لمحة عن كتابات المحللين الصينيين في الحرب الايرانية الأمريكية | د. محمد السديري
تتكاثر التحليلات الغربية والعربية هذه الأيام حول تداعيات الحرب الايرانية-الأمريكية على الصين وترتكز أكثرها على فكرة أن الحملة العسكرية، والتي في بداياتها كانت تعتبر “ضربة” موجهة على بكين، أضعفت الولايات المتحدة في لحظة حرجة من منافستها المحتدمة مع العملاق الشرق آسيوي: الاستهلاك الضخم للذخيرة (50-80% من أنواع مختلفة من الصواريخ بحسب مصادر مختلفة) قوض من تموضعها الدفاعي في ساحات مهمة من ضمنها شرق آسيا، وتعاملها المرتبك مع الدول الخليجية الحليفة أشعل تبعًا أزمة ثقة بين النخب التايوانية والجنوب كورية وغيرها في ذلك الاقليم حول الجدية الأمريكية في الدفاع عن بلدانهم، وهذا غير ارتدادات الحملة العسكرية على الاقتصاد العالمي أو دورها في تشتيت الانتباه الأمريكي عن الصين سياسيًا. وتغذي هذه التحليلات سياقات كثيرة ومتشابكة، وربما أهمها التحركات الايرانية في الأسابيع الماضية لدعم فكرة أن علاقات ايران مع الصين بصدد أخذ منحى عسكري واستراتيجي عميق في المرحلة القادمة، ونلتمس هذا في تلاوة آية 154 من سورة البقرة على الوفد الصيني المعزي في جنازة آية الله خامنئي (والتي توحي، كرسالة مبطنة، أن الانتصار الايراني على “الشيطان الأكبر” ليس الا بمثابة نصر صيني)، إلى اعطاء ملف الصين لمحمد قاليباف (المرتبط بالحرس الثوري وأهم شخصية في المنظومة الايرانية حاليًا) كجزء من محاولة وضع إطار مؤسساتي للعلاقة.

ولكن بعيدًا عن هذه كله – وهي في النهاية، تكهنات الخارج – كيف يرى الصينيين أنفسهم هذه الحرب؟ التصريحات الرسمية وكما هو متوقع مقتضبة وتتماشى مع الطرح الدبلوماسي البارد والمعهود للحكومة الصينية. أما على صعيد الطرح الأكاديمي والصحفي – في المجلات والمنشورات الحزبية وغيرها – فالرؤى متشتتة ومتشعبة وتمثل مداخل لفهم كيف يفكّر الصينيين عن ما حدث. بالنسبة للحرب نفسها، يتفق أكثر المحللين أنها لم تنتهي بشكل حاسم، وأنه لا غالب ولا منتصر فيها على المدى الطويل. فمثلا جانغ يونغنيان، دكتور العلوم السياسة في جامعة هونج كونج الصينية-شنجن، كتب أن ما وقع في اسلام آباد هو بمثابة هدنة مؤقتة ولكنه لا يرى أن للطرفين “مخارج” واضحة من الأزمة غير القتال والتصعيد المتكرر. الملفت أنه يقر في نفس الوقت أن الأمريكان حصلوا على مكسب مهم يتعلق بتعميق فهمهم عن إمكانيات ومشاكل توظيف الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية – وهذا الأمر محطّ اهتمام الكثير من المتابعين للحرب، وبالذات في النطاقات العسكرية والدفاعية.
المختصين بالشرق الأوسط المعروفين أمثال نيو شنتشون وليو جونغمنغ، وإن كانوا يتماشون مع الرأي القائم أنه ستكون هناك جولات مستقبلية بين الولايات المتحدة وإيران، إلا أنهم يرون أن أمريكا هزمت بشكل حاسم وأنه لا عودة لمكانتها المتسيدة وعلى ما كانت تتمتع عليه قبل الحرب (والتي يطلق عليها في الأدبيات الصينية حاليًا “الحرب الخليجية الثالثة” أو “الحرب الشرق الأوسطية السادسة”). وجوهر المعضلة يكمن في أن الولايات المتحدة لا تملك أي آلية هجومية قادرة على ردع إيران من فرض نفوذها على مضيق هرمز. وهذا سيكون له – بمرأى هؤلاء المحللين – انعكاسات واسعة على الأمن وموازين القوى في الشرق الأوسط وتسريع إخراجه من دائرة الهيمنة الأمريكية حيث إنهم يلتمسون (مثل لياو بايجرأو نيو المذكور) أن هناك ثلاث تكتلات متصارعة في طور التشكل على ركام الحرب: محور ايراني “شيعي” انتعش مع الجولة الأخيرة من الحرب، محور “سني” (سعودي-تركي-باكستاني) جديد ومستقل، ومحور ابراهيمي (اسرائيلي-اماراتي) يمثل الامتداد الأمريكي في المنطقة، وأن اضمحلال القوة الأمريكية سيؤدي الى اشتداد الصراع وأخذه منحنى وجودي بين المحاور الثلاث.
بالنسبة للمنافسة الصينية-الأمريكية بعد هذه الحرب، يكتب يان شويتونج، خبير العلاقات الدولية المشهور من جامعة تشنغهوا، أن هذه الحرب ستغير من الصيغة التقليدية المتبعة للقوى العظمى في الخليج (“الاقتصاد للصين، والأمن لأمريكا”) وستفتح آفاق التعاون العسكري بين بكين والعواصم المحلية، وتوقع أن ارتداداتها على المنظومة الدولية ستكون أضخم من الحرب الأوكرانية-الروسية وستسرع من الأفول الاستراتيجي للولايات المتحدة. يتفق عدد من الكتاب الآخرين مع هذا الطرح (وبشكل أكثر حدة، القومجية) ولو بشكل مبطن وإن كان من غير ذكر الصين تحديدًا: تشن ويشن (والذي نشرت مقالته على تشيو شر أو “البحث عن الحقيقة” – المجلة الحزبية الرئيسية والمرموقة) يرى أن الولايات المتحدة شرعت بالحرب للحفاظ على هيمنتها على منظومة “الدولار النفطي” القائمة منذ بداية السبعينات، وأن هزيمتها تعكس “أزمة امبراطورية” بامتياز (ويستخدم الكثير من المحللين مصلح “الأزمة” لوصف الوضع العام في أمريكا، بما يتعلق بسياساتها الداخلية والخارجية، في تعاملها مع – وتغاضيها عن – القانون الدولي، وفي سمعتها الأخلاقية عالميًا).
هذه لمحة مقتضبة عن ما يكتب في المنشورات الصينية. الأكثرية الساحقة منها لا تحتوي على أي ذكر على ما ينبغي أن تقوم به الصين، وهذا يعكس برأيي الحذر العام في الحديث عن سياسات البلد قبل أن تتضح توجهات القيادة العليا. بلا شك، وعلى ما توحيه هذه الكتابات، هناك نوع من التشفي على ما حصل للولايات المتحدة، مقرون مع قراءة تحليلية للمنطقة. ما هو واضح بالنسبة لي أن الخطاب الصيني لا يوحي (بغض النظر عن ما تقوله إيران أو أمريكا أو غيرهم) أنها بصدد انتهاج سياسة جديدة “والدخول” في المنطقة (عبر دعم إيران “للصمود” أمام الضربات الأمريكية)، بل أن ما انتهجته من سنوات، التعامل والمتاجرة مع الكل والموازنة بينهم، قد تكلل بالنجاح النسبي كمدخل لحفظ مصالحها الحيوية، وله أصداء مع سياساتها في الثمانينات من بيع السلاح لجميع الأطراف المتنازعة ومن ضمنها ايران والعراق. هذا لا يعني أن الصين ترغب أن تكون المنطقة – الخليج تحديدًا أو الشرق الأوسط عمومًا – في حالة عدم استقرار وذلك لأنه يهدد حزمة من مصالحها (سلاسل إمداد الطاقة وإعادة التصدير والجاليات المتزايدة)، ولكن الحقيقة هي أن الصين، ولأسباب كثيرة خارج نطاق هذه المقالة القصيرة، لا تعتبر المنطقة ساحة استراتيجية محورية لها، وتعاملها مع الاضطرابات النابعة منها ستكون عبر تقليل اعتمادها على المنطقة في النطاقات الحيوية مثل الطاقة، لا عبر دعم استقراراها بشكل ملموس وجدي.
