كيف سيتعامل الخليج مع الواقع الأمني الجديد؟
بعد أن هاجمت إيران دول الخليج في إطار الحرب الحالية، كيف ستتعامل دول الخليج مع هذا الواقع الأمني المستجد في المنطقة؟ وما الخيارات المتاحة لها لحماية أمن مدنها وسيادة قراراتها؟
لم يمض يومان منذ إعادة افتتاح مبنى الركاب رقم 1 بمطار الكويت الدولي في الأول من يونيو حزيران 2026 حتى نفذّت إيران هجمة جديدة تسببت بمقتل شخص وإصابة العشرات وإحداث أضرار جسيمة في المبنى ودفعت السلطات الكويتية إلى الإعلان عن تحويل الرحلات إلى مطارات قريبة وإغلاق مجالها الجوي بشكل مؤقت. رسميًا، نفت طهران مسؤوليتها عن استهداف مبنى المطار، زاعمة أن الضربة في الأساس كانت موجهة إلى قاعدة علي سالم الجوية في الكويت وأن ما أصاب المطار كان صاروخًا اعتراضيًا أمريكيًا، الأمر الذي نفته القيادة المركزية الأمريكية بشكل قاطع. هذه الضربة، والتي كانت الأولى التي تتسبب في هذا القدر من الضرر منذ وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في نهاية الأسبوع الأول من إبريل الماضي، أنعشت ذاكرة الجميع بحقيقة أن إيرن ما زالت قادرة على التأثير على الحياة في الخليج، حتى مع فقدان طهران لأهم أدواتها وأذرعها العسكرية خلال الحرب. هذه معادلة أمنية جديدة تحمل في طياتها العديد من المتغيرات التي على الخليج، في أفضل الحالات، أن يضمن عدم تكرارها، وفي أسوأها، أن يكون في حالة دائمة من الجاهزية الدفاعية للتعامل معها وتحييد أثرها. هذا تحليل من رتبة لمآلات الحرب الحالية إن لم تنته باتفاق سياسي واضح المعالم.
مرّ منذ وقف إطلاق النار في الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية شهران كاملان تخللهما عدد من الاشتباكات بين الولايات المتحدة وإيران. في هذين الشهرين، انعقدت المفاوضات بين الطرفين وانفرطت عدة مرات، ومُررت الأوراق والشروط من طرف للآخر، وقال كل طرف لاءاته ورسم خطوطه الحمراء، والأمور لم تتزحزح بعد. مازال مضيق هرمز مغلقًا بشكل كبير، وما زال عدم اليقين هو السمة الرئيسية لأي محاولة لاستشراف مستقبل الحرب وما إذا كانت ستنتهي بتسوية سياسية.
ولكن حتى إن جاءت هذه التسوية السياسية، فإن في العواصم الخليجية العديد من الأسئلة التي تدور حول مستقبل العلاقة بين دول الخليج وطهران. واقعيًا، قد توقّع الولايات المتحدة غدًا على اتفاق أو ورقة نوايا أو أي صيغة أخرى مع إيران لتضع لذلك حدًا للأعمال القتالية وتنهي الحرب، ولكن ذلك إن حدث لا يغيّر الكثير من الأمور بالنسبة لدول الخليج، التي يفرض عليها واقعها أولويات مختلفة ويتطلب منها تدابير أكثر استدامة. فالولايات المتحدة على ما تريد من شروط بخصوص البرنامجين النووي والصاروخي لإيران، وربما تحصل على كل اليورانيوم المخصب، ولكن الخليج يبقى متصلًا بجغرافيته التي تجاوره فيها إيران، ويبقى مطلًا على الخليج العربي الذي تراه إيران فارسيًا وتنتوي مواصلة الوصاية الأمنية عليه. ما بين الولايات المتحدة وإيران هو حديث عن الصواريخ الباليستية، ولكن ما بين الخليج وطهران عناصره الطائرات المسيّرة الخفيفة والزوارق السريعة والألغام والمتفجرات وخلايا التخريب النائمة بل والوجود الجغرافي لإيران كله الذي تستخدمه طهران حاليًا كسلاح لفرض سيطرتها على مضيق هرمز، الذي حتى إن ازدادت بدائله لدى كل من الدول الخليجية، سيظل شريان الحياة والتجارة فيها.
وعليه، فهل يشمل الحراك الدبلوماسي الدائر حاليًا، والذي تتبادل قيادته قطر وباكستان، اشتراط ألا تهاجم إيران دول الخليج مجددًا؟ وإن كان الأمر كذلك، من الذي سيضمن التزام طهران؟ من سيضمن ألا تستمر إيران في ممارسة أدوار معادية لدول الخليج، بأدوات مختلفة وطرق خفية يمكن لطهران إنكار المسؤولية عنها، كما حدث مرارًا في هذه الحرب، مثلما في حالة تسلل عناصر من الحرس الثوري إلى الكويت وإطلاق المسيّرات على عُمان والسعودية وقطر، لتنفي إيرن المسؤولية لاحقًا؟ إذا كان النظام الإيراني مازال قائمًا على البنية التحتية الأيديولوجية والمؤسسية والسياسية نفسها، وإن لم تحدث مراجعة شاملة واعتراف بخطأ استهداف الخليج وقطيعة مع الماضي ومحاسبة من فعل وارتكب وأطلق، من الذي سيضمن ألا تعود إيران لاستخدام هذه الأدوات والأسلحة وخيمة العواقب على أمن الخليج واستقراره واقتصادات دوله، في منعطفات أخرى ولتجاوز العقوبات أو للحصول على مكتسبات؟ لقد أظهرت إيران عزمًا واضحًا على مهاجمة الخليج، والاتفاقيات السياسية لن تفتت هذا العزم أو تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، خاصة أن إيران تشترط ضمن تصوراتها عن المستقبل “إطارًا شاملًا لأمن المنطقة” يتضمن مغادرة القوات الأمريكية بقواعدها. وعليه، فإن على دول الخليج أن تضع تصوراتها على أسس حقيقة جديدة غير مريحة، ألا وهي أن هناك على الجانب الآخر من المضيق عدوٌ لها، أو على الأقل، طرفٌ اتخذ لنفسه سلطة إملاء القرارات السيادية عليها.
حدود الضمانات الأمنية والوساطة
في صراعات أخرى تحفل بها كتب التاريخ لم تنته بانتصار طرف على آخر، تمخضت المواجهات العسكرية غير الحاسمة عن نمط للتعايش Modus vivendi بين الطرفين المتصارعين. ما يعنيه التعايش هنا هو وضع قواعد اشتباك جديدة والاتفاق الضمني عبر وسطاء وأطراف أخرى على الأمور التي تمثل خطوطًا حمراء أو حدودًا لن يسمح كلًا من الطرفين بتجاوزها من دون الدخول في مواجهة عسكرية جديدة. الحرب الباردة بمراحلها المختلفة وبؤر صراعاتها وخطوط تماسها المتعددة كانت كبرى الأمثلة على هذا النموذج من البرود العسكري والحرارة السياسية، كما كان الأمر بين حزب الله وإسرائيل لسنوات عديدة سبقت أكتوبر 2023. ولكن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب ضمانات أمنية يقدمها الوسطاء الطرفين، وهو ما يتطلب بدوره أن يكون الوسطاء قادرون على استخدام تأثيرهم وفرض الأثمان على الطرف غير الملتزم بالضمانات الأمنية. ولتقييم مدى إمكانية حدوث ذلك في حالة إيران والخليج، علينا أن ننظر إلى العلاقات الدولية لإيران.
إحدى النتائج المباشرة للعقوبات الثقيلة المفروضة على طهران منذ عقود، هو عزلها دوليًا إلى حد كبير وتقييد علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع الدول والمؤسسات والعالمية التي تخشى التعرض لعقوبات ثانوية، وبالتوازي مع ذلك، أدت سياسات طهران على مدار العقود الماضية منذ الثورة الإسلامية في 1979 إلى تعزيز هذه العزلة ومنع اندماج طهران بشكل مؤثر مع دول الإقليم التي ترتاب في نوايا طهران ودعمها المعلن لما يسمّى بالتنظيمات غير الحكومية Non-state actors في كل من لبنان والعراق واليمن. كل هذا فرض على طهران خفض اعتمادها على الخارج إلى أقل قدر ممكن. ولذلك فلا توجد الكثير من الدول التي تتمتع بحظوة لدى طهران، ربما باستثناء الصين وروسيا إلى حد ما. ولكن الصين وروسيا، وكلتاهما على علاقات جيدة بدول الخليج، لم تنجحا في فرض أي شروط على طهران في الحرب الحالية فيما يتعلق باستهداف الخليج، كما لم تسعيا، بحسب ما هو معروف إعلاميًا، إلى الوساطة المباشرة لوقف هذا الاستهداف. وعليه فإن حدث أي اتفاق إطاري بين الخليج وإيران، سواء في سياق أوسع يشمل الولايات المتحدة أم لا، لا يمكن التعويل عليه بشكل كبير ولا على ما يأتي به من ضمانات وتعهدات وترتيبات أمنية.
ومن هنا فإن القدرات الدفاعية والعسكرية لدول الخليج تكتسب أهمية مطلقة في فرض هذه الضمانات الأمنية ذاتيًا وبدون الاعتماد على أطراف ثالثة، بل بالتعاون مع تلك الأطراف للحصول على التقنية وتوطين الدفاع وتمكين استقلال القرار، وهي المسارات التي قطعت فيها بعض دول الخليج أشواطًا كبيرة بالفعل قبل بداية الحرب الحالية.

التقنية العسكرية وتوطين الدفاع
حققت كلًا من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية نسبًا كبيرة من اعتراض الصواريخ والمسيّرات الإيرانية خلال الحرب، بالتفاوت مع دول خليجية أخرى. ولكن حتى إن استطاعت دولة بعينها اعتراض نسبة 100% مما تطلقه إيران، فإنّ الأثر الاجتماعي والاقتصادي للحرب يمتد بالضرورة إلى الإقليم كله، ليبطئ التنمية ويرفع المخاطر ويزيد تكاليف إدارة الأزمة وآثارها، ناهيك عمّا إذا تم استهداف البنية التحتية المدنية مثل محطات تحلية المياه، بما لذلك من آثار كارثية تاريخية على الدولة التي تتعرض لمثل هذا الهجوم في منطقة شحيحة المياه.
وبالبحث في نوعية الأسلحة المعروف بتوفرها لدى إيران، وتحليل مسار تطورها بقدرات طهران الذاتية أو بالتعاون مع روسيا، مثلما حدث في حالة المسيّرة شاهد التي مدّت روسيا طهران بها خلال الحرب، كما فعلت إيران في إطار الغزو الروسي لأوكرانيا. وبالنظر إلى سجل النجاح الذي حققته دول الخليج في التعامل مع الأنواع المختلفة لتلك الأسلحة، فهناك دروس مستفادة يمكن التعويل عليها لتكون العمود الفقري للضمانات الأمنية الذاتية الخليجية، أيًا كان المسار السياسي للأحداث.
في الجو، يمكن للخليج الاستثمار في الدفاع الجوي المتكامل بشكل أكثر كثافة، وبتعاون يشمل كل دول الخليج بغض النظر عن الاختلافات السياسية بين هذه الدول، فالأمن الخليجي، كما أثبتت هذه الحرب، لا يتجزأ. قبل الحرب الحالية، قطعت دول الخليج شوطًا كبيرًا في تعاونها الدفاعي باعتماد منظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية، والتي كان لها دورٌ مهم في اعتراض الصواريخ الإيرانية خلال الحرب الحالية، بما يشمل التنسيق بين مراكز العمليات الخليجية والتعاون الأمني والاستخباري وتكامل أنظمة الرادار. هذا هو المسار الأبرز والأهم الذي يمكن للخليج المضي قدمًا فيه، بالتوازي مع تعزيز منظومة رصد المسيّرات واعتراضها، وهو الملف الذي أسس خلال الحرب الحالية لتعاون غير مسبوق بين دول الخليج وأوكرانيا. لقد استطاعت كييف خلال حربها مع روسيا الاستفادة من صفقات السلاح الغربية لتوطين صناعة المسيّرات وبناء وحدات عسكرية متخصصة في إطلاقها وتنسيق هجماتها واستخدامها في الدفاع ضد المسيّرات الإيرانية والروسية. وفي هذا النموذج الناجح الكثير مما يمكن للخليج نقله بل والتفوق فيه نظرًا لما يتوفر لدوله من إمكانات مالية وتقنية، وشراكات دفاعية متنوعة. وفي هذا المجال أيضًا، سجلت كلًا من الإمارات والسعودية العديد من النجاحات بأيدي مهندسين وشركات وطنية للصناعات الدفاعية.
في البحر، يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي تطوير إمكاناتها في مجال الدوريات البحرية غير المأهولة والقادرة على التعامل مع التهديدات بشكل آلي وعبر أنظمة ذاتية التحكم، ولشركاء الخليج تجارب ناجحة يمكن كذلك الاحتذاء بها والتكامل معها. إحدى نتائج الحرب الحالية كانت التدمير شبه الكامل للبحرية الإيرانية وبحرية الحرس الثوري، ولكن هذا لا يمتد إلى الزوارق السريعة القادرة على زرع الألغام والتسبب بتهديد غير متناظر يتطلب الكثير من الوقت والجهد للتعامل معه، كما أن بحرية الحرس الثوري ليست الخطر الوحيد في البحر، بل هناك الأخطار المترتبة على الفراغ الأمني من الجانب الإيراني وتآكل قدرة طهران على السيطرة على سواحلها وحمايتها من الجماعات الإرهابية أو حتى الجريمة المنظمة التي قد تستغل الوضع لتكثيف عمليات التهريب.
عندما تضع الحرب الحالية أوزارها، وحتى إن ظلت القوات الأمريكية في المنطقة لفترة طويلة، فإن الخليج هو من سيتولى زمام أمنه بنفسه من دون انتظار أن تتمخض الحسابات السياسية في واشنطن عن قرار بالتعامل مع تهديد إيراني مستقبلي محتمل، وهذه الممارسة الدفاعية الخليجية ستكون أساس نمط التعايش أيًا كانت التغيرات أو المسلّمات في طهران، فنمط التعايش لا يعني أن تصبح المطارات المدنية عرضة للقصف تحت أي مسوّغات، بل ألا يحدث ذلك لما قد يترتب عليه من عواقب، وعلى الخليج أن يمتلك قرار فرض هذه العواقب.
