تكنولوجيا

عرض تقني للأنظمة الفرعية للمسيّرات الانتحارية الإيرانية الموجهة بصريًا FPV

نشر حساب Visioner المتخصص في استخبارات المصادر المفتوحة OSINT والشؤون الجيوسياسية والدفاعية على منصة إكس، صورًا يقول أنّها تعود لجنودٍ إيرانيين نشروها من داخل خنادق وتحصينات بجزيرة خارك الإيرانية، وتظهر الصور أن الجنود مجهزين بذخائر جوالة تعمل بمنظور الشخص الأول FPV Loitering Munitions.  

مسيّرات انقضاضية بجوزة جنود إيرانيين (صورة من منشور لحساب visionergeo) 

تسمح استخبارات المصادر المفتوحة، وهي عملية جمع وتحليل المصادر المتاحة للعامة بشكلٍ قانوني، بتقييم التهديدات في أوقات النزاع أو عند غياب التغطية الإعلامية المستقلة. وقد أعادت هذه الصور الحديث عن القدرات الإيرانية في مجال صناعة المسيّرات العسكرية، وإن كان ما حققته إيران من تقدم في هذا المجال يعتمد بشكل أساسي على مكونات وتقنيات مستوردة. وتتيح الأنظمة والقطع المستوردة تسريع عملية تطوير وإنتاج المسيّرات وتحسين جودتها وتوسيع إنتاجها محليًا، وخصوصًا الطائرات المسيّرة ذات الاستخدام المزدوج، مثل طائرات منظور الشخص الأول أو المسيّرة بصريًا FPV، والتي نلقي عليها نظرة تقنية متعمقة في هذا المقال. وعلى الرغم من عدم وجود أدلة تؤكد استخدام إيران للمسيّرات الرباعية Quadcopters التجارية المعدّلة والمزودة بذخائر حربية في حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل أو في ضرباتها على دول الخليج العربي، فقد جاء في تقرير لجريدة المدن اللبنانية أن الجماعات الموالية لإيران مثل حزب الله استخدمت هذا النوع من المسيّرات بالفعل، والتي أطلق عليها الحزب في بياناته اسم محلّقات، وذلك ضمن عملياته العسكرية في الجنوب اللبناني خلال شهر مارس 2026. 

تفكيك المنظومات الفرعية للذخائر الجوالة 

تندرج الأنظمة الموجودة في الصور الواردة من جزيرة خارك ضمن فئة الذخائر الجوالة، وتتميز هذه الأنظمة بسهولة تعديلها لدمج عناصر تقنية متاحة تجاريًا وتحويلها إلى أدوات هجومية متكاملة. 

مسيرة أوكرانية مزودة بشحنة متفجرة (armyinform.com.ua)

ويمكن تفكيك الذخائر الجوالة من نوع FPV إلى العناصر التالية: 

  1. كاميرا ومرسل إشارة الفيديو (وصلة بيانات 5.8 غيغاهرتز) 

لقطة من مسيّرة أوكرانية تظهر احتراق طائرة من طراز TU-95 داخل الأراضي الروسية (armyinform.com.ua) 

يعتمد تشغيل مسيّرات FPV على القدرة على بث فيديو من الطائرة إلى المشغل بزمن استجابة منخفض للغاية. ويسمح استخدام تردد 5.8 غيغاهرتز (سواء كان تناظريًا أو رقميًا) بتحديد الأهداف بشكل ديناميكي وتوجيه المسيّرة حتى لحظة الاصطدام بالهدف. 

كل هذه القطع مزدوجة الاستخدام وواسعة الانتشار، وتهمين الشركات الصينية على هذا القطاع عالميًا، حيث تنتج الكاميرات ووحدات الإرسال VTX وأجهزة الاستقبال المصممة لخفض زمن الاستجابة إلى الحد الأدنى بدلاً من تعزيز التشفير أو مقاومة التشويش. وبينما يمثل ذلك للمسيّرة نقاط ضعف محتملة تعرضها للتشويش، فإن هذه الخاصية تتيح في المقابل تحقيق قدرة استهداف سريعة. ومن الناحية العملياتية، يؤدي ذلك إلى تغيير في سلسلة التدمير، إذ لا يعتمد النظام على إحداثيات مبرمجة مسبقًا، بل يستمر المشغل بالتحكم بالطائرة حتى لحظة الاصطدام، ما يحسّن من دقة الاستهداف ضد الأهداف المتحركة أو الحساسة زمنيًا. 

  1. وحدة التحكم بالطيران ومنظمات السرعة الإلكترونية ESC  

تعمل وحدة التحكم بالطيران كمركز المعالجة الرئيسي لمسيّرات FPV، حيث تدمج مدخلات المستشعرات وتحولها إلى أوامر للمحركات عبر منظمات السرعة الإلكترونية. وتدعم وحدات التحكم صينية الصنع والمتوفرة على نطاق واسع برمجيات مفتوحة المصدر مثل Betaflight وINAV ما يزيد من قابلية تعديل المواصفات والقدرات الخاصة بهذه المسيّرات. وتمكّن هذه المرونة مشغلي هذه المسيّرات من ضبط خصائص الطيران بما يتناسب مع طبيعة المهمة، سواء لعمليات هجومية عالية السرعة أو التجوال المستقر قبل الانقضاض النهائي. كما تقلل قابلية هذه الأنظمة للتعديل من الوقت اللازم لإنتاجها، إذ يمكن للمطورين الإيرانيين تجميعها وتعديلها بدلًا من تصميم إلكترونيات طيران مخصصة. 

  1. نظام الدفع: المحركات وإدارة الطاقة 

تحدد المحركات عديمة المسفرات Brushless Motors والمراوح وبطاريات ليثيوم بوليمر LiPo نطاق عمل الطائرة ومداها. وتوفر سلاسل التوريد الصينية مكونات عملية وعالية الدفع على نطاق واسع، ما يتيح الاستبدال السريع للقطع والمكونات ويجعل المسيّرة مهيئة للاستخدام في أسراب بأعداد كبيرة. وفي حالة الذخائر الجوالة FPV ينعكس ذلك في مفاضلة بين قدرة الطائرة على التحمل وبين سرعتها وقدرتها على المناورة، حيث تعطي العديد من المسيّرات الهجومية الأولوية للتسارع والقدرة على المناورة على حساب زمن البقاء في الجو، بما يتماشى مع مهام قصيرة المدى وعالية التأثير. 

  1. مدخلات أنظمة الملاحة GNSS 

رغم أن الذخائر الجوالة FPV توجه يدويًا في الأساس، إلا أنً إضافة وحدات GNSS توفّر الاستقرار للمسيّرة بالإضافة لخصائص أخرى مثل العودة إلى نقطة الانطلاق أو الملاحة عبر نقاط محددة مسبقًا عند الحاجة. 

ويكتسب نظام الملاحة الصيني BeiDou أهمية متزايدة في هذا السياق، إذ يوفّر القدرة على العمل بمعزل عن إشارات نظام الملاحة وتحديد المواقع GPS، وقد أشار تقرير نشره موقع الجزيرة باللغة الإنجليزية إلى أنّ إيران قد تكون بدأت بالفعل باستخدام نظام BeiDou الصيني في هجماتها على دول المنطقة. 

  1. دمج الحمولة وآليات التفجير 

يتم التحوّل الأساسي من مسيرة تجارية إلى ذخيرة جوالة من خلال دمج حمولة متفجرة بالمسيّرة. ويتضمن ذلك عادة تثبيت شحنات متفجرة مجهَّزة بصمامات تعمل بالاصطدام أو بالتقارب. وتسمح قابلية هياكل الذخائر الجوالة للتعديل بتكييف سريع للحمولة، بحيث يمكن تخصيصها وفقاً لنوع الهدف، سواء كانت شظايا مضادة للأفراد أو رؤوس حربية متفجّرة لاستهداف المدرعات الخفيفة. 

  1. التحكم الأرضي وواجهة المشغل 

جندي أوكراني يتحكم بمسيّرة (armyinform.com.ua) 

يستخدم المشغلون نظارات أو شاشات مرتبطة بمستقبل الفيديو، غالبًا بالاقتران مع أجهزة تحكم تجارية، مما يجعلها نظامًا منخفض التكلفة وعالي الفعالية يبقي العنصر البشري ضمن حلقة القرار والتحكّم. ورغم أن متطلبات التدريب ليست بسيطة، إلا أنها قابلة للتحقيق في وقت قصير نسبيًا. وقد ساهم انتشار سباقات المسيّرات عالميًا في إنشاء قاعدة معرفية ومهارات متوفرة يمكن إعادة توظيفها في السياق العسكري. 

الذخائر الجوّالة كتهديد أمني متشعّب 

على المستوى التكتيكي، توفر الذخائر الجوالة للقوات الإيرانية قدرة استهداف دقيقة منخفضة التكلفة، وعند دمج هذه الأنظمة ضمن بنية أوسع للاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والهجوم، فإنها تتحول إلى أكثر من مجرد أدوات تكتيكية منفردة، إذ يمكن استخدامها بالتوازي مع وسائل الاستشعار، وأنظمة الحرب الإلكترونية، والقوى الصاروخية التقليدية في التعامل مع أي قوة عسكرية. ويتماشى التعدد في الأنظمة وتنوّع مصادرها مع العقيدة الإيرانية الأوسع، التي تركز على القدرات العسكرية غير المتناظرة. 

الخلاصة 

تكشف صور جزيرة خارك الإيرانية عن تحول في الصناعات العسكرية الإيرانية، إذ لم تعد قدرات المسيرات الإيرانية نتاجًا للتطوير المحلي فقط، بل نتيجة للاندماج ضمن منظومة توريد عالمية، تتسم بدرجة عالية من الضبابية، إذ إن العديد من مكوناتها ثنائية الاستخدام ومتاحة تجاريًا، ما يجعلها خارج التصنيف العسكري المباشر. كما تعمل سلاسل التوريد عبر وسطاء في دول عدة مثل كازاخستان وأوزباكستان وفيتنام، ما يعقّد ويحد من إمكانية تتبع هذه المكوّنات. 

وتلعب المكونات والأنظمة والتقنيات ذات المنشأ الصيني دورًا مهمًا في تمكين برنامج المسيًرات الإيراني، والذي يعتمد بشكلٍ أساسي على قطع مسيرات مزدوجة الاستخدام متاحة على نطاق واسع عبر شركات صينية متعدّدة. وقد أظهرت إيران تاريخيًا قدرتها على توطين صناعات عسكرية أكثر تعقيدًا، فمثلًا، تستند أنظمة صاروخية إيرانية مثل “نور” و”غدير” إلى نماذج صينية سابقةوقد كشفت وزارة الخزانة الأمريكية في فبراير 2025 عن إجراءات عقابية بحق شركات تعمل في الصين وهونغ كونغ، والذي يشير التقرير أنّها متورطة في شراء مكونات وأنظمة للطائرات المسيّرة نيابةً عن شركات إيرانية، كشركة Pishtazan Kavosh Gostar Beshra وشركة أخرى تابعة لها باسم Narin Sepehr Mobin Isatis. ويشير التقرير إلى أنّ هذه الشبكات سهلت نقل محركات السيرفو، وموصلات الترددات الراديوية RF، والمحركات، ومعدات الإنتاج المرتبطة بصناعة الطائرات المسيّرة الإيرانية رغم العقوبات المفروضة على إيران. 

ويتجاوز موضوع الذخائر الجوالة السياق الإيراني إلى نمط وسياق أوسع ظهر أيضًا في أوكرانيا بالإضافة لاستخدام جهات غير نظامية لهذا النوع من الأنظمة. ولا تتركز الأهمية والثقل في المسيّرة بحد ذاتها، بل بكل الأنظمة المرتبطة بها وبالقدرة على الوصول إلى المكونات ودمجها ضمن سلسلة تدمير فعالة وسريعة. وعليه، يتطلب التعامل مع هذا التهديد التحول من مواجهة منصات فردية محددة إلى مواجهة منظومات عسكرية مترابطة، عبر تتبع سلاسل التوريد الخاصة بها، واستهداف نقاط الضعف المرتبطة في الاتصالات والملاحة والتشويش، كما من المهم أيضًا تطوير استجابات قادرة على التعامل مع التهديدات المنخفضة الكلفة وعالية الكثافة التي تتكّل عليها إيران في استهدافاتها.