إلى أي مدى تستطيع دول الخليج الاعتماد على المعدات العسكرية الصينية؟
الطفرة الصناعية العسكرية الصينية
تحت شعار “الأنظمة والقدرات الاستراتيجية الوطنية المتكاملة” الذي أطلقه الرئيس الصيني كاستراتيجية لتطوير الصناعات الدفاعية، عززت الصين ميزانياتها المخصصة للبحث والتطوير والدفاع، إذ أنفقت 496 مليار دولار على البحث والتطوير في عام 2024، وخصصت 249 مليار دولار للدفاع في عام 2025. وعلى الرغم من أن هذا الإنفاق لا يزال أقل بكثير من الهدف الموضوع لدول حلف شمال الأطلسي والبالغ 2% من الناتج الإجمالي لكل دولة، إلا أنه أسهم في تحول الصين من التقليد إلى الابتكار، خاصة مع التوظيف المركزي للمخصصات والميزانيات على نحو يتسم بالكفاءة.
العميل الرئيسي للصناعات الدفاعية الصينية الآخذة في التطور هو الجيش الصيني نفسه، وهو المنخرط في تحقيق هدف التحديث الذي فرضه الرئيس شي لتحويل جيش التحرير الشعبي إلى قوة قتالية قادرة على المنافسة عالميًا. ولكن على مدار العقد الماضي، توسعت قائمة عملاء الصين لتتجاوز جيشها وحتى شركائها التقليديين، مثل باكستان وعدد قليل من الدول الأصغر والأقل نموًا في إفريقيا وآسيا، لتشمل دول الخليج، موجدة بذلك قاعدة من العملاء أصبحت المعدات الصينية بالنسبة إليهم بديلاً مقنعًا للأنظمة الغربية باهظة الثمن. ومن ضمن هذه المعدات، حظيت الطائرات بدون طيار وأنظمة الصواريخ أرض-جو الصينية باهتمام خاص، حيث تم تسويقها على أنها منصات منخفضة التكلفة وعالية الجودة قادرة على تحقيق أهداف من يستخدمها. ولكن إلى أي مدى هي جاهزة للاستخدام في المعارك الحقيقية؟
هذه إذن دراسة مفصلة لقدرات الأنظمة العسكرية الصينية وتقييم لأدائها وكفاءتها.
الجزء الأول: المسيّرات القتالية
استفاد مصنعو الطائرات المسيّرة الصينيون من دعم حكومي سخي وصفته مجلة فورين بوليسي “بالجهد عالي التنسيق” لتحقيق تقدم هائل خلال السنوات القليلة الماضية، وأثمر هذا عن هيمنة صينية شبه كاملة على سوق المسيّرات التجارية، حيث تستحوذ شركة دا-جيانغ إنوفيشنز على 70% من سوق الطائرات المسيّرات التجارية حول العالم، ونحو 90% من السوق الأمريكية. أما بالنسبة للمسيّرات العسكرية، فقد حققت الصين تطورات كبيرة تزامنت مع تطور صناعاتها لصواريخ أرض-جو، وأتت معظم هذه التطورات بين عامي 2007 و2014.
| المنظومة | وينغ لونغ 2 (تعريب آخر: وينق لونق) أو Wing Loong II |
| القيمة | من مليون إلى ثلاثة ملايين دولار أمريكي |
| القدرات | يمكن مقارنة قدراتها بالمسيّرة الأمريكية الأشهرMQ-9 Reaper ولكنها أبطأ من نظيرتها الأمريكية وحمولتها أقل |
| الدول المشترية | الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وباكستان ومصر والمغرب |
| قابلية التصدير | لا توجد قيود خاصة على تصدير المسيّرة |
| الحالة الليبية | المشغل: استخدم الجيش الوطني الليبي بقيادة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر مسيّرات وينغ لونغ 2 التي تتفوق من نواحي الارتفاع والحمولة وسرعة الطيرانفي ارتفاع ومدى وحمولة وسرعة الطيران على المسيّرة بيرقدار تركية الصنع التي تستخدمها حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، خصم قوات حفترالخصم: أدى نشر تركيا لنظام الإنذار المبكر KORAL إلى جانب المسيّرة تي بي 2 بيرقدار إلى تعطيل مسيّرات وينغ لونغ 2 التابعة للجيش الوطني الليبي، وقام بتحييد أنظمة الدفاع الجوي الروسية “إس-125″ و”إس إيه-6″ و”بانتسير إس01” التابعة لحفتر.النتيجة: استطاعت حكومة الوفاق الوطني ضرب قواعد حفتر العسكرية وخطوط إمداده ومعداته العسكرية ومواقعه المحصنة وأهدافه الأرضية بدقة وقوة فتاكة. |
| التقييم | تعد المسيّرة وينغ لونغ 2 خيارًا مناسبًا للدول محدودة الميزانية التي تبحث عن مسيّرات قتالية بأسعار معقولة للاستخدام في مهام خارجية أو عمليات متعددة الأطراف بالتكامل مع أنظمة أخرى. لكنها في حد ذاتها كنظام مستقل تتخلف عن مسيّرات مثل MQ-9 Reaper الأمريكية، الرائدة بلا منازع من حيث المدى والارتفاع والحمولة وقابلية التكامل التشغيلي. يجب الإشارة كذلك إلى أن المسيّرة وينغ لونغ 2 واجهت صعوبات عند تعرضها للتشويش الإلكتروني باستخدام أنظمة حديثة. كما استطاعت مسيّرات أقل كفاءةً تقنيًا تحييد فعالية وينغ لونغ 2 عند استخدامها بالتكامل مع أنظمة الإنذار المبكر. وبالمثل، فإن انخفاض ارتفاع تحليق وينغ لونغ 2 يجعلها هدفًا سهلًا للدفاعات الأرضية على نحو يفوق معظم المسيّرات الأخرى المنتمية للفئة نفسها. |

الجزء الثاني: صواريخ أرض-جو
حرصت الصين خلال العرض العسكري نفسه على عرض ترسانتها المتنوعة من أنظمة الدفاع الجوي، وأبرزها صواريخ إتش كيو-9بي إتش كيو-19 وإتش كيو-20، التي وصفتها وكالة الأنباء الرسمية الصينية شينخوا، بأنها قادرة على اعتراض الصواريخ على مراحل وطبقات متعددة، بالإضافة إلى قدرتها على الدفاع الجوي على مديات طويلة ومتوسطة وقصيرة. تعد هذه الصواريخ حجر الزاوية في الدفاع الجوي الصيني، وتمثل نجاحًا صينيًا في الانتقال إلى التكنولوجيا الصينية بدلًا من الأجنبية في الدفاع الصاروخي.
| المنظومة | إتش كيو-9بي أو HQ-9B |
| القيمة | من 200 إلى 400 مليون دولار للبطارية، ومليون دولار تقريبًا للصاروخ |
| القدرات | أقرب إلى قدرات نظام إس-400 الروسي، وإن كان مداه أقصر بكثير. يمكن القول إنه من نفس فئة نظام باتريوت الأمريكي الذي تم اختباره مرارًا وتكرارًا في العديد من المواجهات العسكرية، ولكن آلية التدمير المعتمدة في إتش كيو-9بي تعد أقل كفاءة، حيث تعتمد على الانفجار المتجزئ. |
| الدول المشترية | باكستان ومصر وأذربيجان وتركمنستان، وكلها تستخدم تنويعات مختلفة قليلًا من الفئة نفسها. |
| قابلية التصدير | تخضع هذه المنظومة لضوابط تصديرية أكثر صرامة من المسيّرات القتالية الصينية |
| الاشتباكات الهندية-الباكستانية 2025 | المشغل: يستخدم سلاح الجو الباكستاني نظام إتش كيو-9بي منذ عام 2021. وخلال المواجهة بين باكستان وجيش تحرير بلوشستان والهند في كشمير، كانت هذه الصواريخ عماد الدفاع الجوي الباكستانيالخصم: استخدمت الهند مجموعة متنوعة من الصواريخ والذخائر والطائرات المسيّرة الغربية لاستهداف القواعد والأهداف الباكستانية.النتيجة: نجحت الهند في ضرب 11 قاعدة جوية باكستانية في جميع أنحاء البلاد، بالإضافة إلى مواقع أخرى قريبة من المناطق المدنية على بعد 86 ميلاً فقط من كراتشي على بحر العرب، بينما كان مسرح العمليات الرئيسي في كشمير في أقصى الشمال. أطلقت باكستان عددًا من صواريخ إتش كيو-9بي على مسافات بعيدة بمعدل إصابة منخفض نسبيًا، الأمر الذي أثبته استعادة ذخائر غير منفجرة في مواقع مختلفة في الأراضي الخاضعة لسيطرة الهند. |
| التقييم | لا يوجد دليل مؤكد على نجاح اعتراضات صاروخ إتي كيو-بي9 خلال الاشتباك. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الصواريخ موجهة بواسطة أنظمة رادار خاصة بها أم أنها موجهة خارجيًا بواسطة طائرة Saab-2000 Erieye الباكستانية. وبالتالي لم يتم إثبات أداء النظام بشكل مستقل. كما لاحظ خبراء الدفاع والصواريخ أن صاروخ إتش كيو-9بي بطيء الاستجابة ضد الذخائر والصواريخ السريعة منخفضة الارتفاع، مما يجعله عرضة لصواريخ كروز الحديثة والذخائر الانتحارية. وبناءً على الأدلة المتاحة، لا يزال صاروخ إتش كيو-9 بي نظامًا ذا كفاءة نظرية، من دون سجل مثبت في ظل ظروف قتالية حقيقية. |

الجزء الثالث: الطائرات المقاتلة
كانت نقطة ضعف الصين في إنتاج المقاتلات لعقود هي اعتمادها على المحركات الروسية، ولكن هذا الوضع قد تغير مع تطوير محركات عالية الدفع محلية الصنع. يؤكد هذا التقدم وما ترتب عليه من خطوط إنتاج لمقاتلات جديدة أن الصين قد حققت استقلالًا استراتيجيًا في إنتاج الطائرات المقاتلة، مما سمح لها بتحديث قواتها الجوية بسرعة باستخدام قدراتها الذاتية. ولكن كيف هو أداء هذه الطائرات في الجو؟
بالعودة مرة أخرى إلى الاستعراض العسكري الصيني ، سنلقي نظرة على المقاتلة جيان-10، المعروفة أيضًا باسم JC-10، والتي تم استخدامها مؤخرًا في معارك جوية.
| المنظومة | جيان 10 أو JC-10 أو تشنغدو جيه-10 “التنين القوي” |
| القيمة | من 100 إلى 200 مليون دولار للمقاتلة، وتختلف أسعار الفئات المعدلة منها |
| القدرات | باعتبارها مقاتلة من الجيل 4.5، فإن المقاتلة JC-10 يمكن مقارنتها بالمقاتلة الفرنسية رافال ولكن مع حمولة وتسليح يقلان عما تقدمه الرافال |
| الدول المشترية | باكستان، وهناك تقارير غير مؤكدة عن دول أخرى قد اشترت المقاتلة. |
| قابلية التصدير | خاضعة لضوابط تصدير صارمة |
| الاشتباكات الهندية-الباكستانية 2025 | المشغل: استُخدمت طائرة JC-10 بشكلٍ مماثل من قِبل القوات الجوية الباكستانية خلال حرب الـ 88 ساعة. الخصم: استخدم سلاح الجو الهندي منصات متعددة خلال الاشتباك الذي استمر أربعة أيام مع باكستان، بما في ذلك طائرات رافال، وسوخوي Su-30MKI، وميج-29النتيجة: ادعى الجيش الباكستاني أن نظام الحرب الإلكترونية الخاص به قام بالتشويش على طائرات رافال التابعة لسلاح الجو الهندي التي كانت تسيّر دوريات على خط السيطرة الفاصل بين شطري كشمير، مضيفًا أن مقاتلات جيان-10 التابعة لسلاح الجو الباكستاني أسقطت بنجاح عدة طائرات هندية، بما في ذلك مقاتلة رافال واحدة على الأقل (وقيل إنها قد تصل إلى ثلاث مقاتلات) ومقاتلة سوخوي Su-30MKI واحدة. |
| التقييم | بينما احتفل المسؤولون الصينيون بما اعتبروه انتصارًا حاسمًا للتكنولوجيا الصينية، طعنت الهند بشدة في ملابسات خسائرها، وهو ما ردده خبراء التسليح في العديد من المؤسسات الرائدة. “إذا أُصيبت المقاتلات الهندية أثناء تنفيذها مناورات مراوغة مناسبة على الرغم من المسافات الطويلة التي جرت فيها الاشتباكات، فسيكون ذلك دليلًا أكثر إثارة للإعجاب على القدرة القاتلة للصواريخ الصينية وسلاسل القتل المعنية.” جاستن برونك، باحث أول في القوة الجوية في المعهد الملكي للخدمات المتحدة علاوة على ذلك، هناك رأي شائع بين خبراء الدفاع بأن المحرك الوحيد لطائرة جيان-10، وهو WS-B10، على الرغم من أنه يمثل إنجازًا كبيرًا للصناعة الدفاعية الصينية، إلا أنه لا يزال غير قادر على سد الفجوة التكنولوجية مع المحركات الغربية وحتى الروسية. |

البحث الخليجي عن شركاء موثوقين

ضمن مساعيها لتنويع مصادر منظوماتها الدفاعية، تخلت دول الخليج عن الاعتماد على الموردين الغربيين، ويبرز هذا التحول في مجال المسيّرات القتالية. ففي البداية، اتجهت دول الخليج نحو موردين غير غربيين مثل الصين وتركيا، قبل أن تبدأ في تأسيس قدرات صناعية عسكرية وطنية، كما هو الحال في الإمارات العربية المتحدة.
مع استمرار الصين في إحراز تقدم كبير في صادراتها من أنظمة الدفاع الجوي، لا تزال الأدلة الميدانية التي تؤكد جودة وكفاءة هذه الأنظمة في القتال ضئيلة. وستظل التحديات الجيوسياسية الواضحة المرتبطة بالشراكة الصينية قائمة كذلك، من منطلق العلاقات مع الغرب والعقوبات الغربية. يجب على دول مجلس التعاون الخليجي الاستمرار في أخذ هذه الحقائق والتحديات في الحسبان، ولكن مع استمرار تطور صناعات محلية خليجية لأنظمة الدفاع الجوي والمسيّرات، ستنخفض الحاجة إلى المشتريات الأجنبية.
ولكن بعيدًا عن التقييم الفني للأنظمة العسكرية الصينية، تجدر الإشارة إلى أن موقف الصين من المواجهة بين باكستان والهند كان موقفًا دبلوماسيًا يهدف إلى حماية مصالحها مع الهند، بدلًا من الاعتماد على الموثوقية المفترضة لمعداتها العسكرية لمساعدة باكستان على انتزاع تنازلات من الهند أو حماية المجال الجوي الباكستاني بشكل أكثر حسمًا. وبهذه الطريقة، لم يكن أداء المعدات الصينية ضعيفًا فحسب، بل كانت الشراكة مع الصين كقوة عالمية ضعيفة أيضًا.
وبعيدًا عن المتطلبات التقنية المباشرة أو الاعتبارات المالية لدول الخليج في لحظة بعينها، يجب أن تشمل خصائص الشريك الأمني الأمثل لدول الخليج تمتعه بالشفافية المؤسسية، والرؤية المشتركة مع دول الخليج، والقدرة على ممارسة القوة، وموثوقية سلاسل التوريد، والقدرة على اتخاذ إجراءات حاسمة على الساحة الدولية لحماية مصالحه ومصالح شركائه. هل تتمتع الصين بهذه الخصائص؟
قد تتسم صادرات الصين الدفاعية بانخفاض سعرها، ولكنها لا تقدم ضمانات بالكفاءة والفاعلية. وبالنسبة لمتخذ القرار الخليجي، فإن استقدام المنظومات الدفاعية ليس مسألة مرتهنة بالتكلفة والسعر فحسب، بل بالعواقب الحقيقية على الأمن. ما تقدمه الصين هو قدرات تقول أنها فعالة، ولكنها لم تثبت ذلك حتى الآن.