الردع بالتنمية: نحو إعادة تعريف الردع في عصر الاعتماد المتبادل | د. تركي القبلان
ظلّ مفهوم الردع منذ تشكّل نظرياته الحديثة خلال الحرب الباردة مرتبطًا بصورة وثيقة بالقوة العسكرية وقدرة الدولة على إيقاع ضرر بالغ بمن يفكر في الاعتداء عليها. وقد أسهمت أعمال توماس شيلنغ في ترسيخ هذا التصور عندما جعلت جوهر الردع قائمًا على التأثير في حسابات الخصم عبر رفع كلفة استخدام القوة، بينما كشفت أدبيات الاعتماد المتبادل المعقد لدىروبرت كيوهان وجوزيف ناي أن العلاقات الدولية لم تعد تُختزل في موازين القوة العسكرية بل أصبحت شبكة متداخلة من المصالح الاقتصادية والمؤسسية والتقنية. كما أوضحت سوزان سترينج أن النفوذ الدولي لم يعد يُمارس عبر القوة العسكرية وحدها إنما عبر السيطرة على البنى الاقتصادية والمالية والإنتاجية التي يقوم عليها النظام الدولي.
غير أن هذه المقاربات على أهميتها تعاملت مع الاقتصاد بوصفه عنصرًا من عناصر القوة أو النفوذ، ولم تتناوله باعتباره أداة ردع مستقلة يمكن أن تؤثر في قرار الخصم قبل اندلاع الصراع. ومن هنا تنطلق فرضية ”الردع بالتنمية“ بوصفها إطارًا مفاهيميًا يضيف بُعدًا جديدًا إلى نظرية الردع يقوم على أن التنمية، إذا صُممت وفق رؤية جيوبوليتيكية، تتحول إلى أداة لرفع كلفة الاعتداء من خلال تعظيم شبكة الاعتماد المتبادل مع الاقتصاد العالمي.
وهذه الفرضية تصطدم بداهةً باعتراض تاريخي مألوف: إذ سبق لنورمان أنجل أن بشّر بأن كثافة التشابك الاقتصادي الأوروبي عشية 1914 قد جعلت الحرب ”وهمًا عظيمًا“ غير عقلاني، فكذّبه اندلاع الحرب العالمية الأولى بعد أشهر قليلة، وتكرر الدرس حديثًا حين لم يمنع الاعتماد الأوروبي العميق على الغاز الروسي غزو أوكرانيا. غير أن الفارق الحاسم بين تشابك1914 وبين النموذج الذي تقترحه هذه الورقة ليس في وجود الشبكة بل في من يديرها وبأي غاية. فالتشابك الأوروبي قبل الحرب الأولى كان تشابكًا أفقيًا نشأ عفويًا عن حركة التجارة والاستثمار دون توجيه سيادي واعٍ، فلم يكن لأي طرف فيه موقع العقدة الحاكمة التي يُحسب لها ألف حساب. أما الردع بالتنمية بوصفه مشروعًا سياديًا فيقتضي أن تسعى الدولة عمدًا إلى موقع العقدة المركزية لا موقع الطرف التابع المندمج وهو ما تكشفه أدبيات ”الاعتماد المتبادل المسلَّح“ التي بيّنت أن الشبكة سلاح ذو حدين يتوقف اتجاهه على من يملك نقاط الاختناق الحاكمة فيها، من عقوبات مالية وإقصاء من أنظمة الدفع وتجميد أصول، لا على من يكتفي بالاندماج التابع فيها. وهذا بعينه هو الفارق بين تشابك يُصاب به الفاعل وتشابك يصنعه الفاعل ويتحكم بمفاتيحه.

ولا تعني هذه الفرضية أن كل تنمية تنتج ردعًا، كما أنها لا تفترض إمكانية الاستغناء عن القوة العسكرية. فالردع بالتنمية لا يتحقق بمجرد ارتفاع معدلات النمو أو زيادة الناتج المحلي وإنما عندما تُبنى التنمية على نحو يجعل استقرار الدولة مصلحة استراتيجية لعدد متزايد من الفاعلين الدوليين، وعندما تحوز الدولة فوق ذلك موقع العقدة الحاكمة لا موقع الطرف المستهلَك فيالشبكة. وعندما تصبح الدولة محورًا في أسواق الطاقة وعقدة لوجستية رئيسة ووجهة للاستثمارات السيادية وشريكًا في الصناعات والتقنيات المتقدمة، فإن الاعتداء عليها لا يقتصر أثره على حدودها بل يمتد إلى شبكة واسعة من المصالح الدولية وهو ما يغيّر حسابات الخصوم قبل الإقدام على أي تصعيد.
ويختلف هذا النموذج عن الردع التقليدي في أن مركز ثقله لا يتمثل في تعظيم القدرة على الإيذاء وإنما في تعظيم كلفة الإخلال بالاستقرار. فبينما يقوم الردع الكلاسيكي على تخويف الخصم من العقاب العسكري، يقوم الردع بالتنمية على جعل الاعتداء نفسه فعلًا مرتفع الكلفة بالنسبة لمنظومة واسعة من الدول والشركات والمؤسسات المالية المرتبطة باستقرار الدولة المستهدفة.
ومن هنا يبرز مفهوم “القوة الضابطة” باعتباره أحد المكونات الرئيسة لهذا النموذج. ويُقصد بها قدرة الدولة على تشكيل بيئة استراتيجية تجعل الحفاظ على استقرارها خيارًا أكثر ربحًا للفاعلين الدوليين من السماح باضطرابه، فكلما ازدادت كثافة المصالح الدولية المرتبطة بالدولة تراجعت دوافع المغامرة ضدها، ليس بسبب الخوف من ردها العسكري وحده لكن بسبب اتساع نطاق الخسائر التي قد تصيب أطرافًا أخرى لا مصلحة لها في زعزعة هذا الاستقرار.
ويقتضي ذلك أيضًا إعادة النظر في معيار تقييم الردع. فقد ارتبطت نظريات الردع التقليدية بقياس حجم الضرر الذي تستطيع الدولة إيقاعه بخصومها، وهو معيار قابل للقياس الكمي وإن كان معيبًا أخلاقيًا. أما الردع بالتنمية فيقترح معيارًا بديلًا هو سلامة المشروع الوطني على أن يُصاغ هذا المعيار بصورة إجرائية قابلة للرصد لا وصفية عائمة، فيُقاس عبر استقرار التصنيف الائتماني للدولة أثناء الأزمات واستمرارية تدفقات الاستثمار المباشر ولو بوتيرة متباطئة، وصمود الوظائف اللوجستية والطاقوية عن التعطل الكامل. فكلما كان المشروع الوطني أكثر اندماجًا في الاقتصاد العالمي عبر هذه المؤشرات القابلة للتحقق ازدادت كلفة تعطله على النظام الاقتصادي الدولي، وتحول استقراره إلى مصلحة مشتركة تتجاوز حدود الدولة نفسها.
غير أن هذا الاندماج مهما بلغ اتساعه لا يُنتج وزنًا ردعيًا متكافئًا بين الدول، والفارق هنا ليس فارق حجم بالمعنى الجغرافي أو السكاني بل فارق تمركز وظيفي. فثمة دول صغيرة المساحة والسكان استطاعت أن تحقق وزنًا ردعيًا يفوق حجمها الطبيعي عبر احتكار وظيفي ضيق وعميق في سلعة أو خدمة لا بديل سريعًا عنها، بحيث يتحول أي إخلال باستقرارها إلى صدمةمباشرة في سلاسل إمداد يصعب تعويضها لدى عدد من الاقتصادات الكبرى، وهذا ما تسميه أدبيات الشبكات ”نقطة الاختناق“ لا مجرد نقطة الاندماج. وفي المقابل ثمة دول أخرى حققت اندماجًا اقتصاديًا واسعًا كمراكز لوجستية ومالية وتجارية لكنه اندماج أفقي موزّع لا يتركز في وظيفة واحدة يتعذّر تعويضها، فيبقى وزنها الردعي أقرب إلى العقدة القابلة للاستبدال الجزئيمنه إلى نقطة الاختناق البنيوية التي يوفرها الاحتكار الوظيفي الضيق، أو التي يوفرها الوزن البنيوي التراكمي حين تجتمع لدى دولة واحدة صفة المنتج المرجّح في سلعة استراتيجية والثقل الاستثماري السيادي والثقل السكاني والجغرافي معًا. وثمة صنف ثالث من الدول يحقق اندماجًا ماليًا وخدميًا حقيقيًا لكنه محدود الحجم ومنزوع من أي وظيفة اختناقية وهو ما يفسّر تاريخيًااعتماد مثل هذه الدول على مظلة ردع خارجية تعوّض غياب الوزن البنيوي الذاتي. وبهذا يتضح أن الردع بالتنمية مشروط بأحد أمرين لا ثالث لهما: إما تمركز وظيفي احتكاري ضيق وعميق، أو وزن بنيوي تراكمي واسع يجمع بين الإنتاج المرجّح والكتلة الاستثمارية السيادية والثقل السكاني والجغرافي معًا، أما الاندماج الاقتصادي المجرد من كليهما فيبقى اندماجًا استهلاكيًالا ردعيًا مهما بلغت مؤشراته الكمية.
كما أن هذا النموذج بقدر ما يصلح لتفسير سلوك الفاعلين الدُّوَليين العقلانيين يصطدم بحدود واضحة أمام الفاعلين اللادولتيين والأيديولوجيين ذلك أن ثمة تمييزًا جوهريًا بين منطق الدولة ومنطق الميليشيا يحكم قابلية أي فاعل لأن يخضع لحسابات الردع بالتنمية أصلًا، فالميليشيا بحكم منطقها التأسيسي لا تحسب كلفة الاعتداء وفق معادلة المصالح الاقتصادية لأنها لا تملكمشروعًا وطنيًا يمكن أن يُصاب بالضرر، ولا اندماجًا سياديًا في شبكة الاعتماد المتبادل يمكن أن يُهدَّد، فهي فاعل يستمد شرعيته من استمرار حالة اللااستقرار لا من إدارتها وهذا ما يجعلها محصّنة بنيويًا من منطق الردع بالتنمية بصيغته الموجهة للدول. وعليه فإن تفعيل هذا النموذج تجاه بيئات الفاعلين اللادولتيين مشروط بمسار سابق يحسم طبيعة الفاعل قبل أي حديث عنردعه بالتنمية، ويسير في أحد اتجاهين: إما الإزاحة حيث يُعامَل الفاعل اللادولتي بوصفه خارج معادلة المصالح من الأساس فيُواجَه بأدوات الردع التقليدي القائم على القوة الصلبة أو العزل السياسي والمالي، أو إعادة التأهيل والإدماج حيث تُنزع شرعيته الميليشيوية وتُربط مصالح قياداته وقواعده الاجتماعية بمنظومة اقتصادية وسيادية بديلة، فينتقل تدريجيًا من فاعل يتغذىعلى الفوضى إلى فاعل يُحاسَب على استقرار مشروع وطني يخصه، وعندها فقط يصبح قابلًا للانضواء تحت مظلة الردع بالتنمية بوصفه فاعلًا مُستأنِفًا لا فاعلًا مُصنَّفًا خارج المنظومة.
وتتجلى أهمية هذا النموذج ضمن نطاقه المحدد بالفاعلين الدُّوَليين ذوي التمركز الوظيفي أو الوزن البنيوي، بصورة أوضح في البيئات الإقليمية التي تتسم بعدم اليقين الاستراتيجي حيث لم تعد موازين القوى العسكرية وحدها كافية لضمان الاستقرار. ففي مثل هذه البيئات تصبح الدول الأكثر قدرة على حماية مصالحها هي تلك التي نجحت في بناء شبكات واسعة من الاعتماد الاقتصادي والاستثماري والتقني مع احتفاظها بموقع العقدة الحاكمة فيها، بما يجعل أي تهديد لاستقرارها تهديدًا لمنظومة مصالح دولية يصعب تجاهلها.
ولا يعني ذلك أن ”الردع بالتنمية“ تغني عن القوة العسكرية فالقوة الصلبة تظل الضامن الأخير لحماية السيادة والدفاع عن الدولة. بل إن الردع بالتنمية ليكتمل يحتاج أن يندمج مع منطق مختلف عن منطقه الخاص هو ”الردع بالمنع“: ذلك أن الردع الشبكي القائم على تعظيم كلفة الاعتداء الاقتصادية يظل مفتوحًا على احتمال أن يتجاوزه الخصم بضربة عسكرية أو سيبرانية مباشرة تستهدف العقدة الوظيفية ذاتها – ممر الطاقة، مركز البيانات، البنية الرقمية الحرجة – متجاوزًا الحساب الاقتصادي بأكمله. ومن هنا فإن حماية نقطة الاختناق الوظيفية ماديًا وتقنيًا يجب أن تصبح جزءًا من العقيدة العسكرية للدولة وحلفائها المستفيدين من استقرارها، بحيث تُغلق الثغرة التي قد يسلكها خصم غير معنيّ بالحسابات الاقتصادية أصلًا، وتصبح كلفة ضرب العقدة مستحيلة عسكريًا وتقنيًا لا مكلفة ماليًا فحسب. وبهذا يصبح الردع نتيجة لتكامل ثلاثي بين القوة العسكرية والقوة الاقتصادية والقوة المؤسسية، لا حصيلة أيٍّ منها منفردًا.
يقتضي هذا التكامل إلى جانب حماية العقدة الوظيفية للدولة بحيث تثبت الدولة لخصومها قدرتها على تحمّل الانقطاع المؤقت في شبكة اعتمادها المتبادل لفترة أطول من قدرة الطرف المقابل على تحمّل اهتزاز تلك الشبكة نفسها؛ وهو ما يستدعي بناء احتياطيات سيادية مرنة وقنوات بديلة سريعة التفعيل بحيث يصبح صمود الدولة أطول زمنيًا من صمود المنظومة الدولية المتأثرة بالأزمة. وهذا هو بالضبط ما يميز الردع بالتنمية عن مجرد الاندماج الاقتصادي السلبي: فالدولة لا تراهن هنا على أن العالم لن يتحمل عزلها بل تراهن على أنها هي القادرة على تحمّل عزل نفسها مؤقتًا أكثر مما يتحمله من حولها، وهذا ما يحوّل معامل الصمود من أداة قياس إلى شرط تفوّق تفاضلي في صلب النموذج ذاته.
وعليه، فإن الردع بالتنمية ليس نموذجًا عالميًا يُطبَّق حرفيًا على كل الفاعلين لكنه نموذج مشروط النطاق بطبيعة الفاعل ذاته قبل أن يكون مشروطًا بحجم الدولة أو مركزيتها الوظيفية؛ فحيث لا دولة ولا مشروع وطني لا يكون الردع بالتنمية أداة أولى، بل نتيجة لاحقة تُبنى بعد أن تُحسم مسألة تحويل الفاعل من منطق الميليشيا إلى منطق الدولة، إما بالإزاحة القسرية له خارج المعادلة أو بإعادة تأهيله وإدماجه داخلها. وحيث تتوفر الدولة والمشروع الوطني ينتقل الردع من كونه قدرة على معاقبة المعتدي إلى قدرة على جعل الاعتداء نفسه خيارًا غير عقلاني؛ فالتنمية لا تصنع ردعًا لأنها تجعل الدولة ثرية أو مندمجة بل لأنها تجعلها صعبة الاستبدال بشكل حرج في النظام الدولي، وهو ما يحوّل أمنها من مسؤولية سيادية داخلية إلى ضرورة حتمية للأمن العالمي، ويجعل من التنمية أصلًا جيوبوليتيكيًا وركيزة من ركائز الأمن الوطني في النظام الدولي المعاصر.
