوجود هذه الاعتمادية في المقام الأول قد لا يتسق مع أهداف استقرار القرار الدفاعي الخليجي.
ومن الناحية التقنية البحتة، فبالنسبة لدول الخليج، التي تعد من أكبر مشغلي الأنظمة الغربية للدفاع الجوي والرادار، يعد دمج منظومة مثل HQ-9 بالبنية التحتية الدفاعية القائمة مشكلة حقيقية. فهناك مسألة التكامل مع الرادارات الأمريكية وشبكات القيادة والسيطرة وبروتوكولات الاتصال غربية المصدر. ومن هذا المنظور، تحمل حالة تركيا في 2013 درسًا مستفادًا: فعندما كانت تركيا بصدد اختيار منظومة للدفاع الجوي، وعندما اختارت النسخة التصديرية من HQ-9 والمعروفة باسم FD-2000 على نحو فاجأ الكثير من المراقبين حينها، تعثّرت الصفقة فيما بعد لأسباب متعلقة بعضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي، فقد رفض الناتو حينها دمج نظام صيني داخل هذه الشبكة، بسبب مخاوف تتعلق بأمن المعلومات وإمكانية تعريض بيانات وأنظمة الحلف لمخاطر سيبرانية أو استخباراتية. ولو كانت تركيا قد أصرّت على الاحتفاظ بالنظام الصيني، لكان عليها تشغيله بصورة مستقلة عن شبكة الناتو، ما يقلل من الاستفادة من منظومة الإنذار المبكر المشتركة. ومن المعقول أن يتجسد هذا الاعتبار في طريق أي دولة تسعى للتوازن في علاقاتها الدفاعية بتنويع الأنظمة بين غربي وصيني، حيث ستكتشف سريعًا أن المساحة المتوفرة لاعتماد المنظومة أو التقنية الصينية هي مساحة طرفية، فلا يمكن دمجها في عصب منظومة الدفاع القائمة متنوعة المصادر والمصنّعين ومتكاملة الأجزاء. أما التحدي التكاملي الثالث فيتمثل في القيود التشغيلية التي يفرضها الاعتماد على منظومة فريدة محدودة المصدر، بل متفرّدة المصدر، عوضًا عن الاعتماد على تقنيات ومنظومات تقدمها شبكة واسعة من الحلفاء أو الشركاء.

الاعتبارات السياسية والاستراتيجية
إحدى المعالم الرئيسية للشراكة مع الصين، والتي تسوّقها الصين جيدًا لعملائها من الدول المشترية للسلاح الصيني، هي أن الشراكة مع بكين لا تحمل متطلبات سياسية أو قانونية، فالصين لا تفرض شروطًا سياسية أو إصلاحات داخلية كخطوات ضرورية للختم بالموافقة على صفقة السلاح. ولكن الواقع في اللحظة الحالية من تاريخ الصين هو أن التعامل مع بكين يعني التعامل مع خيارات وانحيازات وأفكار الرئيس شي جينبينغ شخصيًا، والذي قام بإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية الصينية على مدار السنوات السابقة عبر حملة ممنهجة من التطهير السياسي والعسكري أطاحت بكل مراكز القوى المتوسطة في جيش التحرير الشعبي والحزب الشيوعي. وقد انتهت الإصلاحات الهيكلية إلى تركيز القرار في يد شي على نحو غير مسبوق في التاريخ الحديث للصين، إلا في حالة المؤسس ماو تسي دونج نفسه. كما لا يمكن اللجوء لمؤسسات قضائية خارجة عن الإرادة السياسية لتحمي حقوق مشتري السلاح الصيني الذين قد تختلف سياساتهم مع سياسات بكين، كما لا توجد لجان برلمانية ذات إرادة مستقلة يمكن اللجوء إليها في حالات الاختلاف مع متخذ القرار الصيني. وبهذا فإن الاعتماد على هذا النوع من الشراكات مع جهة شديدة المركزية، يمثل اعتمادية استراتيجية على منظومة الشخص الواحد، ويفتح المجال أمام سيناريوهات من نوع عدم توفر قطع الغيار والصيانة، أو حتى الصواريخ، المستخدمة في نظام مثل HQ-9.
هذا الغموض في السياسة الصينية كان مسألة نظرية قبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، ولكنه تحول بعدها إلى مسألة ملحّة على الخليج التعامل معها. فالصين، التي تحمل علاقات ممتازة مع دول مجلس التعاون الخليجي، قد مدّت الحرس الثوري الإيراني بنظام ملاحة ساعد طهران على استهداف المدن الخليجية والبنية التحتية فيها بالصواريخ والمسيّرات. كما استمرت الصين خلال الأزمة، التي امتدت لأسابيع هاجمت فيها إيران دول الخليج كل يوم، في شراء النفط الإيراني بل وتقديم الدعم السياسي للجانب الإيراني خلال المفاوضات التي لعبت باكستان دور الوسيط فيها. وبهذا تشكلت صورة مربكة: الحليف الصيني مارس دورًا مباشرًا وديناميكيًا في تعزيز القدرة العسكرية الإيرانية. فاستخدام طهران لنظام الملاحة الصيني لا يمثّل قطعة غيار حصلت عليها طهران بالالتفاف على العقوبات، بل يتطلب قرارًا صينيًا واستمرارية في تقديم المقومات التقنية لتمكين طهران. لماذا لم ينجح الضغط الصيني على طهران لوقف هجماتها على دول الخليج، خاصة أنّ هذه الحرب لم تكن خاطفة، بل امتدت لأسابيع وأسابيع؟
وعليه، ففي سيناريو مستقبلي تقع فيه دول الخليج على تضاد مع حليف آخر لبكين، ما هو مصير البيانات الواردة من الأنظمة الصينية التي تستخدمها الدول الخليجية؟ وهل لدى طهران قدرة على اختراقها بحكم استخدامها لأنظمة مماثلة؟ وكيف يمكن لبكين الموازنة بين تزويد إيران بالمواد اللازمة لصواريخها ومسيّراتها بينما تمد العواصم الخليجية بالصواريخ الكافية لصدّها؟ ربما تكون هذه الأسئلة مبالغ فيها أو مغرقة في التشاؤم، ولكن دول الخليج لا مساومة فيها على الأمن، فهفوة واحدة كفيلة لا فقط بضرب خزان للوقود أو محطة لتحلية المياه، بل بتجميد النموذج التنموي الخليجي. بالنسبة للمشتري الخليجي، يحمل نظام HQ-9 ميزات حقيقية تجعله منافسًا قويًا للأنظمة الغربية والروسية والكورية، ولكنه يحمل أيضًا علامات استفهام حول الاعتبارات التقنية واللوجستية، والقدرات التقنية، ومسألة التكامل ضمن البنية التحتية الدفاعية بالإضافة للاعتبارات السياسية والاستراتيجية لدول الخليج العربي في المرحلة القادمة.
