تقارير

تطوّرات الحرب الروسية الأوكرانية في العام الخامس من الحرب

تحليل لما شهدته الحرب الروسية-الأوكرانية من تطورات نوعية غيّرت معالم المواجهات العسكرية ودشّنت حقبة حروب المسيّرات والبنية التحتية الاستراتيجية والقدرة الصناعية كسلاح جديد.

قد تبدو هذه المشاهد مألوفة لكل من يتابع تطورات الحرب الروسية-الأوكرانية: في الصباح، أخبار عاجلة تفيد بقيام روسيا بشن هجمات واسعة بالصواريخ الباليستية خلال الليل على كييف، تتسبب بأضرار مادية وبعض الإصابات البشرية. وفي الصباح التالي، يستيقظ العالم على فيديوهات غير رسمية تظهر في مصافي النفط الروسية وهي تشتعل بعد مهاجمتها بأسراب من المسيّرات الأوكرانية. وفي الظهيرة، ينشر الرئيس الأوكراني فولودومير زيلينسكي على منصة إكس قائلًا إن “العقوبات الأوكرانية بعيدة المدى” قد استهدفت سلسلة إمداد الطاقة الداعمة لعمليات الجيش الروسي في شرق أوكرانيا. وفي المساء، قد يظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشكل محدود على هامش قمة اقتصادية أو حدث داخلي ليدلي بتصريح مقتضب حول المسألة، ليقلل من حجم ما تتداوله وسائل الإعلام عن أزمة الطاقة الروسية، أو ليتوعّد بردٍ قاسٍ. هذه الدورة من المشاهد والأحداث تكررت ربما لعشرات المرات خلال الشهور الأخيرة، لترسم ملامح مرحلة جديدة من الروسية الأوكرانية. فما هي تفاصيل ومآلات هذه المرحلة؟ وما الدروس المستفادة منها؟  

تحليل الموقف الروسي 

ما زالت روسيا مستمرة في تحقيق التقدم على الأرض في أوكرانيا، فقد ازدادت المساحة التي تحتلها روسيا من الأراضي الأوكرانية من 18 إلى 19% في بداية 2026، إلى نحو 19 إلى 20% مع بداية شهر يوليو الجاري، بما يعادل نحو 620 كيلومترًا مربعًا. ولكن هذا التقدم، الذي يعدّ متواضعًا بالمقارنة مع عام 2025، أتى عبر كلفة بشرية باهظة ليس من الواضح أن الكرملين قادر على تحملها لفترة طويلة، فقد أشار تقرير حديث للمخابرات البريطانية وأجهزة أخرى في أوروبا إلى أن عدد القتلى من الجنود الروس منذ بداية الحرب في فبراير 2022 بلغ 500 ألف قتيل، مع تزايد في معدلات سقوط الجنود الروس في 2026 عن الأعوام السابقة. وبالتوازي مع ذلك، يشير تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS إلى أن إجمالي الخسائر البشرية الروسية منذ بداية الحرب يتراوح ما بين 400 و450 ألف جندي. وتخلص هذه التقارير مجتمعة إلى أن وتيرة التقدم الروسي تناقصت إلى كيلومتر مربع واحد يوميًا خلال يونيو 2026 بحسب معهد دراسات الحرب ISW، كما تصف التقارير أن التقدم الروسي لم يمثل اختراقًا استراتيجيًا للدفاعات الأوكرانية أو يقلب موازين الحرب على كييف. ولكن جبهة القتال في العام الخامس من هذه الحرب، ومستوى الخسائر الروسية فيها، لم تعد مقتصرة على مساحات الأرض في شرق أوكرانيا وما تسيل عليها من دماء روسية. فهناك جبهة أخرى، بعيدًا داخل العمق الروسي، تشهد ضربات يومية متكررة بأسراب من المسيّرات الأوكرانية التي لم يعد بإمكان موسكو لا ردعها بشكل حاسم، ولا التغاضي عنها، ولا حتى إخفائها عن العيان.  

وفي الجانب المقابل، وعلى الرغم من المؤشرات التي تؤكد معاناة الاقتصاد الروسي، فإنه لم يصل بعد إلى الهاوية التي توقعتها الكثير من المؤسسات الغربية وغير الغربية منذ بداية الحرب. فبعد الانكماش في 2022 الذي تزامن مع فرض العقوبات الغربية التي على موسكو بعد بداية الغزو، عاد الاقتصاد الروسي إلى النمو خلال 2023 و2024 بفضل الإنفاق العسكري المرتفع وتحويل التجارة نحو آسيا وارتفاع عائدات الطاقة في بعض الفترات، وهي عوامل أنقذت روسيا، ولو مؤقتًا، من أشد العواقب الاقتصادية لحربها على كييف. ولكن في خلال 2025 و2026 بدأ هذا النمو في فقدان الزخم، إذ خفضت الحكومة الروسية نفسها توقعاتها لنمو 2026 من 1.3% إلى 0.4%، بينما تتوقع مؤسسات أخرى نموًا في نطاق 0.7–1.0% فقط. 

الإنفاق العسكري الروسي أصبح خلال الحرب المحرك الرئيسي للاقتصاد، فالصناعات الدفاعية والأمن تستحوذ على نحو 38% من موازنة 2026، ويذهب معظم هذه الأموال لتمويل إنتاج الذخائر والطائرات المسيّرة وتعويض خسائر الحرب، أو استيرادها من الخارج، من دول مثل كوريا الشمالية وحتى إيران. تشهد مستودعات الذخيرة الروسية هجمات أوكرانية متكررة، ولكن وتيرة الهجمات الروسية بالصواريخ والمسيّرات لا تزال في منحنىً تصاعدي يدعمه الإنفاق الروسي الكبير على السلاح داخليًا والاعتمادية المتزايدة لموسكو على وارداتها من الخارج. فقد رفعت روسيا هجماتها إلى عتبة أعلى بكثير منذ شهور ربيع العام الجاري وحتى الذروة في مايو، ثم شهد يونيو تراجعًا نسبيًا قبل أن تعود موسكو لشنّ هجمات ضخمة على كييف في مطلع يوليو. إلى أي مدىً تستطيع موسكو مواصلة هذه الوتيرة من الهجمات؟ لا توجد هنالك إجابة واضحة، ولكن المؤشرات الاقتصادية والعسكرية معًا قد تعنيان أن موسكو تستثمر بالفعل كل ما أمكنها استثماره لتعظيم الضغط على كييف. يصاحب هذا النمط تغيّر في مكوّنات الهجمات الروسية، فقد أصبحت المسيّرات تمثل النسبة الأكبر من عدد المقذوفات الروسية، التي عادة ما تتكون من مزيج يشملصواريخ كروز وصواريخ باليستية وصواريخ إسكندر وأحيانًا زيركون، بهدف إنهاك الدفاعات الجوية الأوكرانية، خاصة حول العاصمة كييف. وكان مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية قد رصد أن استخدام المسيّرة الإيرانية شاهد ارتفع من نحو 200 إطلاق أسبوعيًا في سبتمبر 2024 إلى أكثر من 1000 أسبوعيًا بحلول مارس 2025، ثم جاءت أرقام 2026 لتؤكد أن موسكو قادرة على الحفاظ على إطلاق آلاف المسيّرات شهريًا، ولكن ربما ليس لفترة طويلة.

 تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان من مصفاة أومسك التي تعد أكبر المصافي الروسية (Ukraine Army Inform, 2026)

تحليل الموقف الأوكراني 

على الرغم من استمرار روسيا في شنّ الهجمات والقتال بوتيرة عالية، هناك علامات تشير إلى وجود ضغط متزايد على المنظومة اللوجستية لموسكو، كنتيجة لخسائرها الكبيرة، من ناقلات الوقود والمركبات والبنى التحتية للطاقة، فضلًا عن الاستهداف المتكرر للجسور والطرق البريّة، فيما يمثل سمة رئيسية للجهد الحربي الأوكراني في العام الخامس من الحرب. فأوكرانيا لا تحقق مكاسب كبيرة على الأرض، ولكنها أحبطت إلى حد كبير هجوم الربيع الروسي للعام 2026، ومنعت موسكو من تحقيق اختراق واسع أو تحويل تفوقها العددي إلى نجاح عملياتي. ومن جانب آخر، يعد أكبر تطور في الحرب من الناحية الأوكرانية هو قدرة كييف المتكررة والممنهجة على تنفيذ هجمات ناجحة في العمق الروسي، فقد استهدفت أوكرانيا مصافي النفط وخطوط الأنابيب وموانئ التحميل ومستودعات الوقود في العمق الروسي، وقدّرت وكالة الطاقة الدولية أن أثر هذه الضربات سيضغط على معدلات التكرير الروسية حتى منتصف 2026 على الأقل. كما أن روسيا حجبت كثيرًا من بيانات الطاقة، ما يجعل القياس الدقيق لأثر هذه الهجمات أمرًا صعبًا.  

ولكن هناك ما يكفي من المواد الإعلامية التي تؤكد وجود أزمة وقود حادة ناتجة عن الهجمات الأوكرانية، والتي ترتب عليها إجراءات استثنائية لتقنين الوقود. فقد ظهرت طوابير طويلة حول محطات الوقود وشكاوى من نقص البنزين والديزل في مناطق روسية عدة، خصوصًا الجنوب الروسي والقرم وبعض المناطق الزراعية. وزارة الطاقة الروسية نفسها أقرّت في يونيو بأن الهجمات الأوكرانية تسببت في “صعوبات مؤقتة” بإمدادات الوقود في بعض المناطق الجنوبية، كما أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه إلى هذه الأزمة خلال اجتماع وزاري يوم 29 يونيو الماضي، ولكنه استدرك قائلًا إن الوضع ليس حرجًا وأن الحكومة الروسية ستتخذ من الإجراءات ما يلزم لإصلاح المصافي المتضررة وإعادة توزيع الإمدادات.  

وجاءت الضربات الأوكرانية على مدينة سان بطرسبرغ أثناء افتتاح منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي في 3 يونيو الماضي، بمثابة إعلان عن الواقع الجديد في العام الخامس من الحرب، حيث توافدت الوفود المشاركة في المنتدى إلى مركز المؤتمرات بالمدينة بينما كان الدخان الأسود متصاعدًا في الأفق من محطة سان بطرسبرغ النفطية التي استهدفتها المسيّرات الأوكرانية فجر اليوم نفسه. ما يعنيه ذلك أن الحرب، التي ظلت بعيدة عن أذهان وناظري المواطنين الروس منذ بدايتها، قد بدأت تتجسد كحقيقة مادية في العمق الروسي والواقع اليومي للمواطنين الروس، لتكشف لا فقط ما تحققه أوكرانيا من إنجازات استراتيجية وتطوير لقدراتها بعيدة المدى، ولكن أيضًا إخفاقات الدفاعات الجوية الروسية، التي أصبحت محل الكثير من التساؤلات. تعكس هذه الحقائق صورة تبدو فيها وأن كييف قد امتلكت زمام المبادرة من الناحيتين العملياتية والتقنية، بينما تحاول روسيا مواكبتها بالاعتماد على عناصر القوة الروسية التي تتمركز حول الأعداد لا التفوق النوعي: أعداد الجنود وأعداد الصواريخ والمسيّرات.  

فأوكرانيا، التي استطاعت تطوير وتطويع منظومة إنتاج المسيّرات الاعتراضية على نحو ذو جدوى اقتصادية، إلى درجة نقل تجربتها لدول مجلس التعاون الخليجي خلال الاستهدافات الإيرانية في الحرب الأخيرة، قد استطاعت أيضًا تطوير تكتيكات في الهجوم جعلت اعتراضها مشكلة حقيقية لموسكو. فالأسراب الأوكرانية تأتي من اتجاهات مختلفة وبسرعات متباينة وبارتفاعات متفاوتة وبأعداد كبيرة لتدمّر المصفاة تلو المصفاة والمنشأة تلو المنشأة. 

وعلى الجبهة الداخلية الأوكرانية، جاء تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أثناء انعقاد مؤتمر حلف شمال الأطلنطي في أنقرة يوم 8 يوليو، بمنح أوكرانيا رخصة لإنتاج صواريخ باتريوت الاعتراضية، بمثابة تطور نوعي يمنح كييف ما طالبت واشنطن به لعدة شهور، ويمنحها زيادة لا يمكن قياسها حتى اللحظة في القدرة على الصمود أمام حرب الاستنزاف الروسية المدفوعة صناعيًا، ويقيها عواقب تأخر الشحنات الأمريكية من هذه الصواريخ المتطورة.  

في العام الخامس من الحرب الروسية-الأوكرانية، لم تعد خطوط التماس وحدها هي التي تحدد ميزان القوى بين روسيا وأوكرانيا. فبينما تواصل موسكو تحقيق تقدم ميداني بطيء مستندة إلى التفوق العددي وكثافة النيران وقدرة صناعية ما تزال قادرة على تعويض جانب كبير من خسائرها، نجحت كييف في نقل جزء متزايد من المعركة إلى العمق الروسي، مستهدفةً قطاع الطاقة وسلاسل الإمداد والمنشآت العسكرية الداعمة للجهد العسكري الروسي. في المقابل، أصبحت القدرة على إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ الاعتراضية وحماية البنية التحتية الحيوية والمحافظة على مقومات الاقتصاد الحربي، عوامل لا تقل أهمية عن السيطرة على المدن في ميدان القتال في شرق أوكرانيا. وعليه، فإن المرحلة المقبلة من هذه الحرب لن يحسمها عدد الكيلومترات المحتلة من قبل روسيا أو المحررة من قبل كييف، بقدر ما ستحسمها قدرة كل من الطرفين على تحمّل حرب استنزاف طويلة، والحفاظ على التفوق الصناعي والاقتصادي والعسكري في مواجهة خصم لم يعد يسعى فقط إلى كسب الأرض، بل إلى إنهاك قدرة الطرف الآخر على مواصلة القتال. 

لقد بدأت هذه الحرب بتصور روسي عن قدرة موسكو على احتلال كييف وتغيير الحكم فيها في خلال أيام ثلاثة، ولكن بعد خمس سنوات من القتال، يبدو واقع المعركة بكل عناصره أبعد مما يكون عن هذا التصور الروسي، وتبدو قدرة كييف على فرض شروطها ميدانيًا وجويًّا، وربما دبلوماسيًا في المستقبل، هي الأقرب إلى الواقع.

لقطة استهداف طائرة مسيّرة أوكرانية لشاحنة وقود عسكرية روسية في مقاطعة زابوريجيا (DI Ukraine, 2026)