كيف يتعامل الإيرانيون مع المفاوضات كساحة صراع؟
أمضى العالم سنوات طوال في مراقبة أخبار تقدّم المفاوضات الإيرانية الغربية حيال البرنامج النووي وعدة ملفات أخرى. فما هي تكتيكات المفاوض الإيراني؟ وما الذي يحدث تحديدًا خلف الأبواب المغلقة؟
لم يمض يوم واحد منذ وقف إطلاق النار في الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية في الأسبوع الأول من إبريل 2026 من دون ورود أنباء عن الموقف في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. تنوعت هذه الأنباء ما بين التفاؤل باقتراب توقيع صفقة، وهو ما جاء على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه لعشرات المرات، وبين التشاؤم حيال إمكانية تحقيق ذلك. على طاولة المفاوضات، هناك العديد من الملفات التي تشمل البرنامج النووي الإيراني عمومًا ومخزون اليورانيوم عالي التخصيب خصوصًا، والبرنامج الصاروخي الإيراني، ووكلاء إيران في المنطقة، ومضيق هرمز والملاحة عبره، والأموال الإيرانية المجمدة. كل ملف من هذه الملفات يحمل في طياته مئات التفاصيل التي اجتهد المفاوضون الإيرانيون والأمريكيون والوسطاء في تفكيكها والتعامل معها لمحاولة حلحلة الأزمة، ولكن مع ثبات كل طرف على موقفه، فقد تم تحقيق القليل من التقدم. وبعيدًا عن دائرة الضوء ونشرات الأخبار، يجلس العديد من الدبلوماسيين الذين انخرطوا في مفاوضات عام 2015 التي تكللت بتوقيع اتفاق الإطار الشامل بين إيران والولايات المتحدة تحت رئاسة باراك أوباما أن الأمر داخل غرف التفاوض أصعب مما يبدو في التغطية الإعلامية.ولكن ما هو سبب كل ذلك؟ ولماذا يستعصي الملف الإيراني على الحل؟ هذا تحليل من رتبة لتكتيكات التفاوض المعروف اتباعها من قبل المفاوضين الإيرانيين.
طول النفس واستهلاك الوقت
ربما كانت الخصلة الأكثر شيوعًا عن المفاوض الإيراني هي الصبر وطول النفس. فلأسباب عديدة، يتعلق بعضها بطبيعة النظام الإيراني نفسه وتكوينه الداخلي، لا يبدو المفاوض الإيراني في عجلة من أمره للوصول إلى اتفاق، بل إنّ طول فترة المفاوضات قد أصبحت في حد ذاتها سلاحًا استخدمته إيران في مفاوضاتها السابقة مع الإدارات الأمريكية، التي كانت وما زالت محكومة باعتبارات داخلية وحسابات سياسية تستدعي تقديم ما يمكن الاعتداد به كإنجاز. ففي الولايات المتحدة، تقبع الانتخابات النصفية أو الرئاسية كحدود قصوى على الإدارة الأمريكية المنخرطة في المفاوضات أخذها في الاعتبار لتقديم إنجاز يسبقها أو الحصول على تنازل يعزز من حظوظ مرشحي الإدارة فيها. وفي الجانب الإيراني، يتم اعتبار هذه الاستحقاقات الانتخابية الأمريكية كعناصر ضغط يمكن الاستفادة منها والتعويل عليها لدفع المفاوض الأمريكي إما إلى القبول بتنازلات معينة، أو التراجع عن إصراره على نقطة دون الأخرى. في إيران، التي تجري فيها انتخابات الرئاسة بنسبة معقولة من الشفافية، لا تمثل فيها هذه الانتخابات مصدر ضغط على الإدارة الإيرانية، فالسياسات العليا للبلاد لا يسنّها الرئيس الإيراني بل المرشد الأعلى وإلى جانبه عدد من المجالس متعددة الأعضاء ومتداخلة المسؤوليات والتي تشكل جميعها موقفًا إيرانيًا موحدًا في مواجهة المفاوض الأمريكي أو الأوروبي، إلا في حالات استثنائية ونادرة.
ولكن بخلاف ضيق وقت الطرف المواجه لإيران في المفاوضات، فقد كان لاستهلاك المزيد من الوقت لدى الجانب الإيراني أهدافًا أكثر وضوحًا وتحديدًا، تضمنت إتاحة الوقت لتخصيب المزيد من اليورانيوم، وتأخير فرض العقوبات عليها عند فشل المفاوضات أو رفض إيران الموافقة علىشرط أو آخر. فخلال إدارة الرئيس بايدن، تأخر الإيرانيون لشهور في الاستجابة إلى طلب بدء المفاوضات مع إدارة بايدن والأوروبيين، وذلك قبل أن ترفض طهران مسودة المشروع المقدم لها من الأساس. وفي مداولاتها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بين عامي 2021 و2023، انتظرت طهران حتى اللحظة الأخيرة للموافقة على شروط الوكالة في التفتيش. وعليه يمكن تخيل هذا السيناريو البسيط: إذا رأى متخذ القرار الإيراني أن الإدارات الأوروبية والأمريكية في لحظة ما عازمة على فرض عقوبات في نافذة معينة من الوقت، فإن طهران قد تبدي عزمًا على الانخراط في المفاوضات. ولكنها لا تذهب إلى ذلك مباشرة. فكل إعلان بالموافقة أو تدارس الأمر، وكل دورة من التواصل، وكل رسالة تنتقل من واشنطن أو لندن إلى طهران، تستغرق الأسابيع في دراستها وتمريرها بين أعضاء هذا المجلس أو ذاك، ثم عندما تتبلور المواقف أخيرًا ويبدو أن الموقف الإيراني قد اتضح، يظهر أحد متخذي القرار في طهران بموقف رافض لما تم عرضه، ومن ثم تطلب إيران المزيد من الوقت لتقدم اقتراحًا بديلًا، يستغرق عدة أسابيع قبل أن يصل للعواصم الأخرى، فيتم رفضه أو القبول به، لتبدأ مرحلة جديدة ودورة أطول من الوقت.
في إطار المفاوضات الحالية، عبّر مسؤولون أمريكيون عن ضيقهم بطول الفترة الزمنية التي يستغرها المرشد الإيراني الحالي مجتبى خامنئي في الاستجابة إلى المفاوضات والطلبات الأمريكية، وقيل حينها أن ذلك يرجع إلى التدابير الأمنية شديدة التعقيد المفروضة على التواصل مع المرشد لحمايته من الاغتيال.

سريّة المفاوضات والإدارة الإعلامية
تشترط إيران في المعتاد أن تظل بنود المفاوضات والاتفاق سرية، وألا يتم تداول تفاصيلها في العلن. قد يرجع ذلك إلى رغبة متخذ القرار الإيراني في الامتلاك الكامل لسردية المفاوضات وتمكينه من إدارتها إعلاميًا وتسويقها داخليًا للجمهور الإيراني. تلك الإدارة الإعلامية عادة ما تشمل الاستثمار السياسي لظروف المفاوضات، بما فيها حقيقة انعقادها من الأساس، فجلوس المفاوض الأمريكي والأوروبي مع الإيراني تم تسويقه في الماضي البعيد والقريب على أنه انتصار لإيران، وفي إطار الحرب الحالية، التي تشمل أسباب شنّها إزاحة النظام الإيراني عن الحكم، تسوّق إيران لجلوس الولايات المتحدة معها للتفاوض على أنه اضطرار وانتصار حاسم وفشل أمريكي في تحقيق أهداف الحرب. بل وأكثر من ذلك، فالحرب التي بدأت بعد مفاوضات على الصواريخ واليورانيوم، أصبحت تشمل الآن فتح مضيق هرمز، الذي أصبحت طهران تعتبره ورقة تفاوضية كاملة الأهلية في يدها، إلى حد التصريح علانية بأنها تنتوي ممارسة السيادة عليه بالمناصفة مع سلطنة عمان بعد الحرب.
ولكن اشتراط السرية قد يعود أيضًا إلى محاولة تلافي أي صدامات داخلية بين أعضاء النظام الإيراني نفسه، وإلى منح المفاوض الإيراني المزيد من الحرية في اقتراح الحلول وسحبها والتراجع عنها بدون تكلفة سياسية. وفي هذا السياق، تنظر إيران إلى مفاوضات عمان السرية عامي 2012 و2013 باعتبارها مثالًا ناجحًا على الدبلوماسية الهادئة، فقد سمحت سرية المفاوضات للطرفين باختبار أفكار لم يكن ممكنًا طرحها علنًا قبل هذا التاريخ بسبب القيود السياسية الداخلية والواقع الذي فرضته المواقف الصدامية والمتشددة للرئيس محمود أحمدي نجاد. فمن جهة، كانت القيادة الإيرانية تخشى أن يؤدي الكشف المبكر عن أي حوار مباشر مع الولايات المتحدة إلى هجوم من التيارات المحافظة والحرس الثوري قبل معرفة ما إذا كانت واشنطن مستعدة فعلًا لتقديم تنازلات جوهرية. ومن جهة أخرى، أتاحت السرية للأمريكيين والإيرانيين مناقشة القضية الأكثر حساسية: قبول مبدأ استمرار التخصيب داخل إيران مقابل رقابة وقيود صارمة. لذلك ترى طهران أن السرية لم تكن مجرد تفصيل إجرائي، بل كانت شرطًا لنجاح العملية نفسها، من حيث توفيرها مساحلة للتفاوض الحقيقي بعيدًا عن الإعلام ومحاولات إفشال مسار التفاوض قبل نضجه.
وفي الأيام القليلة الماضية، برزت أحداث إلى السطح في إيران لتؤكد أن هذه المخاوف ما زالت قائمة، فقد شهدت مدن إيرانية تجمعات واحتجاجات نظمها ناشطون وتيارات محافظة متشددة اعتراضًا على التفاهمات الجارية مع الولايات المتحدة، ورفعت شعارات تنتقد فريق التفاوض وتتهمه بتقديم تنازلات لواشنطن. ورغم تداول بعض التقارير والإشاعات التي وصفت هذه التحركات بأنها مسيرات للحرس الثوري رفضًا للاتفاق، فإن المعطيات المتاحة تشير إلى أن الحرس الثوري كمؤسسة لم يتخذ هذا الموقف علنًا، بل إن وسائل إعلام مقربة منه قدمت الاتفاق المحتمل باعتباره متوافقًا مع مصالح إيران وشروطها التفاوضية. ومع ذلك، فإن بروز هذه الأصوات المعارضة داخل المعسكر المحافظ نفسه يوضح حجم الحساسية السياسية التي تحيط بأي تقارب مع الولايات المتحدة، ويعزز قناعة القيادة الإيرانية بأن إدارة الملف عبر قنوات هادئة وسرية تظل وسيلة ضرورية للحد من قدرة المعارضين على تعبئة الرأي العام وإفشال التفاهمات قبل اكتمالها.
ربما يكون الخطأ الأكثر شيوعًا في التعامل مع إيران هو النظر إلى التفاوض باعتباره طريقًا مختصرًا نحو صفقة نهائية، بينما تنظر إليه طهران باعتباره ساحة صراع وإدارة توازنات طويلة الأمد، يحمل كل عنصر فيها دلالات ورموز قابلة للاستثمار السياسي. ومن هنا جاءت سمات الصبر، والغموض المحسوب، والتفاوض على التفاصيل، والربط المستمر بين كل تنازل ومقابله. وهي سمات لا تفسر فقط سلوك إيران في المفاوضات الماضية، بل قد تساعد أيضًا في فهم سلوكها في أي جولات تفاوضية مقبلة.
