معركة في سماء الخليج: كم بقي لإيران من صواريخ؟
نجحت دول الخليج في تحقيق نسبة مرتفعة من اعتراض الصواريخ الإيرانية في إطار الحرب الحالية، ولكن هناك أسئلة ملحّة حول قدرة إيران على إطالة أمد الحرب ورفع كلفتها على دول الخليج بدون بذل الكثير من قدراتها الصاروخية وطائراتها المسيّرة.
لم تشمل التوقعات الخليجية الأكثر تشاؤمًا حيال أي حرب إسرائيلية إيرانية جديدة في 2026 أن تتجه طهران لهذا الاستهداف المفتوح للعواصم الخليجية والبنى التحتية الحيوية فيها. فاعتبارًا من صباح السادس من مارس 2026، وبحسب التقارير الإعلامية لوزارات دفاع دول الخليج، أطلقت قوات الحرس الثوري الإيراني نحو دول الخليج مجتمعة حوالي 600 صاروخ بالستي وأكثر من 1500 مسيّرة انقضاضية، فضلًا عن صواريخ كروز. بعض من الهجمات الإيرانية، حسب تصريحات التلفزيون الإيراني، كان موجهًا ضد القواعد الأمريكية أو التواجد العسكري الأمريكي بقاعدة العديد في قطر ومقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين وقاعدة الظفرة الجوية في أبوظبي وقاعدة العريفجان في الكويت، وبعضها استهدف منشآت للطاقة وموانئ ومطارات ومباني السفارات الأمريكية في مناطق سكنية ومدنية بالخليج، وفي كلتا الحالتين، كان لحطام الصواريخ المعترضة الضرر الأكبر على المناطق المدنية. صحب هذا النشاط العسكري الإيراني تصريحات لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي جاء فيها أن الاستهداف هو فقط للمنشآت الأمريكية وهو غير موجه لدول الخليج، الأمر الذي رفضه رئيس الوزراء القطري علانية بحسب تصريح وزارة الخارجية القطرية يوم 4 مارس.
بموجب هذا الواقع الجديد الذي ترك أثرًا واضحًا على أسعار الطاقة بسبب التهديد الماثل لناقلات النفط والغاز أثناء عبورها لمضيق هرمز، تراجعت وتيرة النشاط المدني والاقتصادي في مختلف الدول الخليجية وتم إطلاق برامج لإدارة الأزمات وضعت سلامة المواطنين والمقيمين على رأس أولوياتها. في غرف الأخبار ووكالات الأنباء، يتحدث المحللون عن اقتصاد إيران في إطلاق الصواريخ والمسيّرات بهدف إطالة أمد الحرب وفرض أثمان باهظة على المنطقة بأسرها لنقل الضغط إلى الولايات المتحدة وفرض نهاية للحرب. وفي تل أبيب، تأتي تصريحات المسؤولين العسكريين يوميًا لتؤكد أن وتيرة استهداف منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية تتزايد، الأمر الذي جاء على لسان ترامب نفسه مساء 5 مارس بتأكيده أن نحو 58% بالمئة من تلك المنصات قد تم تدميرها. ولكن في الخليج، وعلى الرغم من النشاط المعقد والمتداخل لأنظمة الدفاع الجوي والتي نجحت مجتمعة في اعتراض نحو 96% من القذائف الإيرانية المتنوعة، هناك ثمن يتمثل في الكلفة الاقتصادية والمجتمعية للحرب. فكما تصف Le Diplomate الأمر، حتى مع النجاح الباهر لاعتراض الصواريخ، هناك كلفة نفسية تترتب على سقوط الشظايا والحطام، الذي قد يتسبب في حرائق تلتقطها كاميرات وتنتشر بمواقع التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم. فإلى أي حد تستطيع إيران مواصلة استهداف الخليج؟
ترسانة إيران الصاروخية
تعرضت البنية التحتية الصاروخية الإيرانية في إطار هذه الحرب إلى ضربات موجعة طالت مدن إنتاج الصواريخ تحت الأرض، ومستودعات التخزين، ومواقع الإطلاق، فضلًا عن الطواقم البشرية المسؤولة عن إدارة هذا الإطلاق. وفي المجال الجوي تنشط عشرات الأقمار الاصطناعية الإسرائيلية والأمريكية لالتقاط البصمة الحرارية واللاسلكية لكل عملية إطلاق بهدف وقفها قبل انطلاقها. ومع كل ذلك، فقد نجحت إيران في إطلاق رشقات صاروخية في كل يوم من الأسبوع الأول للحرب، بعضها موجه للخليج والآخر للأردن وإسرائيل بل وتركيا كذلك.

قاذفة صواريخ باليستية من نوع “سكود” معروضة في إيران
لا يوجد شك هنالك في أن الحرس الثوري الإيراني ما زال بحوزته ترسانة من الصواريخ الحديثة، وتحديدًا الباليستية والفرط صوتية، والتي تتباين في ارتفاع تحليقها وسرعتها وقدرتها التدميرية، وهي عوامل تؤدي إلى تعقد المشهد الدفاعي وتتطلب تكاملًا بين عدد من أنظمة الدفاع الجوي للتعامل مع هذه الصواريخ؛ فهناك منظومة THAAD الموجودة لدى الإمارات والمتخصصة في اعتراض الصواريخ الباليستية بعيدة المدى في المجال الجوي قبل هبوطها نحو أهدافها، وهناك منظومة Patriot PAC-3 الأكثر انتشارًا واستخدامًا في منطقة الخليج، والمعروفة بقدرتها على التعامل مع الصواريخ الباليستية قصيرة المدى وصواريخ كروز. وفيما يلي بيان بالصواريخ الإيرانية وأنظمة الدفاع الجوي الخليجية القادرة على اعتراضها:
| الصاروخ | النوع | المدى | السرعة | دفاع جوي يحيّده |
| فتاح-2 | فرط صوتي HGV | من 1400 إلى 1500 كيلومتر | من 13 إلى 15 ماخ | مزيج من THAAD وPatriot |
| فتاح-1 | فرط صوتي MaRV | 1400 كيلومتر | من 13 إلى 15 ماخ | THAAD |
| خرمشهر-4 (خيبر) | باليستي متوسط MRBM | من 2000 إلى 3000 كيلومتر | 16 ماخ | THAAD |
| سجيل | باليستي متوسط MRBM | من 2000 إلى 2500 كيلومتر | من 12 إلى 14 ماخ | مزيد من THAAD وPatriot |
| عماد | باليستي متوسط MaRV | من 1800 إلى 2000 كليومتر | من 12 إلى 14 ماخ | مزيد من THAAD وPatriot |
| حاج قاسم | باليستي متوسط MRBM | 1400 كيلومتر | 12 ماخ | مزيد من THAAD وPatriot |
| دزفول | باليستي قصير SRBM | 100 كيلومتر | من 7 إلى 9 ماخ | PATRIOT |
| ذو الفقار | باليستي قصير SRBM | 700 كيلومتر | من 5 إلى 7 ماخ | PATRIOT |
| فاتح-313 | باليستي قصير SRBM | 500 كيلومتر | من 4 إلى 5 ماخ | PATRIOT |
| باوه | كروز جوال LACM | 1650 كليومتر | من 0.7 إلى 0.9 ماخ | PATRIOT والمقاتلة F-15 |
| شاهد-136 | مسيرة انتحارية OWA | من 2000 إلى 2500 كيلومتر | 185 كليومتر/ساعة | PATRIOT والطائرات المقاتلة |
من غير المعروف تحديدًا كم تبقى لإيران من كل فئة من هذه الصواريخ، بناءً لموقع The Long Journal، ولكن الشواهد اليومية في دول الخليج تؤكد أن قدرات هذه الصواريخ على اختراق منظومات الدفاع الجوي الخليجية محدودة، وتتطلب إغراقًا استثنائيًا برشقات كبيرة من الصواريخ لإحداث تأثير حقيقي، الأمر الذي حدث بشكل أو بآخر في أولى أيام الحرب. ولكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم هو مدى سرعة عودة الحياة إلى طبيعتها في العواصم الخليجية، وعما إذا كانت الحرب الحالية ستتسبب في تشرذم أمني إيراني يفرض نوعًا من الاستنفار الأمني في الخليج بدون بذل الكثير من العناء أو إطلاق أكثر من بضعة طائرات مسيّرة بوتيرة يومية أو حتى أسبوعية.

طائرات مسيّرة إيرانية من طراز Sahed 136 ضمن استعراض عسكري إيراني
من أين ُتطلق الصواريخ؟
تعتمد القوات الإيرانية، بناءً على المعلومات المتوفرة حتى اليوم، وتحديدًا القوات الجوفضائية التابعة للحرس الثوري على شبكة واسعة من القواعد السطحية ومدن الصواريخ التحت أرضية المحصنة في الجبال لإطلاق الهجمات نحو دول الخليج. المنطقة الجنوبية من إيران المطلة على الخليج وبحر عًمان تعتبر المكان الأقرب ولذلك الأكثر خطورة لنشاط الحرس الثوري الإيراني وتشمل ما يأتي من مواقع:
- قاعدة خورغو شمال بندر عباس، وهي واحدة من أهم مدن الصواريخ التحت أرضية، وتستخدم لإطلاق صواريخ فاتح-110 وذو الفقار باتجاه الإمارات وعمان
- بندر عباس (المنطقة البحرية الأولى): تنشط فيها زوارق الحرس الثوري المزودة بمنصات إطلاق صواريخ كروز والمسيّرات
- قاعدة حاجي آباد: موقع استراتيجي محصن بالجبال تم استهدافه مؤخرًا بقنابل مخترقة للتحصينات، ويعد مركزًا لإطلاق الصواريخ نحو وسط الخليج
- جزيرتا قشم وكيش: تستخدمان كمنصات متقدمة لإطلاق مسيّرات شاهد-136 والتشويش الراداري على السفن ومنظومات الدفاع الخليجية
هناك كذلك المنطقة الجنوب غربية والملاصقة للحدود العراقية، وتشمل المواقع الآتية:
- قاعدة الإمام علي: تعد أضخم قاعدة صواريخ في إيران. تضم صواريخ شهاب-3 وخرمشهر-4. ومنها انطلقت الرشقات الصاروخية التي استهدفت الكويت في بداية الحرب
- قاعدة كنشت في كرمانشاه: قاعدة تحت أرضية كبرى تنشط في إطلاق الصواريخ متوسطة المدى نحو القواعد الأمريكية في السعودية والأردن
- قاعدة دزفول في خوزستان: تستخدم كمركز إطلاق متقدم لصواريخ دزفول الباليستية التي تستهدف المنشآت النفطية في شمال الخليج
المنطقة الثالثة والأخيرة للمواقع النشطة للوحدات الصاروخية للحرس الثوري هي في المنطقة الوسطى من إيران، وتشمل المواقع الآتية:
- منطقة خوجير وبارجين شرق طهران: مجمعات صناعية وعسكرية ضخمة لإنتاج وإطلاق الصواريخ المتطورة مثل فتاح-1 وفتاح-2
- أصفهان: بها مواقع ومنصات إطلاق تحت الأرض مخصصة لصواريخ سجيل

عندما تضع هذه الحرب أوزارها سيكون هناك المزيد من الدروس العملياتية والتكتيكية للدول الي انخرطت فيها طواعية أو رغمًا عنها، وقد بدأت بعض المراكز البحثية بنشر أبحاثها وتقاريرها يوميًا كالتقرير المشترك من Institute for the Study of War و AEI’s Critical Threats Project. ولكن أحد هذه الدروس هو واضح للعيان حتى قبل أن تنتهي الحرب: التكامل العملياتي والتقني بين أنظمة الرادار والدفاع الجوي الخليجية وأسراب المقاتلات الخليجية والأوروبية والأمريكية أثبت أن التعاون الدفاعي الذي تم صقله على مدار السنوات الماضية خلال التدريبات العسكرية المشتركة قد ساهم وبشكل فعّال في حماية الأرواح والبنية التحتية في الخليج من الدمار الهائل الذي كانت الصواريخ الإيرانية لتحدثه، وبعضها يحمل رؤوسًا حربية تزن أكثر من طن.
لقطات لمقاتلة بريطانية من طراز F-35B تُسقط طائرة مسيّرة إيرانية فوق الأجواء الأردنية
يتمثل هذا التعاون في تفعيل بروتوكولات الربط اللحظي للبيانات عبر منظومات القيادة والسيطرة لتتحول بذلك سماء الخليج إلى شبكة دفاعية موحدة، حيث مكنت الرادارات بعيدة المدى في سلطنة عمان والإمارات من رصد لحظة انطلاق الصواريخ من العمق الإيراني وتمرير إحداثياتها لحظيًا لبطاريات THAAD وPATRIOT في السعودية والكويت. هذا التكامل، بحسب تقرير Le Diplomate، لم يقتصر على التصدي للصواريخ الباليستية العملاقة فحسب، بل امتد ليشمل تنسيق الأدوار بين الدفاعات الأرضية وأسراب المقاتلات التي تولت مهمة اصطياد مئات المسيرات الانتحارية وصواريخ كروز المنخفضة، مما شكل حائط صد متعدد الطبقات أجهض استراتيجية الإغراق الصاروخي الإيرانية ومنعها من تحقيق أهدافها الاستراتيجية.