تقارير

الصناعة العسكرية الإيرانية وتقييم لمدى اعتمادها على الدعم التقني والعسكري الخارجي

في ظل بيئة إقليمية تتسم بتسارع التحولات وتزايد التنافس الدولي، تنتهج دول الخليج سياسة قائمة على تنويع الشراكات وتعزيز أدواتها السياسية والاقتصادية، سعيًا للحفاظ على الاستقرار الإقليمي وتقليل الاعتماد على محور واحد في إدارة التوازنات الدولية. غير أن هذه المقاربة والتي ارتكزت أيضًا على إعادة فتح قنوات التواصل واستئناف العلاقات الدبلوماسية مع إيران خلال السنوات الأخيرة، اصطدمت بسلوك إيراني تصعيدي غير مسبوق. مما أسهم بشكل مباشر في تقويض مسارات التهدئة وإضعاف الثقة المتبادلة بين الطرفين منذ انطلاق الحرب في 28 فبراير. 

استهداف البنية التحتية المدنية والاقتصادية لدول الخليج 

ظلّ الدعم الإيراني لجماعة أنصار الله الحوثي في اليمن هاجسًا أمنيًا لدول مجلس التعاون الخليجي، وخاصة السعودية والإمارات اللتان استهدفتهما الجماعة بهجمات بالطائرات المسيّرة طالت المنشآت الحيوية للطاقة والبنية التحتية الاستراتيجية فيهما عامي 2019 و2022. كما تزامنت هذه الأنشطة مع تهديدات متكررة لأمن الملاحة في مضيقيّ باب المندب وهرمز، عبر استهداف أو احتجاز ناقلات، مما زاد من هشاشة البيئة الأمنية في منطقة يرتكز عليها إمداد الطاقة العالمي. ومع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، ظهرت للعيان بوادر تعاون عسكري تقني بين إيران من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى، الأمر الذي عزز قدرة طهران على تنفيذ هجمات أكثر دقة وتأثيرًا، ورفع مستوى القلق لدى دول الخليج من سياسات إيران، والتي اقتصرت قبل بداية الحرب على الاستهدافات غير المباشرة عبر وكلاء إيران وحلفائها في المنطقة.  

وتفاقم هذا المسار بشكل حاسم مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، مع تصعيد عسكري واسع النطاق تمثل في هجمات إيرانية استهدفت عدة دول خليجية باستخدام آلاف الصواريخ والطائرات والمسيرات لضرب البنية التحتية المدنية والاقتصادية في الخليج، بما في ذلك قطاعات الطاقة والنقل والخدمات. وقد امتدت الاستهدافات الإيرانية لتطال منشآت سياحية ومناطق سكنية، بالإضافة لمراكز حيوية كحقول النفط ومحطات الكهرباء والموانئ الأمر الذي يقوّض الادعاءات الإيرانية بشأن التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية ويؤكد الطبيعة التصعيدية لهذا النهج وتأثيره المباشر على الاستقرار الإقليمي. 

مصفاة الرويس التابعة لشركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) 

البرنامج الصاروخي الإيراني مستمر رغم العقوبات

انتشرت في الأسابيع الماضية عدة أوراق ومقالات لمراكز بحثية عالمية تسعى لتقديم بعض الأسباب وراء قدرة إيران على الاستمرار في صناعاتها العسكرية رغم كل العقوبات الاقتصادية خلال السنوات الماضية أو الضربات الجوية الكثيفة خلال الأسابيع الأخيرة. وتعالج بعض هذه الأوراق دور الصين وروسيا بوصفه عاملًا مركزيًا في هذا المشهد فعلى الرغم من تقديمهما نفسيهما كقوتين تدعوان إلى التهدئة وتتبنيان خطاب “الحياد” فإن علاقاتهما المتنامية مع طهران تكشف واقعًا مغايرًا على الأرض. فقد وفرتا لإيران غطاءً سياسيًا في المحافل الدولية أسهم في الحد من عزلتها مع توسيع مجالات التعاون الاقتصادي لا سيما في قطاعات الطاقة والتجارة والبنية التحتية، ما ساعد في التخفيف من وطأة العقوبات الدولية وأتاح تدفقات مالية مستمرة دعمت الاقتصاد الإيراني وعززت قدرته على الصمود. 

ووفقًا لصحيفة وول ستريت جورنال، تبرز الصين بشكل خاص كشريك اقتصادي رئيسي لإيران، حيث تعتمد طهران على ما يُعرف بـ “مصافي الشاي الصينية” (وهي مصافٍ صغيرة ومستقلة) لتسويق نفطها بطرق غير مباشرة بعيدًا عن الرقابة الدولية. وقد أصبحت هذه المصافي خلال السنوات الأخيرة المشتري الأكبر للنفط الإيراني، إذ تستحوذ الصين على النسبة الأكبر من صادراته، مع تقديرات تشير إلى وصولها إلى نحو 80% في بعض الفترات وبمعدلات تقارب 1.4 مليون برميل يوميًا، وذلك باستخدام شبكات معقدة للالتفاف على العقوبات تشمل شركات وسيطة بأسماء وهمية وتغيير منشأ الشحنات وإقامة عمليات نقل من سفينة إلى أخرى في عرض البحر إضافة إلى استخدام ما يُعرف بـ”أسطول الظل“ لإخفاء حركة الناقلات. 

ولم يتوقف دور هذه المصافي حتى خلال فترات الحرب الأخيرة، بل واصلت العمل واستقبال النفط الإيراني بشكل مستمر، معتمدة على نفس آليات التمويه والنقل غير المباشر الأمر الذي مكّن إيران من الحفاظ على تدفق صادراتها النفطية وزيادتها تدريجيًا. وقد وفّر لها ذلك عائدات مالية كبيرة أسهمت في دعم اقتصادها وتمويل أنشطتها بما في ذلك تطوير قدراتها العسكرية. 

أما على المستوى التقني فتشير تقارير متعددة إلى أن روسيا قدمت لإيران دعمًا نوعيًا، شمل تزويدها بصور أقمار صناعية ومعلومات استخباراتية، إلى جانب خبرات في تكتيكات استخدام الطائرات المسيّرة، ما ساعدها على تحسين قدرتها على رصد الأهداف بدقة، بما في ذلك مواقع السفن الحربية والمنشآت الحساسة  في دول الخليج. 

 كما انعكست الشراكة الروسية-الإيرانية في تطوير وتحسين فعالية الطائرات المسيّرة، ولا سيما طائرات “شاهد”، فضلًا عن نقل تقنيات متقدمة مثل أنظمة الملاحة المقاومة للتشويش Kometa-M “كوميتا-إم”. وتقوم هذه المنظومة على خلق مصفوفات هوائيات رقمية للتحكم في الإشعاع بهدف مواجهة التشويش الغربي ما يمكن الطائرات المسيّرة الإيرانية من الحفاظ على دقة توجيهها وتعزيز فعالية ضرباتها في بيئات نزاع معقدة. 

كما أظهرت تحليلات ومقالات صادرة عن صحيفة الشرق الأوسط وعدد من مراكز الدراسات الخليجية المعنية بالأمن الإقليمي تصاعد القلق من أن نقل المواد والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج لإيران قد يساهم بشكل غير مباشر في تعزيز قدرتها العسكرية، حتى وإن تم تقديم هذا التعاون ضمن أطر اقتصادية أو صناعية مدنية. وفي هذا الإطار برز الدور الصيني مرة أخرى من خلال تزويد إيران بأنظمة متقدمة أبرزها نظام الملاحة عبر الأقمار الصناعية “بيدو” كبديل لنظام GPS، الذي يسهم في رفع دقة الذخائر الموجهة وتقليل تأثير التشويش عليها. كما تشير تقارير إلى تزويدها بأنظمة رادار متطورة قادرة على رصد الطائرات الشبحية، فضلًا عن نقل مواد ذات استخدام مزدوج، من بينها مكونات تدخل في صناعة وقود الصواريخ، وهو ما يعزز المخاوف من تسارع تطوير القدرات الصاروخية الإيرانية. كما تسعى إيران إلى تعزيز ترسانتها العسكرية عبر الحصول على أنظمة متقدمة مثل صواريخ CM-302 المضادة للسفن، التي تتميز بسرعات فوق صوتية ومدى طويل وقدرة على اختراق الدفاعات البحرية، وهو ما يعكس توجهًا واضحًا نحو رفع مستوى التهديد في الخليج، خاصة فيما يتعلق بأمن الملاحة والمنشآت الحيوية، حتى في ظل عدم وجود تأكيد رسمي على إتمام هذه الصفقات. 

أجزاء لمسيرات إيرانية من طراز شاهد 101 وشاهد 131 (DIA) 

وبناء على ما سبق، فإنه من الواضح أن قدرات الصناعة العسكرية والدفاعية الإيرانية لا تعتمد فقط على القدرات المحلية، بل على شبكة أوسع من العناصر والعوامل الخارجية الاقتصادية والتقنية واللوجستية. وتعمل هذه المدخلات عبر سلاسل إمداد معقدة وغير شفافة في كثير من الأحيان، مما يجعل رصدها أو تعطيلها أمرًا صعبًا. 

بالنسبة لدول الخليج، تتجاوز التداعيات البُعد العسكري المباشر. إذ يسهم التدفق المستمر للموارد والتقنيات والخبرات إلى منظومة الصناعات العسكرية الإيرانية في الحفاظ على القدرة العملياتية لطهران، بما يمثل التهديد الأكبر للأمن الإقليمي، لا سيما في مجالات مثل البنية التحتية للطاقة، والملاحة البحرية، وتوازن الردع.  

وفي هذا السياق، يصبح تقييم دور الدول الداعمة لطهران عسكريًا أقل ارتباطًا بما هو معلن من مواقف وتصريحات، وأكثر ارتباطًا بكيفية تأثير المشاركة الفعلية لهذه الدول على الاستقرار والمخاطر في بيئة الأمن الخليجية.