المقاربة الخليجية في العراق ولبنان: حذر استراتيجي ودعم للدولة
قراءة في الملفين العراقي واللبناني في إطار الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية انطلاقًا من أمن دول مجلس التعاون الخليجي والاستقرار الإقليمي.
لطالما نظرت دول مجلس التعاون الخليجي بعين الارتياب إلى ما شهده كلًا من العراق ولبنان من تطورات سياسية وعسكرية على مدار العقود الماضية، فبغداد وبيروت تمثلان بالنسبة للخليج ساحتين تجسدت فيهما تهديدات استراتيجية، أولاها هي وجود جماعات مسلحة خارجة عن إطار الدولة ومنافسة لمؤسساتها، والثانية هي امتداد النفوذ الإيراني إلى ظهير الخليج الجغرافي ومجاله السياسي. ولكن التهديد الذي مثله امتداد هذا النفوذ الإيراني بالنسبة للخليج لا يقتصر على كونه مشروعًا توسعيًا، بل يشمل الطريقة التي أعاد بها هذا النفوذ تشكيل العلاقة بين الدولة والجماعات المسلحة النشطة في العراق ولبنان.
وفي هذا الإطار، تكمن حساسية العراق ولبنان خليجيًا في موقعهما داخل معادلة الأمن الإقليمي الأوسع. فدول الخليج، التي استثمرت خلال العقد الأخير في بناء نموذج قائم على الدولة والمؤسسات، ترى في هشاشة بغداد وانقسام بيروت تهديدًا يتجاوز حدودهما المحلية. فضعف الدول لا يبقى محصورًا داخل جغرافيتها، بل يعيد إنتاج دوائر ممتدة من عدم اليقين الأمني والسياسي، ويخلق بيئة تصبح فيها المنطقة بأكملها أكثر عرضة لصراعات الوكلاء والتوازنات الهشة والأزمات المتكررة. وفي إطار الحرب الحالية، التي ربطت فيها إيران مفاوضاتها لحلحلة الأزمة وفتح مضيق هرمز بما يحدث في لبنان التي تواصل إسرائيل اجتياحها، أصبح ما يجري من تطورات في بغداد وبيروت ذا تأثير واضح على الخليج ومشروعه التنموي.
الملف اللبناني
جسّد الموفد السعودي إلى لبنان ومستشار وزارة الخارجية السعودية الأمير يزيد بن فرحان الحرص الخليجي على وحدة واستقرار لبنان بما حمله من رسائل سعودية إلى بيروت، تتمثل في دعم مؤسسات الدولة اللبنانية والجيش اللبناني والدعوة للتهدئة، ليس فقط لإبعاد شبح الحرب، بل أيضًا لإبعاد شبح الحرب الأهلية. ولكن المشهد تعقد داخليًا وخارجيًا فيما أعقب الزيارة الأخيرة للأمير بن فرحان إلى بيروت، فسماء لبنان هذه الأيام لا تخلو من مقاتلات ومسيّرات إسرائيلية تقصف ما تصفه تل أبيب بمعاقل ومقار حزب الله اللبناني. الضربات الإسرائيلية طالت كل مناطق جنوب نهر الليطاني، فضلًا عن بيروت وضواحيها، بشكل متكرر منذ الثامن من أكتوبر 2023، وبشكل مكثف منذ انهيار وقف إطلاق النار بين البلدين مع بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية. في طهران تصدر التصريحات المتكررة من المسؤولين الإيرانيين لتؤكد أن لبنان مرتبط بإيران وأنّ أي مفاوضات يجب أن تشمل كل الملفات، أي فتح مضيق هرمز وتخصيب اليورانيوم وانسحاب القوات الأمريكية ووقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وصياغة معدلة أمنية شاملة لكل دول المنطقة. ولكنّ هذا الإصرار الإيراني لم يقابله امتناعٌ إسرائيليّ عن قصف لبنان إلا لفترات محدودة، ورافقه إصرار إسرائيلي في الجانب المقابل على فصل ملفي إيران ولبنان. يدعم هذا الإصرار الإسرائيلي تحركات سياسية قام بها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو للوساطة بين بيروت وتل أبيب، تطورت إلى عدة لقاءات بين دبلوماسيين لبنانيين وإسرائيليين في الولايات المتحدة، تمهيدًا للقاء مباشر يصرّ البيت الأبيض على عقده بين الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بينامين نيتانياهو.
رسميًا، يرفض لبنان بدء المفاوضات المباشرة قبل وقف إطلاق النار، الأمر الذي عبّر عنه كلًا من الرئيس عون ورئيس الوزراء نواف سلام. وفي المقابل، يرفض حزب الله الامتثال لقرار الحكومة في الاتجاه إلى مفاوضات مباشرة، ويصرّ على مواصلة القتال واستهداف القوات الإسرائيلية في لبنان، إضافة إلى مناطق شمال إسرائيل. يقول حزب الله أن المفاوضات المباشرة تمنح إسرائيل تنازلًا لبنانيًا لا مبرّر له، وأنّ استمرار الأعمال القتالية من شأنه أن يمنح الطرف اللبناني ورقة قوة لا تضطره إلى المفاوضات المباشرة. ولكن الدولة اللبنانية حتى الآن تبدي عزمًا على امتلاك القرار السياسي والعسكري بالكامل، فكل هذا يحدث على خلفية قرار الحكومة اللبنانية بالحظر الكامل للأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله، مؤكدة تجريم حمل السلاح وارتكاب أي أعمال عدائية، أي حصر السلاح بيد الدولة. وهو الموقف الذي يتقاطع بوضوح مع الملف العراقي.

الملف العراقي
في العراق، تختصر عبارة حصر السلاح بيد الدولة الأزمة العراقية كلها. فمنذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023 ثم اتساع المواجهة الإقليمية لاحقًا، أصبحت الفصائل العراقية المسلحة لاعبًا رئيسيًا في التصعيد ضد الولايات المتحدة وإسرائيل عبر استهداف القواعد الأميركية وإطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ، الأمر الذي وضع الحكومة العراقية بقيادة محمد شياع السوداني أمام تحدٍ بالغ التعقيد. فمن جهة، تتعرّض بغداد لضغوط داخلية من قوى وفصائل مرتبطة بمحور المقاومة تدفع نحو الانخراط في المواجهة الإقليمية، ومن جهة أخرى تحاول الحكومة تجنّب تحويل العراق إلى ساحة حرب مفتوحة قد تهدد الاستقرار والاقتصاد والعلاقات الدولية. لذلك اتجهت الحكومة إلى اتباع سياسة الاحتواء والتوازن عبر تكثيف الاتصالات مع واشنطن وطهران والدعوة إلى ضبط النفس ومحاولة الحد من الهجمات التي تنطلق من الأراضي العراقية، بالتوازي مع تأكيدها الرسمي على حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة. إلا أنّ نفوذ الفصائل داخل المنظومة السياسية والأمنية جعل قدرة الحكومة على السيطرة الكاملة محدودة، ما أبقى العراق في حالة توازن هش بين تجنب الحرب والانزلاق التدريجي إلى قلب الصراع الإقليمي. ولكنّ هذه السياسة لم تضع حدًا لمسألة سلاح الفصائل، والتي أصبحت أكثر إلحاحًا من منظور خليجي مع هجمات قيل أن الفصائل العراقية قد نفذتها مستهدفة دول الخليج، الأمر الذي ترتب عليه استدعاء دول الخليج لسفراء العراق في عواصمها للاحتجاج رسميًا.
سياسيًا، استمرت حكومة السوداني على رأس السلطة بتفويض لتصريف الأعمال، بينما تم تفويض رجل الأعمال علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة بعد توافق قوى الإطار التنسيقي، الذي ترتبط عدة أطراف داخله بعلاقات مباشرة مع فصائل الحشد الشعبي، سواء سياسيًا أو عسكريًا. يوصف علي الزيدي بمرشح اللحظة الحرجة القادر على دعم هذا التوازن الدقيق في العراق بين مختلف القوى. وفيما يعد اختبارًا مبكرًا له ورهانًا على اتصالاته، اختير الزيدي ضمن اللجنة التنفيذية التي تم تشكيلها مطلع مايو الجاري لتنظيم سلاح الفصائل، بدعم من بعض قوى الإطار التنسيقي الساعية إلى تعزيز قوة الدولة. وقد نالت حكومة الزيدي الثقة من مجلس النواب العراقي يوم الخميس 14 مايو مع تمرير 14 وزيرًا من أصل 22 وزارة، وأكّد رئيس الوزراء العراقي الجديد في كلمة له خلال الجلسة أنّ حكومته ستسعى “لترسيخ الاستقرار وتعزيز هيبة الدولة وتحقيق تطلعات العراقيين”.
لكن هذا التوجه يواجه حاليًا رفضًا واضحًا من كتائب حزب الله العراقي وحركة النجباء، اللتين اعتبرتا أنّ الحديث عن تسليم السلاح سابق لأوانه في ظل استمرار الوجود الأميركي داخل العراق والتوتر الإقليمي. وأكدت كتائب حزب الله في بيانات علنية أن المقاومة حق قائم، وأنّ أي نقاش حول حصر السلاح يجب أن يسبقه تحقيق السيادة الكاملة وخروج القوات الأجنبية. كما تخشى بعض الفصائل أن يؤدّي مشروع حصر السلاح إلى تقليص نفوذها السياسي والعسكري داخل الدولة العراقية، خصوصًا بعد تحول الحشد الشعبي إلى قوة تمتلك حضورًا واسعًا في البرلمان والأمن والاقتصاد. لذلك أصبح ملف السلاح اليوم أحد أكثر الملفات حساسية، بين تيار يريد تعزيز سلطة الدولة وتخفيف الضغوط الدولية، وآخر يرى أن سلاح الفصائل جزء أساسي من معادلة الردع الإقليمية المرتبطة بإيران ومحور المقاومة.

بالتوازي مع ذلك، قدّمت القوى الداعمة للميليشيات داخل الإطار التنسيقي مشروعًا لقانون يمنح المجموعات المسلّحة استقلالًا ماليًا وإداريًا، ويضمها للدولة العراقية بشكل أكثر شمولًا ووضوحًا من القانون 40 لسنة 2016 والذي اعتبر أنّ قوى الحشد الشعبي هي جزء من الدولة العراقية، وهو وضع خاص ترتّب على اعتبارات وضرورات محاربة تنظيم داعش في تلك الفترة. وبموجب القانون الجديد، الذي تقرّر داخل الإطار التنسيقي تمريره قبل حل البرلمان وانعقاد دورته القادمة المترتبة على انتخابات عام 2023، تحصل الفصائل المختلفة المكونة للحشد الشعبي على وضع قانوني كتشكيلات عسكرية مستقلة، وجزء من القوات المسلحة العراقية يتبع سلطة رئيس الوزراء بصفته القائد العام للقوات المسلحة العراقية.
وانطلاقًا من هنا، توجد لدول الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، مصلحة واضحة في دعم جانب الدولة العراقية وتعزيز مسار إكمال تشكيل الحكومة وانعقاد الدورة البرلمانية المقبلة لقطع الطريق على الفصائل المسلحة وتحييد هذا الجانب من المواجهة الإقليمية الأكبر مع إيران، أي إبطال ورقة لبنان والعراق لدعم التوصل إلى حلول لا تقضي فقط بوضع نهاية للحرب، بل بانتصار أوسع وأكثر استدامة للدولة على اللادولة، وللمؤسسات الحكومية على الجماعات والأجنحة والفصائل.