تقارير

بكين وطهران: قراءة في تطوّر العلاقة وإدارة المصالح المتبادلة

لا تُختبر الشراكات الاستراتيجية في أوقات الاستقرار، حين تكون المصالح متوافقة أو يمكن إدارتها بهدوء، بل في لحظات الأزمات، عندما تضيق مساحة المناورة وتصبح كل خطوة محسوبة بكلفتها السياسية والاقتصادية والأمنية. ففي مثل هذه الأوقات لا يعود الخطاب الدبلوماسي كافيًا لفهم المواقف السياسية، بل يصبح السلوك العملي هو المعيار الأوضح.

ومن هذا المنطلق، أظهرت حرب إيران مطلع العام الحالي وما رافقها من تصعيد عسكري في منطقة الخليج العربي أن العلاقة بين الصين وإيران أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه. فالصين لم تقف على الحياد الكامل، لكنها أيضًا لم تتصرف كحليف عسكري واضح لإيران. فهي من جهة تواصلعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع طهران، وتمنحها مساحة تساعدها على تخفيف أثر العقوبات. ومن جهة أخرى، تحافظ على شراكات واسعة مع دول الخليج، وتحرص على الظهور كقوة مسؤولة تدعو إلى التهدئة والاستقرار.

فبكين تتعامل مع الخليج باعتباره مصدرًا حيويًا للطاقة والاستثمار، لكنها لم تتخلَّ عن إيران باعتبارها حليفًا استراتيجيًا أساسيًا ضمن المعسكر المنافس للولايات المتحدة. لذلك تبدو السياسة الصينية وكأنّها محاولة للموازنة بين الطرفين: تطمئن دول الخليج بخطاب هادئ عن الاستقرار وأمن الخليج، بينما تحافظ على قنوات التبادل الاقتصادي والتجاري والتكنولوجي مع إيران.

من بيع السلاح إلى شبكات التكنولوجيا 

مرّ الدعم الصيني لإيران بتحولات كبيرة خلال العقود الأربعة الماضية. ففي ثمانينيات القرن الماضي، وخلال الحرب العراقية-الإيرانية، كانت الصين من موردي السلاح لطهران دون أن تكون منحازة لها بالكامل، إذ كانت تبيع معدّات عسكرية للعراق أيضًا. وتعكس هذه السياسة، منذ البداية، نهجًا صينيًا براغماتيًا يقوم على توسيع النفوذ وتحقيق المكاسب، لا على الالتزام الأيديولوجي.

ومع بداية التسعينيات، تطور التعاون العسكري بين بكين وطهران من بيع الأسلحة الصينية إلى نقل المعرفة والمساعدة في بناء قدرات محلية. وبرز ذلك خصوصًا في مجال الصواريخ المضادة للسفن، إذ استفادت إيران من الصاروخ الصيني C-802 في تطوير صاروخها المحلي “نور”، وهو ما ساعدها لاحقًا على تعزيز قدراتها البحرية غير المتناظرة.

ومع تشديد العقوبات على إيران، أصبح التعاون العسكري المباشر مع الصين أكثر حذرًا، متحولًا من صفقات الأسلحة الرسمية إلى مبيعات غير مباشرة لمكونات ذات استخدام مزدوج، مثل الإلكترونيات وأنظمة الملاحة والمواد ذات التطبيقات المدنية والعسكرية.

وفي مارس/آذار 2021، رسّخت العلاقات الصينية الإيرانية هيكليةً أكثر وضوحا مع توقيع برنامج تعاون يمتد لخمسة وعشرين عامًا، ما وضع إطارًا طويل الأمد للتعاون الثنائي.

وزير الخارجية الصيني وانغ يي مع  نظيره الإيراني عباس عراقجي في بكين خلال شهر أيار 2026 (UPI/ALAMY)

العقوبات على النفط الإيراني 

يُعدّ النفط المدخل الأهم لفهم طبيعة العلاقة بين الصين وإيران. فمع تشديد العقوبات الغربية على طهران، احتاجت إيران إلى سوق قادرة على استيعاب نفطها بعيدًا عن القنوات التقليدية، ووجدت في الصين المنفذ الأوسع لذلك. وبهذا، لم يعد النفط مجرد سلعة في العلاقة بينهما، بل تحوّل إلى أداة استراتيجية للطرفين. فبالنسبة إلى طهران، فإنّ الموارد النفطية تتيح لها قدرة عالية على المناورة في وجه العقوبات الاقتصادية. وبالنسبة إلى بكين، يمثّل النفط الإيراني مصدرًا مهمًا للطاقة، وورقة نفوذ تستطيع من خلالها تعزيز حضورها في إيران. وبمرور الوقت، أصبحت بكين الشريك الاقتصادي الأهم لإيران في هذا الإطار، خصوصًا عبر المصافي المستقلة المعروفة بـ “مصافي الشاي”، والتي يتركّز كثير منها في مقاطعة شاندونغ الصينية، والتي أدت دورًا بارزًا في شراء الخام الإيراني وتكريره.

هذا المسار سمح لإيران بالحفاظ على جزء من صادراتها النفطية، وتأمين مورد مالي يساعدها على مواجهة الضغوط الاقتصادية. فكلما استطاعت طهران بيع مزيد من النفط، زادت قدرتها على الصمود، وتمويل مؤسساتها، ودعم شبكاتها الإقليمية.

ومع ذلك، تحمل هذه المعادلة تناقضًا واضحًا. فالصين التي تستفيد من النفط الإيراني، شكّل إغلاق مضيق هرمز مصدر قلق لها خاصة أنّها تستورد 45% من نفطها عبره. وقد ظهر هذا بوضوح في تصريحات وزارة الخارجية الصينية في مارس 2026، التي أكدت أن مضيق هرمز والمياه المحيطة به “طريق مهم للتجارة الدولية للسلع والطاقة”، ودعت إلى إنهاء الأعمال العدائية واستعادة السلام والاستقرار في الخليج. ويبرز هذا التصريح حدود العلاقة الصينية مع إيران: فطهران تبقى شريكًا حيويًا لبكين ما دامت لا تهدد المصالح الصينية المباشرة، وتتحول إلى عبء إذا تسبب سلوكها في تهديد حرية الملاحة أو رفع أسعار الطاقة عالميًا.

التكنولوجيا وسلاسل التوريد الرمادية 

ومن النفط، تمتد العلاقة إلى مجال أكثر حساسية هو التكنولوجيا وسلاسل التوريد. فالعلاقة الصينية-الإيرانية لم تعد قائمة على التجارة التقليدية وحدها، بل أصبحت تشمل شبكات توريد مرتبطة بالصين وهونغ كونغ، توفر مكونات مزدوجة الاستخدام يمكن أن تدخل في برامج الطائرات المسيّرة، والصواريخ، والرادارات، وأنظمة الملاحة. وقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شبكات وشركات قالت إنها شاركت في توريد إلكترونيات ومكونات ذات استخدام مزدوج لمؤسسات عسكرية إيرانية. وتُشكّل التقنيات الصينية، مثل نظام بيدو، تحديًا مباشرًا لأمن الخليج، لأنها تعزّز قدرة إيران على توجيه الصواريخ والطائرات المسيّرة وإدارة العمليات البحرية بدقة أكبر. وقد برز أثر ذلك خلال الحرب الأخيرة، حين تعرّضت منشآت النفط والموانئ وخطوط الملاحة والبنية التحتية الحيوية في الخليج للقصف، بما في ذلك مطار الكويت وميناء الفجيرة في الإمارات وميناء الشعيبة في الكويت. وبالنسبة لدول الخليج، لا يقتصر التهديد على الأضرار المادية، بل يمتد إلى حركة التجارة البحرية، والاستقرار الإقليمي.

ناقلة نفط محمّلة بنفط إيراني خام في ميناء نينغبو-تشوشان شرقي الصين (IMAGINECHINA/ALAMY, 2018)

الخليج في حسابات بكين 

تُعدّ منطقة الخليج ذات أهمية بالغة للصين. فهي لا تنظر إلى إيران بمعزل عن غيرها، بل تنظر إلى المنطقة ككل باعتبارها ممرًا حيويًا للطاقة والتجارة. ويُمثّل مضيق هرمز محور هذه الحسابات، كونه أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، إذ يمرّ عبره ما يُعادل نحو 20% من استهلاك النفط والغاز الطبيعي العالمي. لهذا السبب، لا تستطيع بكين التعامل مع طهران بمعزل عن أمن الخليج. فأي تعاون تكنولوجي أو استراتيجي مع إيران يُؤثّر بشكل مباشر على حسابات الأمن لدول الخليج. وبينما تستفيد بكين من علاقتها مع طهران، فإنّ مصالحها الواسعة مع دول الخليج في مجالات الطاقة والاستثمار والتجارة تجعل من الضروري لها تجنّب أي تصعيد يُهدّد مضيق هرمز أو حركة ناقلات النفط، لأنّ ذلك لن يُلحق الضرر بخصوم إيران فحسب، بل سيُؤثّر أيضًا على الاقتصاد الصيني وأمن إمداداته. من هنا تتضح حدود الشراكة الصينية الإيرانية. فعندما يشتد الضغط على إيران بسبب العقوبات، يمكن للصين أن توفّر لطهران منفذًا اقتصاديًا من خلال شراء النفط أو عبر شبكات تجارية أقل وضوحًا. ومع ذلك، عندما يقترب التصعيد من تهديد حرية الملاحة وأمن الطاقة، تتجه حسابات بكين نحو التهدئة لا نحو تحالف عسكري علني مع إيران.

ولا يعني ذلك أن الصين ستقبل بإضعاف إيران أو عزلها التام. بل على العكس، ترى بكين في طهران حليفًا محوريًا في موازنة النفوذ الأمريكي، ومصدرًا للطاقة، وشريكًا في مواجهة نظام العقوبات الغربية. لكنها، في الوقت نفسه، لا تفضّل أن تصبح إيران عبئًا استراتيجيًا يهدد حرية الملاحة وحركة التجارة العالمية.

خلال القمة الثلاثية بين مجلس التعاون الخليجي، ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وجمهورية الصين الشعبية في العاصمة الماليزية في مايو/أيار 2025 (SIPAUSA/Alamy)

لذا، يبدو أن تأثير العلاقة الصينية الإيرانية على الخليج ذو شقين. فمن جهة، تمنح هذه العلاقة إيران قدرة أكبر على تحمل العقوبات والحفاظ على جزء مهم من مواردها المالية، مما يطيل أمد التوترات ويزيد من هامش المناورة لطهران. من جهة أخرى، فإن مصالح الصين في أمنها الطاقي والملاحة البحرية تعني أن الدعم الذي تقدمه لإيران له حدود.

وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن العلاقة الصينية الإيرانية تقوم على إدارة المصالح المشتركة، لا على تحالف قائم على التزام سياسي كامل. فهي تقوم على التجارة، ومبيعات النفط، ونقل التكنولوجيا التي تتجاوز العقوبات الغربية، بالإضافة إلى رغبة الطرفين في بناء محور قادر على تحدي النفوذ الأمريكي. إلا أن حدود هذه العلاقة تتضح جليًا فيما يتعلق بأمن الخليج.

وتكشف شبكات الإمداد غير المباشرة عن بُعد مهم في العلاقة بين بكين وطهران. فالتعاون بين الجانبين لا يظهر دائمًا بشكل مباشر أو معلن، بل قد يتجلى عبر قنوات تجارية وتكنولوجية أقل وضوحًا. وهذا يتيح لبكين هامشًا كبيرًا للمناورة السياسية دون أن تكون مُلزمة تمامًا بتبعات موقف إيران.

ومن هنا، يبدو لافتًا أن تُشدد الصين على أهمية خفض التصعيد والاستقرار في خطابها الرسمي، بينما تُحافظ في الوقت نفسه على علاقات اقتصادية وتجارية واسعة مع طهران، وهي علاقات استمرت خلال الأشهر الأولى من الحرب الإيرانية عام 2026، لا سيما في قطاع النفط. ويمنح هذا الدعم إيران القدرة على التكيف رغم الضغوط والعقوبات، ويُوسع هامش مناورتها على الصعيد الإقليمي. وبالتالي، تبقى العلاقة بين بكين وطهران خاضعة لتوازن دقيق، إذ تُدرك الصين أن أي تصعيد يُهدد أمن الخليج أو استقرار إمدادات الطاقة قد يُحوّل هذه الشراكة من تعاون حيوي إلى عبء استراتيجي.