تقارير

السباق على الممرات البديلة في الخليج العربي

بعد مرور 90 يومًا على الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، ما يزال مضيق هرمز مغلقًا أمام الملاحة البحرية. ويُعد مضيق هرمز ممرًا حيويًا لصادرات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية؛ إذ تمر عبره نحو 20 في المئة من الطاقة العالمية. وقد استخدمت إيران المضيق كورقة ضغط عسكري، سواء عبر تهديد الملاحة أو تعطيل حركة بعض السفن أو زرع الألغام. ومع ذلك، فإن هذا لا يضع إيران في موقع متقدّم، لأن أي اضطراب في مضيق هرمز يضرّ أيضًا باقتصادها ويزيد الضغوط الدولية عليها. ومع تصاعد الضغوط العسكرية والاقتصادية، أصبح المضيق نقطة هشاشة استراتيجية ليس لدول الخليج وبعض الدول الآسيوية والأوروبية المعتمدة عليه فحسب، بل لإيران نفسها أيضًا، إذ يجعل جزءًا مهمًا من صادراتها ووارداتها أكثر عرضة للمراقبة والاستهداف. 

الصين ومبادرة الحزام والطريق في الحسابات الإيرانية 

اكتسبت موانئ ومسارات مثل جاسك، وتشابهار، وبحر قزوين، والطرق البرية عبر باكستان وتركيا وآسيا الوسطى أهمية متزايدة في الحسابات الإيرانية. فخط غوره-جاسك يمنح إيران منفذًا نفطيًا خارج الخليج على خليج عُمان، بينما يوفر تشابهار بوابة تجارية نحو الهند وآسيا الوسطى من دون المرور عبر مضيق هرمز. أما موانئ بحر قزوين والطرق البرية، فتمنح طهران قدرة إضافية على إدخال الغذاء والسلع والمواد الصناعية في حال استمرار الحصار البحري على موانئها. كذلك فعّلت طاجيكستان وأوزبكستان ممرًا تجريبيًا متعدد الوسائط: الصين-طاجيكستان-أوزبكستان-تركمانستان-إيران-تركيا-أوروبا، وقد صُمم هذا المسار لتطوير البنية التحتية للنقل وزيادة سعة المعابر الحدودية، بما من شأنه أن يعزز مكانة إيران في ربط شرق آسيا بأوروبا. 

تتداخل هذه الممرات مع الحسابات الصينية، خاصة في إطار مبادرة الحزام والطريق، التي تقوم على ربط الصين بآسيا الوسطى والشرق الأوسط وأوروبا عبر شبكات من الموانئ والطرق والسكك الحديدية. وتهدف المبادرة إلى تعزيز التواصل التجاري والاستثماري من خلال بنية تحتية تشمل السكك الحديدية والموانئ والممرات البحرية وخطوط الطاقة، وهو ما يجعل الموقع الإيراني مناسبًا للربط بين المحاور البرية والبحرية للمبادرة. وتنظر بكين إلى إيران بوصفها عقدة جغرافية مهمة في قلب أوراسيا؛ فهي تقع بين الصين وآسيا الوسطى من جهة، والخليج وتركيا والقوقاز وأوروبا من جهة أخرى. 

حاويات في ميناء بوشهر على الساحل الشمالي للخليج العربي في جنوب إيران (Alamy / Zuma Press, 2024)

زادت أهمية الصين في المعادلة الإيرانية لأنها بقيت الشريان الأهم لتصريف النفط الإيراني. فقد أظهرت بيانات شركة كبلر للتحليلات لعام 2025 أن الصين تشتري أكثر من 80 في المئة من النفط الإيراني المشحون، والذي لا يجد مشترين كُثرً بسبب العقوبات الأمريكية الهادفة إلى قطع التمويل عن برنامج طهران النووي. كما أشارت بيانات الشركة إلى أن الصين اشترت، في المتوسط، 1.38 مليون برميل يوميًا من النفط الإيراني في عام 2025، وهو ما يمثل نحو 13.4 في المئة من إجمالي وارداتها النفطية المنقولة بحرًا، والتي تقدر بـ 10.27 مليون برميل يوميًا. 

وتُعدّ خطوط السكك الحديدية ذات أهمية بالغة في ربط الصين وإيران عبر آسيا الوسطى، ولا سيما عبر كازاخستان وتركمانستان. يتيح هذا المسار لإيران منفذًا عمليًا لاستيراد السلع الصناعية والمعدات وقطع الغيار والسلع ذات الاستخدام المزدوج من الصين حتى قبل اندلاع الحرب عام 2026. ففي عام 2025، وصل أول قطار حاويات من شرق الصين إلى ميناء أبرين الجاف قرب طهران بعد رحلة استغرقت نحو 15 يومًا، مما يشير إلى الأهمية المتزايدة للربط السككي بين البلدين وتراجع الاعتماد على المسارات البحرية. لذا، لا تكمن أهمية الصين في دورها كمشترٍ للنفط الإيراني فحسب، بل أيضًا في العمق الاستراتيجي الاقتصادي والبري الذي توفره لإيران في أوقات الأزمات، والذي  يعزز قدرة إيران على الصمود. مع ذلك، تبقى هذه الطرق محدودة مقارنةً بالنقل البحري، لا سيما في عمليات نقل النفط والكميات الكبيرة من البضائع. وبالتالي لا تنفي هذه الطرق أهمية مضيق هرمز، لكنها تمنح إيران هامشًا من المناورة يساعدها على الصمود أمام الضغوطات، والحد من عزلتها، ومواصلة عملياتها خلال الأزمات والحروب. 

الخليج وإعادة رسم خريطة الممرات: النفط، والموانئ، والطرق البرية 

تسعى دول الخليج إلى توسيع خياراتها اللوجستية في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، وذلك عبر تطوير شبكة من الممرات البديلة التي تمنحها مرونة أكبر في إدارة الواردات والصادرات وقت الأزمات. وتعكس هذه البدائل توجهًا خليجيًا نحو تنويع المسارات بين البحر الأحمر، وخليج عُمان، والطرق البرية نحو بلاد الشام وتركيا. ولا تعمل هذه المسارات كحلول طارئة فقط، بل كجزء من إعادة تشكيل خريطة النقل والتجارة في المنطقة، بما يمنح دول الخليج قدرة أوسع على إدارة الأزمات البحرية وتقليل أثر التصعيد العسكري على حركة الطاقة والسلع. 

على المستوى النفطي، يبرز خط شرق-غرب السعودية بوصفه أحد أهم المسارات البديلة، إذ ينقل النفط من مناطق الإنتاج في شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بما يسمح بتوجيه جزء من الصادرات بعيدًا عن منطقة النزاع في الخليج العربي. وقد أشار تقرير في صحيفة وول ستريت جورنال إلى أن أرامكو استخدمت خط شرق-غرب لتحويل مزيد من الشحنات إلى ينبع في ظل اضطرابات مضيق هرمز، بطاقة نقل تتراوح بين 5 و7 ملايين برميل يوميًا. 

لقطة جوية تظهر مصفاةً نفطية في مدينة ينبع السعودية (Shutterstock / PaPicasso, 2025)

وفي الإمارات، يمثل خط حبشان-الفجيرة خيارًا رئيسيًا لتنويع مسارات تصدير النفط، لأنه ينقل النفط الخام من حقول أبوظبي إلى ميناء الفجيرة الواقع على خليج عُمان خارج مضيق هرمز وبعيدًا عن التهديدات الإيرانية. وتصل القدرة الحالية لهذا الخط إلى نحو 1.8 مليون برميل يوميًا. كما أعلنت الإمارات في مايو 2026 عن تسريع مشروع خط جديد لزيادة القدرة التصديرية عبر ميناء الفجيرة بحلول 2027، بما يعزز موقع الفجيرة كمركز تخزين وتصدير

وإلى جانب المسارات البحرية وخطوط الأنابيب، تكتسب الممرات البرية أهمية متزايدة في الحسابات الخليجية، خاصة المسار الذي يربط السعودية ببلاد الشام وتركيا عبر الأردن وسوريا. فاضطراب الملاحة في مضيق هرمز عزز الحاجة إلى طرق برية قادرة على نقل السلع والبضائع عالية القيمة بعيدًا عن نقاط التوتر البحري. وقد أطلقت السعودية فكرة ممر شحن بطول نحو 1700 كيلومتر يربط موانئها الشرقية بمنفذ الحديثة على الحدود الأردنية، كما أعلن وزير النقل السعودي في أبريل 2026 أن الدراسات المشتركة لمشروع الربط السككي بين السعودية وتركيا عبر الأردن وسوريا ستكون جاهزة نهاية العام الجاري.  

تقليل الاعتماد على مضيق هرمز: الدروس المستفادة 

تثبت أزمة مضيق هرمز أن ارتهان تجارة الطاقة العالمية بممر مائي واحد يضع أمن الدول واقتصاداتها أمام مخاطر كبيرة، مما يجعل تنويع الموانئ وتطوير المسارات البرية والبحرية ضرورة استراتيجية ملحة لحماية سلاسل الإمداد، وليس مجرد خيار ثانوي. ورغم محاولات إيران استخدام ورقة التهديد بإغلاق المضيق للضغط سياسياً وعسكرياً، فإن هذا الأسلوب كشف عن حدود قوتها؛ فأي شلل يصيب الملاحة لن يضر بأسواق الخليج والعالم فحسب، بل سيرتد أثره سريعًا لينعكس سلبًا على الاقتصاد الإيراني نفسه، ويعمق عزلته الدولية، ويزيد من زخم العقوبات المفروضة عليه. وفي غمرة هذا التوتر، برز دور الصين المحوري كبوابة خلفية حاسمة تساعد طهران على الالتفاف على العقوبات وتأمين السلع ذات الاستخدام المزدوج. هذا الواقع المعقد أحدث تحولاً جذرياً في تفكير دول المنطقة؛ فأصبحت دول الخليج  تسعى إلى ابتكار مسارات بديلة تحد بها من أثر التهديدات الإيرانية وفي الوقت نفسه تعمل إيران على تقليل اعتمادها على المضيق لضمان استمرار تجارتها وتصديرها وقت الأزمات.