من الحرب النشطة إلى إدارة الصراع
في ظل عدم الوصول لاتفاق لإنهاء الحرب الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية، هذا تحليل لما تعنيه إدارة الصراع إن امتدت المواجهة لأسابيع وشهور إضافية.
أتمت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية في الثامن من مايو يومها السبعين بينما ترد المزيد من الأنباء عن استمرار المحادثات بين أطراف الصراع، بوساطة باكستانية تارة، ومباشرة تارة أخرى. مضيق هرمز ما زال مغلقًا بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تجميد عملية “مشروع الحرية” الهادفة لتأمين حركة الملاحة عبر المضيق بعد يوم واحد من انطلاقها، والناقلات التجارية ما زالت تنتظر على جانبيّ المضيق منذ شهور إلى حين انفراج الأزمة. ومع وصول الأمور إلى هذا الحد، لم يعد من غير المعقول تصوّر امتداد الصراع لفترة أطول، ولكن وفق ضوابط معينة وقواعد محدودة للاشتباك، فيما يعرف في العلوم العسكرية بإدارة الصراع. ما يعنيه ذلك هو وضع ضوابط وقواعد تمنع اتساع الصراع أو انزلاق الأمور إلى تطوّرات درامية أو تصعيد شامل، ولكنّه لا ينهيها بشكل نهائي ولا يخفض مستوى التوتر بالنسبة لدول المنطقة. هل يكون هذا هو الواقع في منطقة الخليج وإيران في المدى المتوسط، بل والطويل؟ هذا ما لا تريده دول الخليج بلا أدنى شك، ولكن هذه محاولة لفهم كيفية انعكاس ذلك على المنطقة إن حدث.
السمة الأولى لإدارة الصراع هي ما يجري بالفعل منذ دخول وقف إطلاق النار بوساطة باكستانية حيز التنفيذ يوم الثامن من إبريل، وتتمثل في تجميد القتال بموجب هدنة قصيرة أو ممتدة، والوصول لتفاهمات تمنع عودة النشاط القتالي إلى مراحله السابقة. هذه التفاهمات، التي تتسم بالبرجماتيةوتتم عبر قنوات اتصال خلفية من خلال الوسطاء، تقضي بعدم اتخاذ أي من الأطراف خطوات تصعيدية، سواء كانت تلك مخططًا لها أو ناتجة عن سوء تقدير أو خطأ في الاستجابة إلى وقائع معينة. وحتى إن حدثت تلك الأخطاء، يبرز دور الوسطاء هنا لحصر الارتدادات والإجراءات العقابية في فئة معينة من الأهداف، مثل الأهداف العسكرية، مع عدم الذهاب إلى ضرب البنية التحتية للطاقة أو محطات تحلية المياه.
حرب المعلومات
تتسم هذه المرحلة كذلك بتصعيد الخطاب الإعلامي والجماهيري، ليتمكّن كل طرف من إدارة حساباته السياسية بشكل يسمح له بامتلاك زمام سردية وصول الأمور إلى هذه المرحلة، مع تضخيم المكتسبات الذاتية وخسائر الخصم، وحشد التأييد للقرارات السياسية والعسكرية المتخذة لدى كل طرف. في هذا الإطار، تتعالى نبرة قنوت الإعلام الرسمي والاجتماعي التابعة لقوات الحرس الثوري الإيراني، لتؤكّد لجمهورها أنّها من أرغم الولايات المتحدة على الوصول إلى هذه الترتيبات بعدما فشلت الأهداف الرئيسية المعلنة للحرب. وفي الجانب المقابل، يؤكّد المسؤولون الأمريكيون في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنّ أهداف الحرب قد تحققت بالفعل بتدمير القدرات العسكرية التقليدية لإيران في البر والبحر والجو، وأن حلّ أزمة مضيق هرمز هي مسألة وقت بعدما بدأت واشنطن بفرض حصارها البحري على الموانئ والسفن الإيرانية في 13 إبريل الماضي. وبالتالي فإن إيران بحسب السردية الأمريكية قد لا تستطيع الاستمرار في هذه المواجهة، مجمّدة كانت أو نشطة، عندما تنفذ مواردها المالية.
ولكن حرب المعلومات لا تقتصر فقط على إدارة الرأي العام الداخلي، فلها انعكاسات اقتصادية حقيقية على الأسواق وأسعار الطاقة وسوق الأوراق المالية ورسوم تأمين الناقلات. فحتى لو لم تمتلك طهران الأدوات العسكرية الكاملة لتأكيد سيطرتها على مضيق هرمز بشكل حاسم، فهي قادرة بالقليل من التدابير على الأرض والكثير من الضجيج على الفضاء المعلوماتي من رفع مستوى المخاطر للناقلات التجارية إلى درجة تجعل النشاط التجاري المدني محفوفًا بالمخاطر، بل وغير ذي جدوى اقتصادية من الأساس، وهي أمور ترى طهران أنها تصب في مصلحة رفع كلفة الحرب على الجميع، وبالتالي التعجيل بنهايتها.
تفاهمات محدودة
وعلى النقيض من المواجهة المحتدمة في الفضاء المعلوماتي، قد تشهد الأحداث على الأرض المزيد من التفاهمات الساعية لبناء مستوى محدود من الثقة بين الأطراف المتصارعة، تتمثل مكتسباته الفورية في منع التصعيد غير المحسوب، ومكتسباته المحتملة في الوصول لإطار لاتفاق نهائي يضع نهاية مستدامة للصراع. حدث هذا بالفعل على مدار الأسابيع الماضية مع إطلاق الولايات المتحدة سراح بحّارة الناقلة الإيرانية M/V Touska التي صادرتها القوات الأمريكية يوم 19 إبريل إثر محاولتها لتجاوز الحصار البحري للموانئ الإيرانية، فيما قيل حينها أنها بادرة للنوايا الحسنة. ولكن جهود بناء الثقة هذه لم تمتد إلى مرحلة الإفراج عن الأصول الإيرانية المحتجزة أو رفع العقوبات المفروضة على طهران منذ عقود أو تلك التي بدأ فرضها خلال الحرب الحالية بعد الثامن والعشرين من فبراير، كما لم تحمل الطرف الإيراني على تخفيف ما اتخذته طهران من إجراءات بمضيق هرمز.

الموقف الخليجي
مثلما لم تحمل الحرب أخبارًا سارة لدول مجلس التعاون الخليجي، كذلك لا تمثل إدارة الصراع بشكل ممتد ومنخفض الوتيرة تطورًا إيجابيًا، ففي امتداد المواجهة حتى وإن كانت مجمدة أثرًا اقتصاديًا واجتماعيًا لا يمكن تجاهله. في المدى المنظور، تظل أولوية دول المجلس على تباين سياساتها هي حماية البنية التحتية للطاقة والسعي عبر وسطاء للتعجيل بفتح مضيق هرمز لاستئناف حركة الملاحة وعمليات تصدير الطاقة. ومن جانب آخر، فإن بقاء أسعار النفط والغاز مرتفعة عن المعدلات التقليدية قد يحمل منافعًا اقتصاديًا لدول المجلس، ولكنها منافع تظل مرتهنة بالعودة التدريجية إلى استقرار الأوضاع بشكل نهائي.
تعني إدارة الصراع كذلك أن مستوى التأهب الأمني الخليجي سيظل مرتفعًا، مع تواصل صفقات السلاح وأنظمة الدفاع الجوي لضمان القدرة على حماية المدن والمنشآت الحيوية من أي تصعيد غير محسوب قد يحدث مستقبلًا، والذي قد يشمل إعادة لاستهداف القواعد الأمريكية أو البنية التحتية للطاقة. وقد يجري هذا بالتوازي مع تسارع وتيرة تطوير بنية تحتية بديلة تتجاوز مضيق هرمز لتصدير الطاقة، وهو الخيار المتوفر للمملكة العربية السعودية إلى حد كبير عبر خط أنابيب شرق-غرب، وإلى حد معقول في الإمارات العربية المتحدة عبر خط حبشان-الفجيرة.
دبلوماسيًا، وبدون تغيّر جذري في السياسة الإيرانية وطبيعة الأنشطة العسكرية لطهران، فمن غير المتوقع أن تشهد العلاقات الخليجية الإيرانية أي تحسّن، ولكن الموقف النهائي لدول المجلس من إيران يقع على طيف أوله فتور وآخره عداء واضح، ولكنه عداء لم يترجم إلى خطوات عسكرية حتى اللحظة. هل تستمر الأمور على هذا النحو إن امتدت المواجهة واختارت أطرافها إدارة الصراع بديلًا عن الاتفاق؟ هذا سؤال لن يجيبه سوى الوقت.
