ما وراء الأسلحة: تقييم للشراكات الدفاعية مع الصين تحت الضغط
شهدت المؤسسة العسكرية الصينية على مدار السنوات القليلة الماضية سلسلة من التحولات المربكة على المستويين الهيكلي والمعنوي، بوتيرة لم تعرفها البلاد طيلة عقود الاستقرار التي أعقبت حكم ماو تسي تونغ. فبخطوات ممنهجة وسريعة، قام الرئيس الصيني شي جين بينغ بتغيير سلسلة قيادة الجيش بأكملها، وتحويل هيكله الإداري إلى مستويات أعلى من المركزية، وفرض أهداف استراتيجية لتبني الذكاء الاصطناعي والأنظمة المسيّرة على نطاق واسع. لا يمكن الجزم حتى الآن بمدى التأثير الإيجابي أو السلبي لهذه التغييرات على القدرة القتالية للجيش، وما إذا كانت قد أوجدت أوجه قصور لم تظهر بعد للعيان.
تعكس جهود الرئيس شي لفرض المركزية العسكرية ما فرضه بالفعل من مركزية سياسية، وذلك ضمن عملية مدروسة استمرت لعدة سنوات قام خلالها بتفكيك منظومة القيادة الجماعية من قبل المكتب السياسي الذي اتبعه أسلافه، واستبدله بنظام المسؤولية الفردية للرئيس. الاستراتيجية التي استخدمها شي لتحقيق ذلك اتخذت منهجًا ثابتًا: استخدام مكافحة الفساد لتصفية الخصوم، مرورًا بإعادة هيكلة المؤسسات لتجاوز البيروقراطيات القديمة، وانتهاءً بتقنين سيادته وسلطاته المضاعفة في الدستور. أثمر كل هذا عن منظومة الرجل الواحد الذي يمسك بزمام قرار البلاد على جميع المستويات، من السياسات العليا للحزب الشيوعي إلى أبسط التحركات العسكرية، على سلّم زمني بدأ بحملة “النمور والذباب” لمكافحة الفساد التي أطلقها عام 2013، وصولًأ إلى الإقالة المفاجئة وغير المسبوقة في يناير 2026 لنائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية الجنرال الصيني البالرز تشانغ يوشيا، أحد آخر الجنرالات في الصين ممن لديهم خبرة قتالية.
من الحصن المنيع إلى مسرح العمليات
في أهم خطوة اتخذها لبسط سيطرته الكاملة على الجيش الصيني، قام الرئيس شي جين بينغ عام 2016 بتغيير المنظومة البيروقراطية السوفيتية المتجذرة في جيش التحرير الشعبي، واستبدلها بهيكل قيادة حديث مستوحى من النموذج الغربي، مصمم لحروب متكاملة عالية التقنية. تمثل هذا التغيير في استبدال المناطق العسكرية الإقليمية السبع التي كانت تحدد قطاعات عمليات الجيش الصيني بخمس مسارح جغرافية للعمليات، هي الشرقي والجنوبي والغربي والشمالي والأوسط. الهدف المعلن من هذه الخطوة هو تكامل مختلف وحدات وأسلحة الجيش في قيادة واحدة مشتركة. أما الهدف غير المعلن فكان إنهاء ما قيل أنها حالة إقطاعية تشكلت في المناطق العسكرية السابقة بقيادة جنرالات أقوياء، تفشت في ظل قيادتهم ثقافة المحسوبية والفساد.

خريطة مناطق العمليات الجديدة لجيش التحرير الصيني
لكن أيًا كانت أهداف هذا التغيير، فإنه يحمل في طياته أكثر من مجرد اسم جديد. فبموجب هذا التغيير، تحول جيش التحرير الشعبي من بيروقراطية دفاعية تتمحور حول القوات البرية إلى قوة مشتركة جاهزة للهجوم، من حصنٍ تتركز فيه القوة بالداخل، إلى مسرح عمليات توجه فيه القوة نحو الخارج. وقد سهّل هذا التحّول في العقيدة العسكرية إزالة المهام الإدارية المتعلقة بالتدريب والتجهيز والإمداد من مسؤولية قيادات مسارح العمليات الجديدة، لكي تتمكن من التركيز على القدرة والجاهزية القتالية. يبدو هذا وكأنه خطوة في الاتجاه الصحيح من الناحية النظرية. أما عمليًا، فقد قضى هذا التغيير على أي تنوّع في الاستراتيجيات العسكرية أوجدته المنظومة السابقة بفضل وجود عدد من الجنرالات الكبار الذين تتوزع بينهم المسؤوليات، وعليه فإن التغيير قد فوّض جميع السلطات إلى الرئيس شي نفسه، إذ أصبحت قيادات المسارح العملياتية الجديدة خاضعة لسيطرته بشكل مركزي. وبهذا بات الرئيس شي يمارس سيطرة مباشرة على الأنشطة العسكرية اليومية على نحو أكبر من أي زعيم صيني منذ ماو تسي تونغ.
حملة تطهير تلو الأخرى
السمة الثانية لعهد حكم الرئيس جين بينغ هي عمليات التطهير المتكررة التي أطاحت بالقيادات العسكرية الصينية. هذا تسلسل زمني لعمليات التطهير هذه:
- 2014-2015: اعتقال نائبيّ رئيس اللجنة العسكرية المركزية السابقين، شو تساي هو وغو بوكسيونغ، وتفكيك شبكات المحسوبية التي يزعم أنها سيطرت على الترقيات العسكرية لعقود
- يناير 2016: الإلغاء الرسمي للمناطق العسكرية التقليدية السبع، وإنشاء خمس مسارح للعمليات لإعطاء الأولوية لجاهزية العمليات المشتركة على الدفاع والإدارة الداخلية
- 2016: حلّ الإدارات العامة المستقلة الأربع واستبدالها بخمسة عشر هيئة صغرى تتبع مباشرة للجنة العسكرية المركزية
- 2017: تقنين نظام مسؤولية الرئيس في دستور الحزب الشيوعي، مما رسخ بشكل قانوني سلطة شي جين بينغ المطلقة على جميع القرارات العسكرية
- 2018-2021: استهدفت سلسلة من الأعمال التي وصفت بالتصحيحية قطاعي الإمداد والتموين العسكريين لتجريد القيادات فيهما من مواردهم المالية المستقلة
- يوليو 2023: تطهير القيادة العليا لقوة الصواريخ بالكامل بين عشية وضحاها في أعقاب مزاعم فساد واسع النطاق في المشتريات والاستخبارات، وفق تسريبات
- أكتوبر 2023: إقالة وزير الدفاع لي شانغفو من منصبه بعد أشهر قليلة من تعيينه، مما يشير إلى أن حتى المقربين من شي جين بينغ لم يكونوا في مأمن
- يونيو 2024: طرد وزير الدفاع السابق وي فنغخه من الحزب، مما يؤكد أن حملة التطهير استهدفت كبار الضباط العسكريين بأثر رجعي
- إبريل 2024: تفكيك قوة الدعم الاستراتيجي وتقسيمها إلى ثلاث وحدات منفصلة لمنع أي فرع من السيطرة على جميع الأدوات السيبرانية والاستخباراتية
- أكتوبر 2025: طرد نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية هي ويدونغ وعدد من الجنرالات مما سمّي بمجموعة فوجيان، مما أدى إلى إقصاء موالين لشي جين بينغ ساعدوه على ترسيخ سلطته
- يناير 2026: بلغت حملة التطهير ذروتها بالتحقيقات مع نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية تشانغ يوشيا ورئيس هيئة الأركان المشتركة ليو تشنلي، مما قلص حجم اللجنة لتقتصر على الرئيس شي جين بينغ ورئيس قسم الانضباط
كيف تؤثر عمليات التطهير هذه على القدرات القتالية لجيش التحرير الشعبي الصيني؟ يصعب تحديد ذلك مع عدم خوض الصين لأي مواجهة عسكرية. ومع ذلك فإن هناك آثار لا يمكن إنكارها على الانطباعات المحلية والخارجية عن قدرات الجيش الصيني كنتيجة لطبيعة هذه الإقصاءات وتواترها. يتمثل الأثر الأول في إضعاف الثقة بالمؤسسة العسكرية، بل وحتى بنزع النزاهة عن الجنرالات الذين ما زالوا يشغلون مناصبهم، فغياب المظاهر الدالة على الفساد، وغموض الأسباب التي استند إليها عزل هؤلاء القادة، يقوضان الثقة بالمؤسسة ككل على المستوى الشعبي. إذا أمكن عزل خمسة من أصل سبعة أعضاء في أعلى وأرفع هيئة عسكرية في البلاد بهذه الطريقة وبهذه السرعة ولهذه الأسباب، دون أن يظهر أي دليل آخر على إدانتهم أو تورط أشخاص آخرين، فإن هذا سيؤدي حتمًا إلى تقويض الثقة بالقادة العسكريين الحاليين.
أما الأثر الثاني لهذه العمليات فهو أنها تأخذ ثقافة تجنب المخاطر إلى درجة الشلل، أو ما يعرف في المجال العسكري بتجمّد المبادرة. فكل هذه الأحداث تدعو الضباط على جميع المستويات لتجنب اتخاذ أي قرارات فردية لتلافي أي أخطاء محتملة، لأن طريقة التعامل مع هذه الأخطاء تبدو واضحة. وحتى إن تم تغيير هيكل قيادة الجيش إلى نظام القيادة والسيطرة، الذي يمنح الضباط في الميدان صلاحيات أوسع، وهو ما نوقش في سياق جيش التحرير الشعبي الصيني، فإن هذا لن يغير هذه الثقافة ولن يحقق النتائج المرجوة من مثل هذه المنظومة إن اعتمدها الجيش الصيني، وهو لم يعتمدها، بل إن الأمر قد وصل من المركزية إلى أن المنظومة بأكملها تعتمد عمليًا وقانونيًا على تقدير وقرارات شخص واحد، وهو الرئيس شي شخصيًا، أي الرجل الذي انصرف بالفعل بقراراته عن التوافق المؤسسي التقليدي في الصين.

الزعيم الصيني شي جين بينغ يستضيف الرئيس الفلبيني بونغبونغ ماركوس في زيارة دولة إلى بكين في 4 يناير 2023.
أما الأثر الثالث والأخطر لهذه التطهيرات بالنسبة للصين، فهو أنها أزالت فعليًا من هيكل جيش التحرير الشعبي أي قيادة متبقية ذات خبرة قتالية فعلية، إذ كانت آخر حرب خاضتها الصين مع فيتنام قبل 47 عامًا. وبينما يمثل هذا تحديًا في سياق أي قوة عسكرية ذات طموحات معقولة، فإنه يعد مشكلة كبيرة في سياق جيش يسعى إلى تحقيق تحولات جذرية مثل التحديث وتحقيق قدرات الحرب الذكية. فأنظمة الذكاء الاصطناعي التي يفترض أن تتخذ القرارات في جيش التحرير الشعبي الصيني الحديث، تفتقر إلى الخبرة البشرية الضرورية لتغذيتها وتدريبها، تلك الخبرة التي تستطيع تمييز الأمور في ضباب الحرب، وتراقب التطورات وتتكيف معها، وتحيط بمعنويات المقاتلين، وتستخدم قواعد اشتباك معقولة، وتفرز المعلومات بناءً على أهميتها. بدون هذه الخبرة، فإن الجيش الصيني، سواءً كان حديثًا أم لا، يصمم منظومته وفق انحيازات تم إنتاجها في بيئة لا تقبل النقد المراجعة.
التداعيات على الحلفاء والخصوم

تشكل القدرة القتالية لجيش التحرير الشعبي الصيني علامة استفهام بالنسبة لحلفاء الصين وخصومها على حدٍ سواء. فبينما تصدّر الصين معداتها وأنظمتها الدفاعية، فقد أثبتت عجزها أو على الأقل ترددها في إظهار الإرادة السياسية أو العسكرية اللازمة لدعم شركائها باستخدام هذه الأنظمة. في عام 2023، رفعت الصين مستوى علاقتها مع فنزويلا إلى شراكة استراتيجية شاملة، وهي أعلى مستوى في الدبلوماسية الصينية، والمخصصة لأقرب شركائها. وتعني هذه الشراكة الاستراتيجية الشاملة أن الصين من شأنها أن تقدّم لفنزويلا دفاعات ضد جميع أنواع التدخلات، العسكرية والسياسية والاقتصادية. في فجر الثالث من يناير 2026، عندما نجحت الولايات المتحدة في اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، كان نظام الدفاع الجوي الفنزويلي المتكامل CODA معتمدًا بشكل كبير على مجموعة من الأنظمة الصينية التي أُطلق عليها اسم الدرع الصيني، والتي تتألف من حوالي 10 إلى 12 وحدة رادار متطورة وعدة منصات تكتيكية. وقد تم تسويق هذه الأنظمة على أنها أنظمة قتالية خفية من شأنها أن تجعل أي تدخل أمريكي مستحيلًا. نحن الآن نعلم أن هذه الأنظمة لم تعمل كما يجب، ولكن بغض النظر عن قدراتها التقنية وما إذا كان خطأ بشري قد مكّن الطائرات الأمريكية من تجاوزها، فإن الدرس المستفاد من هذه التجربة للقيادات العسكرية بدول مجلس التعاون الخليجي واضح: القدرات التقنية التي تم تصميمها في بيئة ليست واقعية بل محاكية للواقع، وفي أجواء طاردة للنقد، لا تصمد أمام مواجهة خصم يتمتع بقدر معقول من الكفاءة. وبدون وجود هيئة ضباط مستقلة للإبلاغ عن العيوب التقنية من دون خوف من الطرد أو العقاب، قد تكون المعدات التي تبيعها الصين لحلفائها مجرد تقنية مبهرة على الورق، ولكنها غير فعالة في ساحة المعركة.
التداعيات على دول مجلس التعاون الخليجي
تبنى الشراكات الدفاعية على افتراض الاستجابة السريعة لمساعدة الشريك. إلا أن الإقالة التي طالت الجنرال ليو تشنلي، المسؤول الرئيسي عن إدارة المخاطر في جيش التحرير الشعبي الصيني، وتقليص دور اللجنة العسكرية المركزية، يعنيان غياب قيادة احترافية قادرة على اتخاذ قرارات مستقلة. في حال نشوب أي توتر إقليمي، سيجد أي شريك خليجي للصين نفسه مضطرًا للانتظار حتى يوافق شخص واحد في بكين على أبسط التحركات التكتيكية. في الحروب الحديثة، قد يكون لهذا الجمود في المبادرة عواقب وخيمة.
قد تكون الرسالة التي يوجهها كل ذلك إلى خصوم الصين محل نقاش، لكن الرسالة التي يوجهها إلى الشركاء واضحة: لن تحرك الصين قواتها، مهما بلغت كفاءة هذه القوات، لتحقيق أهداف سياسية. والأهم بالنسبة لحلفاء الصين، أن شراكتهم واعتمادهم عليها أصبحا الآن في يد شخص واحد. في عالم تقييم المخاطر، يشكل هذا نقطة فشل واحدة لا يمكن تأسيس شراكات مستقرة أو ممتدة عليها.