تقارير

إدارة الأزمة في الخليج: تحليل للنموذج الإماراتي

كيف تعاملت الدول الخليجية مع أزمة الحرب الأمريكية الإيرانية والضربات التي تعرضت لها مدن الخليج؟ وما هي السمات الرئيسية للأداء الخليجي؟ تحليل لأداء إدارة الأزمة في الإمارات العربية المتحدة. 

مثّلت الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيّرات على دول الخليج في مطلع الحرب الأمريكية الإيرانية هذا العام اختبارًا حقيقيًا لا لأنظمة الدفاع الجوي والإنذار المبكر الخليجية فحسب، بل لطريقة التعامل الخليجية مع الأزمة برمتها: القرار السياسي والعسكري والعلاقات مع الحلفاء والبنية التحتية والاقتصاد وإدارة الأزمات. فباستثناء الكويت منذ أكثر من ثلاثة عقود إبان الغزو العراقي، لم تمر المجتمعات الخليجية بتجربة الحرب والتعرض للقصف، ولم تعهد المدن الخليجية المزدهرة صفارات الإنذار للتحذير من الهجمات الصاروخية. فكيف تعامل الخليج مع الأزمة؟ وهل هناك دروس مستفادة ستسهم في تعزيز جاهزية المجتمعات والاقتصادات الخليجية للتعامل مع أي أزمات أو نزاعات عسكرية مستقبلية؟ هذه محاولة للإجابة على هذه الأسئلة انطلاقًا من النموذج الإماراتي في التعامل مع الأزمة منذ بدايتها وحتى اللحظة. 

صواريخ في كل حدب وصوب 

بعد حوالي نصف الساعة من ظهيرة يوم الثامن والعشرين من فبراير 2026، سقط أول صاروخ إيراني في البحرين، مصيبًا منشأة تابعة للأسطول الخامس الأمريكي. وفي غضون الدقائق والساعات التي تلت، تتابع وصول الصواريخ والمسيّرات الإيرانية في المجالات الجوية لدول الخليج،  لتستهدف، بحسب بيانات الحرس الثوري الإيراني، القواعد الأمريكية، وبحسب مواقع اعتراض الصواريخ وسقوط الشظايا والحطام، أهدافًا مدنية في دبي وأبوظبي والكويت والمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، فضلًا عن الأهداف العسكرية الأمريكية والخليجية والأردنية. بلغت حصيلة الصواريخ الإيرانية في هذا اليوم الأول من الحرب نحو 170 صاروخًا باليستيًا وعدد غير معلوم من المسيّرات والصواريخ الجوّالة. وفي اليوم نفسه صدر أول تأكيد رسمي خليجي من وزارة الداخلية البحرينية، في بيان مقتضب يحمل كلمات ستتكرر كثيرًا في عموم الخليج لأسابيع قادمة:  “تم تفعيل صفارات الإنذار تحسبًا لهجوم يستهدف قواعد عسكرية أمريكية داخل المملكة، وعلى المواطنين والمقيمين التوجه إلى الأماكن الآمنة.”  

ما يعنيه التوجه إلى الأماكن الآمنة ليس واضحًا، فالبحرين لا توجد بها ملاجئ أو مخابئ من الغارات الجوية، ولكن الافتراض الذي تحرك الجميع بموجبه هو أن عليهم التزام أماكن سكناهم وعدم مغادرتها إلى العراء، حيث يمكن أن تصيبهم شظايا الاعتراضات الناجحة للصواريخ أو حتى الصواريخ نفسها. وينطبق الأمر نفسه على الدول الخليجية الأخرى، التي وإن اختلفت في مدى استعدادها لإدارة الأزمة من الناحية اللوجستية والاقتصادية والإدارة المحلية، فإنها اشتركت في المستوى المرتفع من الاعتراضات الناجحة للمقذوفات الإيرانية، تلك الاعتراضات التي جنّبت مدن الخليج العواقب الكارثية لحملة القصف الإيرانية التي امتدت في مرحلتها الأولى لـ39 يومًا وحتى وقف إطلاق النار الأول.  

إدارة الأزمة  

القسم الأول: الدفاع الجوي واعتراض الهجمات 

وجّه الحرس الثوري الإيراني الغالبية العظمى من هجماته نحو الإمارات العربية المتحدة، بشكل يفوق حتى الضربات الموجهة لإسرائيل. يعكس هذا ما لدى النخب السياسية والعسكرية الإيرانية من انطباعات سلبية تجاه الإمارات تستند إلى توقيع المعاهدات الإبراهيمية وما ترتب عنها من تعاون أمني ومؤسسي وثيق بين أبوظبي وتل أبيب، فضلًا عن العلاقات الدفاعية الممتدة بين الإمارات والولايات المتحدة. وعلى الرغم من نجاح بعض الصواريخ والمسيّرات الإيرانية على امتداد الحرب بالوصول إلى أهدافها، أو على الأقل، إلى أهداف ما في الإمارات، فإن سجل الاعتراض الناجح فوق كل مناطق الإمارات يعد الأعلى من بين دول الخليج. يعود ذلك إلى عدد من الأسباب، من بينها قدرات الدفاع الجوي الأرضي المتقدمة للإمارات التي تشمل منظومتي THAAD وPatriot الأمريكيتين، وإلى الربط الراداري مع دول الخليج والولايات المتحدة. 

فالإمارات لم تعتمد في التصدي للهجمات الإيرانية على منظومات الدفاع الجوي الأرضية وحدها، بل على منظومة اعتراض متعددة الطبقات جمعت بين الرصد المبكر والقيادة والسيطرة والمقاتلات الاعتراضية ومنظومات الدفاع الصاروخي. تتمثل هذه العملية في اكتشاف المقذوفات الإيرانية عبر شبكات الرادار والإنذار المبكر بالتنسيق مع الرادارات الخليجية ورادارات التحالف، ثم تصنيف هذه المقذوفات بحسب نوعها ومسارها ومستوى التهديد الذي تمثله، حيث تحال الصواريخ الباليستية إلى منظومات الاعتراض الأرضية مثل THAAD وPatriot، بينما يتم نشر مقاتلات F-16 Block 60 (التي تمثل عماد القوة الجوية الإماراتية) وMirage 2000، لاعتراض المسيّرات والصواريخ الجوالة عندما تقتضي الحاجة. هذه المنظومة تمت إدارتها عبر شبكة قيادة وسيطرة موحدة تربط المستشعرات الجوية والأرضية بالقوات الإماراتية والأمريكية والحلفاء الأوروبيين والخليجيين، وهو ما أتاح توزيع الأهداف بين مختلف وسائل الدفاع وفقًا لطبيعة وخصائص كل تهديد، وتقليل استهلاك صواريخ الاعتراض مرتفعة التكلفة مع الحفاظ على أعلى مستوى ممكن من الحماية للمجال الجوي. 

تكاملت صورة الدفاع الجوي هذه مع تعزيز الدفاعات حول المنشآت النفطية والموانئ والمطارات، ورفع الجاهزية في القواعد العسكرية وتكثيف دوريات حماية الموانئ الإماراتية مثل جبل علي والفجيرة. 

طائرة مقاتلة إماراتية من طراز Mirage 2000-9E (Kurush Pawar) 

القسم الثاني: إدارة الأمن الداخلي والاقتصاد 

مع نهاية اليوم الأول من الحرب، انتشر مقطع فيديو بمنصات التواصل الاجتماعي يظهر فيه حريق ناتج عن مقذوفة إيرانية سقطت شظاياها بحديقة أحد فنادق دبي في نخلة الجميرا، وهي منطقة سياحية بامتياز كانت حتى بداية الحرب أبعد ما يكون عن فكرة التوتر الإقليمي أو حتى الانشغال بالشأن السياسي. انتشر هذا المقطع كالنار في الهشيم وتبعته مقاطع أخرى من الإمارات كما من دول أخرى في الخليج، لتنقل صورة كابوسية، حتى وإن لم تكن دقيقة. من الناحية المادية، لم يتسبب الحريق المذكور بأضرار مادية بالغة، ولا تسببت المقذوفة نفسها بحطام كبير، كما لم يسقط ضحايا في هذه الهجمة، ولكن الأثر النفسي المترتب على مقطع من هذا النوع يفوق الأثر المادي بدرجات، وهو ما دفع السلطات الإماراتية إلى اتخاذ إجراءات قانونية وأمنية حاسمة لمنع تصوير هذه المقاطع فضلًا عن نشرها على الملأ. هذه التدابير لم تكن فارغة من محتواها، أي أنها لم تكن مجرد تضييق إعلامي يهدف إلى التغطية على دمار واسع النطاق، فقد فعّلت الإمارات بالتوازي مع هذه التدابير منظومة متكاملة لإدارة الأمن الداخلي والحماية المدنية، شملت رفع جاهزية الدفاع المدني والإسعاف والشرطة والجهات الصحية، وإصدار التحذيرات والتعليمات للسكان، وإدارة حركة الطيران والمجال الجوي بصورة مرنة، إلى جانب تأمين المنشآت الحيوية وشبكات الطاقة والمياه والاتصالات. ولم يكن الهدف مقتصرًا على تقليل الخسائر البشرية والمادية، بل شمل ضمان استمرار الخدمات الأساسية ومنع تعطل مؤسسات الدولة أو اهتزاز ثقة المواطنين والمقيمين والمستثمرين في قدرتها على تجاوز الأزمة. 

وتنبع أهمية هذه الإجراءات من أنها لا تحقق أثرها بمجرد وجود المؤسسات، حتى وإن اتسمت تلك المؤسسات بالكفاءة، بل من قدرتها على العمل كمنظومة واحدة تحت قيادة موحدة. ففي العصر الحالي لا يقتصر النجاح على اعتراض الصواريخ والمسيّرات، بل يمتد إلى سرعة تبادل المعلومات بين الجهات العسكرية والمدنية وتوزيع المهام واتخاذ القرارات في الوقت المناسب، وتوحيد الرسائل الموجهة إلى الجمهور بشكل متسق ومنضبط. أي تأخر أو تضارب في هذه المنظومة قد يحول ضربة محدودة إلى أزمة تتجاوز آثارها ما أصابه المقذوف لتصيب الاقتصاد وحركة النقل. ومن هنا أصبحت القيادة المركزية والتنسيق المؤسسي عنصران حاسمان في مفهوم الصمود الوطني وإدارة الأزمة، لأنهما أتاحا للإمارات ودول خليجية أخرى مواصلة أداء وظائفها الطبيعية حتى وهي تتعرض لهجمات مباشرة. 

امتدت الإجراءات الإماراتية كذلك إلى قرارات ذات طابع اقتصادي تمثلت في ضمان استمرار تشغيل المطارات والموانئ والأسواق المالية والقطاع المصرفي، والحفاظ على انسيابية سلاسل الإمداد والخدمات الأساسية، ما ساهم في خفض تأثير الهجمات على النشاط التجاري وحركة الاستثمار. وفي دولة مثل الإمارات يستند نموذجها التنموي إلى موقعها في منظومتي التجارة والتمويل، فضلًا عن السياحة الاستثمارية، فإن الحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي لا يقل أهمية عن حماية البنية التحتية نفسها. وفي هذا المجال تحديدًا، بدا من الواضح أن الإمارات قد تعلّمت الكثير من الدروس من إدارتها لجائحة كوفيد، من ناحية التحول الرقمي وربط البيانات وبناء نماذج ناجحة للنشاط الاقتصادي والتعليمي والحكومي عن بُعد، والإدارة الإعلامية التطمينيةللمواطنين والمقيمين والزائرين. 

بعد إخماد حريق محدود في محيط القنصلية الأميركية بدبي إثر استهداف بمسيرة إيرانية (المكتب الإعلامي لحكومة دبي، 2026) 

القسم الثالث: الإدارة الإعلامية والخطاب الرسمي 

في الإمارات تولت الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث NCEMA إدارة الرسائل الموجهة للجمهور بشأن السلامة والإجراءات اليومية، وذلك ضمن هيكلية للخطاب الإعلامي تضمنت أدوارًا لوزارتي الخارجية والدفاع والمكتب الوطني للإعلام ومجلس الإمارات للإعلام. اتسم الخطاب الإعلامي الإماراتي خلال الأزمة بالانضباط والاتساق أكثر من اعتماده على الزخم الإعلامي. فقد حرصت الجهات الرسمية على توحيد مصادر المعلومات، وتقسيم الأدوار بوضوح بين البيانات العسكرية ورسائل السلامة العامة والمواقف الدبلوماسية، مع الاكتفاء بنشر المعلومات اللازمة لطمأنة الجمهور من دون الإفصاح عن تفاصيل عملياتية قد تمنح الحرس الثوري ميزة استخباراتية أو تأكيدًا لنجاحه في إصابة أهداف بعينها. كما ركز الخطاب على التأكيد المستمر على جاهزية مؤسسات الدولة واستمرارية الخدمات الأساسية، وحث الجمهور على استقاء المعلومات من المصادر الرسمية وتجنب تداول الشائعات أو الصور غير المصرح بها. وأسهم هذا النهج في الحد من تأثير الحرب النفسية، وهو أمر برزت أهميته في حالات مثل ما جرى يوم  14 مارس 2026 عندما دعا الحرس الثوري المدنيين إلى إخلاء المناطق المحيطة بموانئ جبل علي وخليفة والفجيرة في الإمارات، مدعيًا أنها تستخدم من قبل القوات الأمريكية، وأنها قد أصبحت أهدافًا مشروعة لهجمات إيرانية وشيكة. 

كان للتواصل الإعلامي الرسمي الإماراتي دورًا هامًا كذلك في حفظ النسيج المجتمعي في دولة يتكون غالب سكانها وقوتها العاملة من جنسيات أجنبية، كما هو الحال في دول خليجية أخرى. فقد أدركت الإمارات مبكرًا أنها لا تريد الوصول إلى سيناريو مغادرة المقيمين الذي تصور الكثيرون حدوثه، لتطلق شعار “في الإمارات… الكل إماراتي” كحملة إعلامية ذات طابع سياسي واجتماعي هدفت إلى التأكيد على أن الحماية التي توفرها الدولة تشمل المواطنين والمقيمين والزوار على حد سواء، وأن الجميع يشكلون جزءًا من الجبهة الداخلية في مواجهة الأزمة. وقد جاء الشعار في كلمة لرئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الذي أكد أن أمن الدولة وسيادتها وسلامة المواطنين والمقيمين والزوار تمثل أولوية مطلقة، مشيدًا بما أظهره المجتمع من تماسك وتضامن خلال الحرب. 

قبل الحرب الأمريكية الإيرانية الحالية، كانت النظرة التقليدية للصمود وحماية الدولة تتمثل في التفوق العسكري ومدى تقدم منظومات الاعتراض. ولكن هذه الحرب، من ضمن ما حطمته من تصورات وقناعات، أظهرت أن الحروب الممتدة تفرض معادلة مختلفة، يصبح فيها الصمود بقدر أهمية الردع. فاستمرارية عمل الحكومة وحماية السكان والحفاظ على النشاط الاقتصادي والخدمات الحيوية، كلها تعتمد على بنية تحتية قادرة على امتصاص الضربات ومواصلة العمل تحت الضغط. ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار في قدرات الصمود الممتد، من إنشاء ملاجئ ومنشآت محصنة، وتطوير مراكز قيادة بديلة، وتعزيز مخزونات الطوارئ، واقتناء طائرات النقل الثقيل والإسناد اللوجستي، وتوسيع منظومات الطاقة والاتصالات الاحتياطية، إلى جانب تحديث منظومات الرصد والإنذار المبكر. فالدفاع الناجح في الحروب الحديثة لا يتمثل فقط في إسقاط الصواريخ والمسيّرات، بل أيضًا في قدرة الدولة على الاستمرار في أداء وظائفها الطبيعية رغم الهجمات، وتحويل استنزافها إلى مهمة مستحيلة بالنسبة للخصم.

تمرين الطاولة الإستراتيجي “الحصن (15/3)” في نادي ضباط شرطة دبي، والذي يهدف لتعزيز منظومة الاستجابة الوطنية (وزارة الداخلية الإماراتية، 2026)