هل تحول النظام الإيراني من الثورة الإسلامية إلى الحكم العسكري؟
مع استمرار غياب المرشد الجديد مجتبى خامنئي، والسطوة المتزايدة للحرس الثوري على القرار الإيراني، ثمة تساؤلات حول ما طرأ من تغيّر على السلطة في إيران وما إذا كان نظام ولاية الفقيه قد انتهى عمليًا لتبدأ مرحلة جديدة يسيطر فيها الحرس الثوري على مقاليد الأمور.
أتت الضربة الأولى فيما بات يعرف بحرب الأربعين يومًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل في الثامن والعشرين من فبراير 2026 لتغتال السلطة الروحية والسياسية الأولى في البلاد، المرشد الأعلى علي خامنئي نفسه، وتضع نهاية درامية لحقبة بدأت عام 1989 بوفاة مؤسس الثورة الإيرانية ومرشدها الأول روح الله الخميني. اتسمت فترة ولاية علي خامنئي بتركز السلطة في شخصه ومنصبه، حتى إن الرئيس والحكومة والبرلمان والمجالس الدستورية والاستشارية لم تكن إلا كواكبًا تسبح في فلك المرشد، الذي كان الحكم الأول بينها والمرجعية التي تضبط توازناتها والمسؤول عن تعيين أعضاءها والثقل الذي يميّل كفة الميزان في هذا الاتجاه أو ذلك. واستطاع علي خامنئي، بفضل طول فترة ولايته فضلًا عن اعتبارات أخرى، أن يرسم ملامح إيران التي تسلّطت عليها أضواء العالم والولايات المتحدة في مطلع الألفية الجديدة مع الكشف عن وجود برنامج نووي سرّي بها: إيران الثورة الإسلامية المتمددة إقليميًا والصبورة استراتيجيًا والتي ستخضع لدورات عديدة من العقوبات الغربية القاسية التي لن تزيدها إلا تمسّكًا بمواقفها.
أين المرشد الجديد؟
كان اغتيال علي خامنئي بداية صادمة لسلسلة من الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل والولايات المتحدة مناصفة في حرب الأربعين يومًا، والتي طالت كذلك أرفع أعضاء القيادة العسكرية والسياسية في إيران، ولم تستثنِ إلا الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. وكانت سلسلة الاغتيالات تلك استكمالًا لما بدأته إسرائيل عام 2025 في حرب الاثني عشر يومًا، التي اغتالت خلالها قادة الأركان واستخبارات الحرس الثوري وأفرع القوات المسلحة. في غضون أيام. بعد اغتيال المرشد ببضعة أيام، وبعد مداولات سريعة، أعلن مجلس خبراء القيادة الإيرانية في التاسع من مارس انتخاب مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى للجمهورية الإسلامية كثالث شخص يشغل هذا المنصب منذ قيام الثورة الإسلامية. وبحسب تقارير إعلامية، كان المرشد الجديد من المتواجدين مع المرشد الراحل في مقره أثناء الضربة الافتتاحية للحرب، التي تعرض بسببها إلى إصابات بحسب تقارير غربية، وظل منذ ذلك الحين خفيًا عن العيان، لم يظهر في أي مناسبة ولم يُسمع صوته في أي بيانات، بل اكتفى ببيانات مكتوبة قرأها مقدمو النشرات الإخبارية عند صدورها.
وفي تصريحات متفرقة لمسؤولين إيرانيين، قيل إن سبب اختفاء المرشد هو لحمايته من الاستهداف، مع التأكيد على أنه يقود البلاد بصورة طبيعية ويعقد الاجتماعات ويصدر التوجيهات من موقع آمن. وفي 7 مايو أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أنه التقى المرشد مجتبى خامنئي شخصيًا، بدون الكشف عن المزيد من التفاصيل، ولكن التساؤلات حول مصير المرشد الجديد ازدادت مع مرور الوقت وبعد دخول وقف إطلاق بموجب مذكرة التفاهم الموقعة من الولايات المتحدة وإيران حيز التنفيذ، التي أكد المرشد في رسالة مكتوبة أخرى أنه وافق عليها بالرغم من تحفظاته بعدما تعهّد بزشكيان، بصفته رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، بحماية حقوق الشعب الإيراني ومصالح جبهة المقاومة، وأن المجلس لن يقبل بأي مطالب أمريكية مفرطة. وفي الثالث من يوليو الجاري ومع انطلاق مراسم التشييع الرسمي للمرشد الراحل، كان غياب المرشد الجديد عن جنازة والده لافتًا، بل ومستغربًا، على الرغم من الظهور المحدود لقائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، الذي يعتبره مراقبون هدفًا ذا أولوية للاغتيال من قبل إسرائيل.

اشتعال الموجهة بين الإصلاحيين والمحافظين
وإذا كانت إحدى أبرز معالم ولاية المرشد الراحل علي خامنئي هي حفاظه على التوازن بين التيارات الإصلاحية والمحافظة والبرغماتية، فإن إحدى أبرز معالم غيابه حتى اللحظة هي ظهور هذا الخلاف إلى العلن على نحو غير مسبوق في السياسة الإيرانية. فبعد بدء المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، أولًا في باكستان ثم بعد ذلك في جنيف والدوحة، بدأت شخصيات ووسائل إعلام محسوبة على التيار المحافظ بمهاجمة المفاوضين علانية. حيث شن الإعلام المقرب من الحرس الثوري هجومًا عنيفًا على وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عقب تصريحات أدلى بها في يونيو 2026 حول اقتراب التوصل إلى مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة، على اعتبار أن هذا الموقف يمثل تراجعًا أمام الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي 28 يونيو هدد الحرس الثوري بوقف المفاوضات مع الولايات المتحدة ردًا على ضربات أمريكية اعتبرها انتهاكاً لوقف إطلاق النار، فيما يعد تحييدًا عمليًا للمفاوضين الإيرانيين. وفي 30 يونيو تم قطع بث مقابلة مسجلة مسبقًا لرئيس البرلمان قاليباف أثناء حديثه عن مسألة المفاوضات. وفي 11 يوليو الجاري أعلن إعلام الحرس الثوري أن طهران لن تدخل في أي مفاوضات جديدة ما لم تتراجع واشنطن عن مواقفها. وفي لحظة غير مسبوقة في التاريخ الحديث لإيران، تعرض وزير الخارجية عباس عراقجي لهجوم لفظي وملاحقة من مجموعات تحمل أعلامًا حمراء داعية للانتقام حاولت التهجم عليه جسديًا أثناء مشاركته في تشييع المرشد الراحل علي خامنئي، تلك المحاولة التي تم تصويرها كاملة بدون تدخل من عناصر الأمن، كما أن الرئيس بزشكيان لم يسلم من هتافات داعية إلى “الموت للخونة” في الجنازة كذلك. هذه الأمور ربما تعكس رغبة لدى من يمسك بزمام القوة في تحجيم مسألة المفاوضات برمّتها، وربما يكون الأمر مؤشرًا على استباحة الهجوم على الشخصيات السياسية الإصلاحية والمعتدلة في هذه المرحلة الجديدة في إيران.
في الماضي، أثناء ولاية المرشد السابق، كان التيار المحافظ معروفًا بمهاجمته للإصلاحيين وتخوينهم، فقد طالت الاتهامات بالخيانة والعمالة لإسرائيل الرئيس السابق حسن روحاني الذي توصل إلى اتفاق نووي مع إدارة أوباما، ووزير خارجيته جواد ظريف الذي خاض تلك المفاوضات شخصيًا، ومحمد خاتمي الرئيس المعتدل الذي انتهت ولايته الثانية مع بداية أزمة النووي الإيراني، ورئيس البرلمان السابق مهدي كروبي، بل وحتى الرئيس الحالي مسعود بزشكيان، وكان كل هذا يحدث في ظل ولاية علي خامنئي. لماذا لم يتدخل علي خامنئي لمنع هذا النوع من الخلاف العلني؟ كانت هذه طريقته في إدارة الأمور وفرض التزام البرغماتيين والإصلاحيين بالمبادئ المؤسسة للجمهورية الإسلامية، فقد كان علي خامنئي نفسه، إذا نظرنا إلى كل الوقائع، هو قائد التيار المحافظ ونصيره الأعلى. ومع ذلك، فإن المنافسة المحافظية-الإصلاحية لم تتطور في عهده إلى حد التقويض العملي لمفاوضات يخوضها طرف ممثل للجمهورية الإسلامية بمحافظيها وإصلاحييها وكل مكوناتها، فلم يكن هناك مجالًا لذلك، كما أن محاولة الهجوم على وزير الخارجية جسديًا تقع بكامل ظروفها وتفاصيلها خارج حدود ما كان ممكنًا في إيران علي خامنئي، التي تعاقب فيها ست رؤساء، من هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي ومحمود أحمدي نجاد، إلى حسن روحاني وإبراهيم رئيسي ومسعود بزشكيان. هل ساهم غياب علي لاريجاني بالاغتيال، والذي كان يعتبر على نطاق واسع مهندس التناغم وضبط الإيقاع بين المؤسسات والتيارات وفقًا لتعليمات المرشد، دورًا في وصول هذا الصراع الداخلي إلى مرحلة القدح العلني في أشخاص يتولون مسؤوليات دستورية عليا في البلاد؟

سنغلق المضيق ونضرب الخليج
هذه المواجهة بين المحافظين والإصلاحيين لم تعد تقتصر على الحروب الكلامية والتسريبات والمنشورات المتشددة لعضو في البرلمان مثل سيد محمود نبويان الذي لم يتوقف عن مهاجمة المفاوضات وطرفيها، الأمريكي والإيراني على حد سواء، بل أصبحت تُمارس عمليًا بإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة وقصف دول الخليج. وفي أبرز مثال على هذا النهج، بعد نحو أسبوع من بداية حرب الأربعين يومًا التي استهلت إيران دورها فيها بضرب دول الخليج، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أنه يعتذر شخصيًا للدول المجاورة التي طالتها الهجمات الإيرانية، وإن قرارًا قد اتخذ في اجتماع مجلس القيادة المؤقت في اليوم السابق، أي 6 مارس، بوقف إطلاق الصواريخ على دول الجوار ما لم تنطلق منها هجمات على إيران. ولكن بعد ذلك بساعات قليلة، أطلق الحرس الثوري موجات جديدة من الصواريخ والمسيّرات ضد قطر والبحرين والإمارات والسعودية، واستمر الحال على هذا المنوال حتى وقف إطلاق النار، ولكنه بدأ من جديد، وإن كان بشكل محدود، في الأعمال القتالية التي تم استئنافها قبل عدة أيام، في يوليو الجاري. وعلى المنوال نفسه، يقود الحرس الثوري ما أصبح يُعتبر على نطاق واسع حول العالم تشددًا إيرانيًا في فهم النقطة الخامسة من مذكرة التفاهم، والتي يقول نصّها:
“عند توقيع مذكرة التفاهم هذه، ستتخذ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مع بذل أفضل جهودها، الترتيبات اللازمة لضمان المرور الآمن للسفن التجارية، من دون رسوم لمدة ستين يومًا فقط، من الخليج العربي إلى بحر عُمان وبالعكس. وستبدأ حركة السفن التجارية فورًا، وعلى أن تُستكمل، مع مراعاة الحاجة إلى إزالة العوائق الفنية والعسكرية وعمليات إزالة الألغام التي تقوم بها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، خلال ثلاثين يومًا. كما ستجري الجمهورية الإسلامية الإيرانية حوارًا مع سلطنة عُمان لتحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز، وذلك بالتشاور مع الدول المشاطئة الأخرى للخليج العربي، بما يتوافق مع القانون الدولي المعمول به والحقوق السيادية للدول الساحلية المطلة على مضيق هرمز.”
التفسير الإيراني لهذه النقطة يضع المضيق تحت السيادة المشتركة لإيران وسلطنة عُمان بوصفها مياهًا إقليمية ينطبق عليها مبدأ العبور البريء في القانون البحري الدولي، والذي يعني ضمنًا أن للدول التي يقع المضيق عمليًا ضمن مياهها الإقليمية الحق في وضع ترتيبات وفرض رقابة معينة على السفن العابرة. بينما يذهب التفسير الدولي، والذي تدفع به الولايات المتحدة ودول الخليج وحتى سلطنة عُمان، بأن مبدأ المرور العابر هو الذي ينطبق في هذه الحالة، وهو الذي لا يمنح أي دولة حق فرض رسوم أو ترتيبات أو أي قيود على عبور السفن باعتبار المضيق مياهًا دوليًا تصل ما بين أعالي البحار وبحر إقليمي.
وانطلاقًا من هذا التفسير الإيراني الخاص، أطلق الحرس الثوري الصواريخ والمسيّرات ضد سفن التجارية التي حاولت عبور المضيق، بما فيها سفنًا كانت تعبر من المسار العُماني الذي استحدثته مسقط كخيار للعبور يقيها مواجهة مباشرة مع إيران ويمنع تقويض موقعها كوسيط، وفي الوقت نفسه يسمح للملاحة بالعبور وفق الأسس الدولية التي أقرّتها سلطنة عُمان في مناسبات عدة، أحدثها بيان الخارجية العُمانية في 14 يوليو الجاري الذي أكدت فيه السلطنة “التزامها الكامل بالقانون الدولي، ولا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار UNCLOS.” هذا الموقف العُماني الحذر دبلوماسيًا والرشيق لغويًا لم يمنع الحرس الثوري من استهداف عُمان، بل واستهدافها بعد ساعات معدودة من وجود وزير الخارجية عباس عراقجي بها يوم 12 يوليو، فيما يمكن اعتباره انصرافًا تامًا للحرس الثوري عن سياق المحادثات والجهود الدبلوماسية، سواء تعلقت بالمضيق أو بالشأن النووي أو أي شيء آخر.
هذا التمدد غير المسبوق في نفوذ الحرس الثوري لا يمكن فصله عن رحيل المرشد السابق، ولا عن غياب المرشد الحالي حسّيّا عن مسامع وأنظار الشعب الإيراني. مما يطرح السؤال: هل ما زالت ولاية الفقيه مركز السلطة الفعلية في إيران، أم أنها قد أصبحت مع اغتيال علي خامنئي مجرد غطاء لسلطة أمنية عسكرية جديدة يقودها جنرالات أصغر سنًا وأحدث عهدًا وأكثر تشددًا وعزمًا على الانتقام للمرشد الراحل، بل وأقل خضوعًا للمرشد الجديد؟ حتى اللحظة، يبدو من مسار الأحداث منذ توقيع مذكرة التفاهم، التي تم اعتبارها على نطاق واسع انتصارًا لإيران، وحتى تخلت إيران عنها طواعية بضرب المسار العُماني في مضيق هرمز، أن المؤسسة العسكرية ممثلة في الحرس الثوري هي من يمارس الوصاية على القيادة السياسية، وهي من يرسم الخطوط الحمراء، وهي من سمح بالتظاهرات المناوئة للمفاوضين والمخوّنة لهم، بل والساعية للفتك بهم أثناء جنازة المرشد.
لا تعدّ عسكرة المؤسسات أثناء الحروب شيئًا جديدًا أو ظاهرة تتفرّد بها إيران، ففي كل الحروب تزداد عسكرة الجبهة الداخلية وتقصر المسافة بين المنتقد والخائن وتُمنح المؤسسات الأمنية والعسكرية صلاحيات واسعة وتكثر الاعتقالات وتتصلّب المواقف. ولكن في نظام مثل نظام الثورة الإسلامية، ومع اغتيال قائد هذه الثورة على هذا النحو، هل هناك من يعيد الجنرالات إلى ثكناتهم بالمعنى الحرفي أو العملي؟ هل هناك احتمال أن يتوصل وزير الخارجية إلى اتفاق ينصاع لشروطه الجنرال أحمد وحيدي أو إسماعيل قآاني؟ إن كان ذلك صحيحًا، فهو لا يبدو قريبًا.
