ما الذي يحدث في مضيق هرمز الآن؟ قراءة في عمليات تأمين الملاحة والحصار البحري على إيران
مع دخول الحصار البحري الانتقائي الأمريكي لمضيق هرمز أسبوعه الثاني، وإعلان قيادة الحرس الثوري الإيراني إعادة إغلاق المضيق، تتضارب المعلومات عما يجري حقًا في مياه الخليج العربي في هذه المرحلة الحرجة من الحرب. هذه محاولة لتفكيك الموقف.
في الأيام الأولى من شهر إبريل الجاري دخلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية مرحلة جديدة توقفت فيها الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز بشكل شبه تام. فالتوترات التي نضجت على مدار الأسابيع السابقة منذ بداية الحرب، والتي قامت إيران خلالها بشن هجمات بالمسيّرات على ناقلات تجارية، متسببة في ارتفاع حاد في مستوى المخاطر وأسعار التأمين، قد وصلت إلى ذروتها مع نشر قوات الحرس الثوري الإيراني في التاسع من إبريل خريطة لما قال أنّها مسارات جديدة آمنة لعبور السفن للابتعاد عن منطقة الخطر وتفادي الألغام البحرية. هذه المسارات الجديدة الآمنة بحد وصف الحرس الثوري تمر بالقرب من السواحل والجزر الإيرانية، ومنطقة الخطر المعنية تتقاطع مع مسارات الملاحة التقليدية في المضيق، مما يعني أن إيران قد اتخذت إجراءً عمليًا لقطع المسار الطبيعي لعبور المضيق وإجبار الملاحة على اتخاذ مسارات خاضعة لمراقبة طهران وسيطرتها المباشرة وتقع ضمن مدى ما يتوفر لها من أسلحة. هذه الخريطة مثلت اعترافًا إيرانيًا ضمنيًا بزرع ألغام بحرية في مضيق هرمز، ويتكامل ذلك مع الموقف التفاوضي والسياسي الرسمي لإيران الذي سعت من خلاله – وما زالت – لفرض رسوم على مرور ناقلات النفط بقيمة دولار أمريكي واحد لكل برميل نفط تحمله تلك الناقلات.
من الجهة المقابلة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الثاني عشر من إبريل عن فرض حصار بحري على مضيق هرمز بهدف نزع الألغام الإيرانية ومنع مرور الناقلات الإيرانية التي استمرت منذ بداية الحرب في نقل النفط الإيراني إلى دول من بينها الصين. وفي اليوم التالي لإعلان الرئيس الأمريكي، تحركت المدمرات والبارجات الأمريكية لتفعيل هذا القرار. جرت هذه الأحداث على خلفية هدنة مؤقتة لأسبوعين توسطت فيها باكستان وأشرفت خلالها على مفاوضات عالية المستوى في إسلام أباد بين الولايات المتحدة وإيران، ولكن المباحثات انتهت من دون اتفاق، واستمرت الهدنة بعدها حتى لحظة كتابة هذه السطور. وفي أسواق الطاقة، واصلت أسعار النفط ارتفاعها لتصل بعد إعلان فرض الحصار البحري الأمريكي إلى 103 دولارات لخام برنت، قبل أن تتراجع بشكل طفيف إلى ما دون المائة دولار في الرابع عشر من إبريل مع ورود تقارير إخبارية أولية عن جولة ثانية من المفاوضات الأمريكية الإيرانية، أكدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم التاسع عشر من إبريل، معلنًا أن وفد المفاوضات الأمريكي بقيادة نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس في طريقه إلى إسلام أباد.

الخريطة التي نشرها الحرس الثوري الإيراني للمسارات الآمنة في مضيق هرمز
وبينما تتفاعل في كواليس الأزمة عوامل انعقاد المفاوضات أو انفراط التهدئة، تحول الموقف في مضيق هرمز من الناحية العملياتية إلى سباق بين الطرفين. الطرف الإيراني يسعى إلى فرض الردع ومنع الدخول، وهي استراتيجية الحرب غير المتكافئة المعروفة بـA2/AD، باستخدام ما أوتيت طهران من أسلحة، إلى حين وصول الأوجاع الاقتصادية الدولية وتوابع إغلاق المضيق إلى مرحلة الضغط على القرار الأمريكي. وفي المقابل يسعى الطرف الأمريكي إلى هدفين، الأول هو طمأنة الملاحة التجارية الدولية بدرجة كافية لخفض الأسعار وتحييد التهديد الإيراني (وبالتالي انتزاع هذه الورقة التفاوضية من يد طهران)، والثاني هو خنق الاقتصاد الإيراني والموارد المالية لطهران عبر سياسة الحصار الانتقائي التي تستهدف منع عبور الناقلات الإيرانية أو تلك التي تحمل النفط الإيراني، والسماح لسواها بالعبور.
استراتيجية طهران: الحرب النفسية على التجارة الدولية
واقعيًا، لا تحتاج طهران إلى فعل الكثير لبث الرعب في قلوب شركات الشحن التجاري. فهجوم ناجح على ناقلة هنا أو هناك يكفي لرفع أسعار الشحن وتعقيد البيئة التأمينية واللوجستية للشحن التجاري الدولي. كما أن استمرار التهديد المعلن من قبل الحرس الثوري، والذي تمثل في خريطة المسارات الآمنة الجديدة سالفة الذكر وما يشبهها من رسائل إعلامية، هو في حد ذاته رادع قانوني للعديد من الشركات، أو هو كذلك على الأقل حتى تصل الأمور إلى تحييد القدرة الإيرانية على استهداف السفن في مضيق هرمز بشكل حاسم، وحتى يتم اعتبار التهديدات الإيرانية فارغة من المعنى أو القدرة العملية على تحقيقها. وفي مساء الأحد التاسع عشر من إبريل، تجسد هذا التهديد الإيراني في حادث إطلاق للنار من زوارق سريعة على ناقلة نفط هندية وسفينتين تجاريتين أخريان في أعقاب إعلان الحرس الثوري الإيراني عن إعادة إغلاق المضيق كرد على تصريح الرئيس ترامب باستمرار الحصار البحري على الموانئ الإيرانية بعدما أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن فتح المضيق للمرور أمام الجميع يوم الجمعة السابق.

استهداف البحرية الأمريكية لسفينة “الشهيد باقري” الإيرانية (US Navy)
إذًا ما الذي في جعبة إيران من أسلحة تستطيع بها فرض معادلة منع الوصول؟
- الألغام البحرية
في الأسابيع الأولى من الحرب نجحت الولايات المتحدة في تدمير القوات البحرية الإيرانية وبحرية الحرس الثوري بشكل شبه كامل، امتد إلى سفن الهجوم والإمداد وحاملات المسيّرات والبنية التحتية العسكرية في الموانئ الإيرانية، كما نجحت في ضرب سفن نشر الألغام الإيرانية. ومع ذلك، استطاع الحرس الثوري نشر الألغام في مضيق هرمز في إبريل، ربما ليس على النحو أو النطاق الذي تريده طهران، ولكن بالقدر الكافي لتمثل هذه الألغام تهديدًا للملاحة المدنية. كيف استطاعت إيران تنفيذ هذه العمليات؟ ربما باستخدام الزوارق السريعة أو قوارب يصعب رصدها، أو حتى تشكيلات من الغواصين في بحرية الحرس الثوري، وبحسب تقارير للمخابرات الأمريكية، فإن ترسانة إيران من الألغام البحرية تضم ما يتراوح بين ألفين وستة آلاف لغم، تتنوع ما بين الألغام التلامسية وغير التلامسية السطحية من نوع مهام 3، والتي تنفجر بملامسة السفينة أو بالتقاط الترددات المغناطيسية والصوتية للسفن عبر مستشعرات، والألغام التلاصقية مهام 7، التي تلتصق بجسم السفينة بواسطة مغناطيس قوي، وهذا النوع هو أصغر حجمًا وأصعب في الرصد والتدمير. ولكن مع استمرار الحصار البحري الأمريكي، تزداد صعوبة زرع الألغام على نطاق واسع على نحو يهدد أجزاء كاملة من المضيق.
- القوارب الهجومية والزوارق السريعة
رغم ما تعرضت له القدرات البحرية الإيرانية من تدمير، لا يزال بحوزة طهران عدد كافٍ من الزوارق السريعة القادرة على المناورة بسرعة كبيرة. ربما لا تنجح هذه الزوارق في ضرب المدمرات الأمريكية المزودة بأنظمة متطورة للدفاع، ولكنها قد تنجح مع الناقلات التجارية، خاصة إن تم نشر هذه الزوارق الهجومية في تكتيكات سربية بأعداد كبيرة في هجمات متزامنة مع المسيّرات والصواريخ الجوالة. القوة التدميرية لهذه الزوارق تعتمد على حمولتها، فبعض الزوارق قد تستخدم انتحاريًا عبر حمولة من الألغام، أو أنها قد تحمل أفرادًا من الحرس الثوري المسلحين بأسلحة مضادة للدبابات ومدافع رشاشة. يعتمد استخدام ورقة الزوارق السريعة من قبل طهران على قصر مسافة الاستهداف ودنوها من السواحل الإيرانية، وهذا أحد عناصر التخطيط الإيراني للمسارات الجديدة للملاحة.

زورق سريع تابع للجيش الإيراني (Fars)
- الصواريخ الجوالة والمسيّرات
ما زالت طهران تمتلك مخزونًا من الصواريخ والمسيّرات مثل شاهد-136، ويظل هذا هو التهديد الأكبر الذي تمثله طهران سواء للملاحة البحرية أو للموانئ والمدن الخليجية بعدما تعرضت أذرعها العسكرية التقليدية للتدمير في إطار الحرب. الجهة التي تدير وتنفذ عمليات إطلاق الصواريخ والمسيّرات هي وحدات من الحرس الثوري منتشرة في مساحات جغرافية واسعة، تطلق الصواريخ والمسيّرات باستخدام منصات متحركة يتم تفكيكها وتركيبها في مواقع مختلفة بعضها مموّه حتى يصعب رصده واستهدافه من القوات الجوية الأمريكية والإسرائيلية. كم تبقى لإيران من هذه المنصات المتحركة أو الثابتة؟ لا أحد يعرف بالضبط، ولكن التناقص التدريجي في كثافة الرشقات الصاروخية الإيرانية على امتداد الحرب قبل الهدنة قد يعدّ مؤشرًا على أن العدد المتبقي منها ليس كبيرًا. ولكن في المقابل، لا تحتاج إيران إلى الكثير من الصواريخ للتأثير على الاقتصاد العالمي، بل يكفيها هجوم ناجح أو هجومين على السفن التجارية لإثبات استمرار قدرتها على استهداف الملاحة التجارية.
إذَا ما الحل؟
تعقد الكثير من الآمال على نجاح الجولة المرتقبة من المفاوضات في باكستان إما في مد فترة التهدئة أو في إنهاء الحرب برمتها، ولكن حتى يحدث ذلك، تتنوع الحلول التكتيكية التي تنفذها الولايات المتحدة أو تتدارسها، وعلى رأسها قطع الشريان المالي للنظام الإيراني عبر منع مرور نفطه إلى خارج المضيق، وهو الأمر الجاري الآن. ويمكن فهم هذا التكتيك على أنه محاولة لاستخدام عامل الوقت، الذي كانت طهران تعوّل عليه، ضد إيران نفسها. علاوة على ذلك، يتداول المراقبون عددًا من الأفكار التي تشمل القوافل العسكرية لمرافقة السفن التجارية كما حدث من قبل إبان أزمة القرصنة البحرية بالقرب من القرن الإفريقي والسواحل الصومالية عام 2018، وهو أمر عالي التكلفة من الناحية المادية، ولكن هذا الاحتمال يظل ضعيفًا إلا إذا طال أمد الأزمة واستطاع النظام الإيراني الصمود مع جفاف موارده المالية. وبين هذا وذاك، تبرز هناك حاجة ماسة لمسارات مستدامة لعودة الأمور إلى طبيعتها في المضيق، بما يتجاوز آفاق الحلول التكتيكية المؤقتة.