نحو انتربول خليجي
ركز مجلس التعاون الخليجي منذ تأسيسه على تعزيز التنسيق الأمني بين دوله، من خلال الاتفاقيات الأمنية المتعددة والاجتماعات الدورية، وصولًا إلى إنشاء الشرطة الخليجية. وفي 2016، أُطلقت محاولة لتأسيس منظومة أمنية متكاملة تحت اسم “الانتربول الخليجي”، إلا أن هذه المبادرة لم تتجاوز التغطية الإعلامية، حيث توقعت بعض الصحف أن يصبح المقر في أبو ظبي وكتبت عناوين مثل: “قريبًا… انتربول خليجي مقره أبو ظبي”. وبصفتي رئيس تحرير موقع الأمن والدفاع العربي في ذلك الوقت، كنت من المتحمسين لهذه الخطوة، وكتبت مقالة بعنوان: “قريبًا، انتربول خليجي مقره أبو ظبي… عنوان كبير للنجاحات الأمنية لمجلس التعاون الخليجي”، مؤكداً أهمية هذه المبادرة في تعزيز التعاون الأمني الإقليمي.
لكن هذه الأمنيات لم نقرأها في مقررات اجتماع وزراء الداخلية ذاك الوقت، وقد تكون عوامل سياسية عطلت تحقيق هذا الهدف ومنها ما تعرض له مجلس التعاون بعد خروج دولة قطر لفترة من الزمن، ويحدونا الأمل مجددا أن يلامس مستوى التعاون الشرطي المنشود ما وصلت اليه الانظمة الدولية وما زالت تصبو إلى تحقيقه: “الوصل بين أجهزة الشرطة لجعل العالم أكثر أمانا” بغية “منع الإجرام ومحاربته عبر تحسين التعاون الشرطي الدولي”.
مسار سابق لمنظومة انتربول خليجي
على سبيل وضع المهتمين بما انجز سابقا، فقد أنهت الشؤون الأمنية في الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي إنشاء قاعدة البيانات المشتركة بين دول الخليج تتضمن مجموعة من القوائم المعتمدة من قبل الأجهزة المعنية، بحيث يتم تشارك وتبادل المعلومات بينها بطريقة آلية وآنية سواء كانت تتعلق بالمطلوبين أو المعلومات والبيانات الأمنية والجنائية وغيرها من المهام المنوطة بها، فمن خلال ربط الأجهزة الأمنية الخليجية، يمكن لكل دولة أن تستفيد من خبرات الآخرين في التحقيقات، تقنيات المراقبة، وتحليل الجرائم الإلكترونية، ما يقلل من ازدواجية الجهود ويزيد سرعة الاستجابة لأي تهديد مشترك.
ونشير الى تصريح الأمين العام المساعد للشؤون الأمنية في الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي حينها العميد هزاع الهاجري لـموقع «اليوم» في2016/11/13 أن “الإنتربول الخليجي” بدأ مهام عمله ومقره مدينة أبو ظبي في دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة يجمع موظفين من جنسيات دول الخليج الست من المؤهلين وذوي الكفاءة العالية والمحللين المختصين ويرأسه المقدم مبارك بن سعيد الخييلي من دولة الإمارات مدة رئاسة الإنتربول ثلاث سنوات وتمدد ثلاث سنوات وترشح دولة خليجية أخرى للرئاسة بالتساوي.

ووقّع وزراء الداخلية الاتفاقية الأمنية فيما بينهم، وهي اتفاقية تؤكد أن حماية المجتمع الخليجي من آثار الجريمة تتطلب تعاون الأجهزة الأمنية في الدول الأعضاء. وجاءت الاتفاقية في فترة حرجة من الأوضاع الأمنية في المنطقة التي تعاني اضطرابات وصراعات تعمل دول المجلس على عدم امتدادها إليها. واستحسن الجميع الأوامر والتوجيهات السامية التي صدرت في دول الخليج بشأن منع المشاركة في أعمال قتالية في الخارج أو الانتماء إلى تيارات أو جماعات فكرية متطرفة أو مجموعات إرهابية.
لقد تم توقيع مذكرات تفاهم مع الإنتربول الدولي، كما تم ربط مركز الإنتربول الخليجي مع الإنتربول في كل دولة خليجية تعمل على تحقيق هدف التكامل الأمني من خلال العمل المشترك فيما بين الأجهزة الأمنية والشرطية، وفق تصريح العميد هزاع الهاجري المشار اليه أعلاه، وقد تكللت هذه الجهود بتأسيس جهاز مؤسسي يكمل المنظومة الأمنية بحيث يمتلك منظومة قواعد بيانات، تربط الأجهزة الشرطية والأمنية فيما بينها بما يحقق عناصر الدقة والسرعة في عملية تشارك أو تبادل البيانات، التي من شأنها رفع كفاءة العمل الأمني والشرطي على المستوى الخليجي.
مسار استراتيجية التعاون الأمني الخليجي
والجدير ذكره هنا أن العمل الأمني والشرطي المشترك بين دول مجلس التعاون الخليجي قائم منذ زمن بعيد وتم تحقيق كثير من النجاحات والإنجازات في هذا المجال وأن الأجهزة الأمنية تعي دورها تماما وتعمل وفق استراتيجية أمنية موحدة جرى اقرارها منذ العام 2007.
وتعالج الاتفاقية الأمنية لدول مجلس التعاون قضايا التعاون الأمني بين دول المجلـس وفق مواد قانونية، وأصبحت هذه الاتفاقية سارية المفعول ووافق عليها، في صيغتها المعدّلة، وبصورة مبدئية اصحاب السمو والمعالي وزراء الداخلية في اجتماعهم التشاوري الثالث عشر، 2 مايو 2012. ثم أقرّها المجلس الاعلى في دورته الثالثة والثلاثين (المنامة، ديسمبر 2012).
أ – في التعاون لمكافحة الإرهاب
انطلاقاً من قناعتها المبدئية بضرورة التصدي لظاهرة الإرهاب من خلال الجهود الإقليمية والدولية، أقرّت دول مجلس التعاون “الإستراتيجية الأمنية لمكافحة التطرف المصحوب بالإرهاب” في عام 2002م، وأصدرت في العام ذاته “إعلان مسقط بشأن مكافحة الإرهاب”.
وتوصلت دول المجلس في العام 2004م إلى التوقيع على اتفاقية “دول مجلس التعاون لمكافحة الإرهاب“، وتوصلت لجنة دول مجلس التعاون لمكافحة الإرهاب في اجتماعها العاشر الى وضع قاعدة بيانات مشتركة تتلخص اهدافها في الآتي:
ـــ متابعة تنفيذ بنود الاتفاقية.
– تحليل مدى تطور دول مجلس التعاون الخليجي في مجالات مكافحة الإرهاب، بما يشمل جاهزية المؤسسات الأمنية، فعالية التشريعات، والتنسيق الإقليمي لمواجهة التهديدات المتجددة.
ـ إعداد تقرير سنوي لجهود دول المجلس في مجال مكافحة الإرهاب وإمكانية الاستفادة منه لاستعراضه في المحافل الإقليمية والدولية.
ـــ تبادل الخبرات والتجارب.
كما تم تنفيذ الفقرة (2) من المادة (9) من الاتفاقية، بشأن الإبلاغ عن العناصر الإرهابية أو تلك التي يشتبه في اتصالاتها أو ارتباطها بهذه العناصر، حيث انشأت دول المجلس اللجنة الخليجية الدائمة للقائمة الإرهابية الموحدة، وهي لجنة متخصصة تهتم بدراسة أدراج أو تعديل أو رفع أسماء الجماعات والمؤسسات والكيانات والأفراد المنتمين للمنظمات الإرهابية أو المرتبطين بها او المنشقين أو المتفرعين عنها أو المتعاونين معها في قائمة خليجية موحدة، على أن ترفع اللجنة توصياتها مسببة ومفصلة لاجتماعات أصحاب السمو والمعالي وزراء الداخلية لإتخاذ ما يرونه مناسباً. كما تم في العام 2006 تشكيل لجنة أمنية دائمة مختصة بمكافحة الإرهاب تعقد اجتماعاتها بشكل دوري، سنوي، كإحدى اللجان الأمنية المتخصصة.
وهذا التكامل يجعل من السهل على دول الخليج تبادل المعلومات الاستخباراتية بسرعة ودقة، بما يمكنها من مواجهة التهديدات الإرهابية العابرة للحدود بشكل جماعي أكثر فعالية من أي جهد فردي.
ب – في مجالات مكافحة المخدرات
في إطار تطوير وتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في مجال مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية والسلائف الكيميائية وأشكال الجريمة المنظمة الأخرى ذات الصلة، اعتمد المجلس الأعلى لمجلس التعاون في دورته التاسعة والعشرين (مسقط، ديسمبر 2008) النظام الأساسي لمركز المعلومات الجنائية لمكافحة المخدرات.
وقد صادقت جميع الدول الأعضاء على النظام ودخل حيز النفاذ في 23 أبريل 2010، ليباشر المركز أعماله رسميًا، وبعد ثلاثة أعوام، وفي اجتماعهم الثاني والثلاثين بتاريخ 28 نوفمبر 2013، قرر أصحاب السمو والمعالي وزراء الداخلية تبعية المركز للأمانة العامة، قطاع الشؤون الأمنية، ماليًا وإداريًا، بهدف تعزيز التنسيق المؤسسي وضمان استدامة الموارد والإشراف المباشر على أنشطة المركز.
وتجدر الإشارة إلى أن قاعدة البيانات المشتركة لا تقتصر على تبادل المعلومات، بل تتيح توقع تحركات الشبكات الإجرامية والتخطيط المسبق للمداهمات، ما يعطي كل دولة ميزة تكتيكية إضافية على مستوى الإقليم.
ج – التحقيقات والمباحث الجنائية
في مجال التحقيقات والمباحث الجنائية، ركّزت دول مجلس التعاون على تطوير أطر قانونية وتقنية موحدة لتعزيز التنسيق الأمني الإقليمي. شملت الجهود صياغة قانون استرشادي موحد للتعامل مع ذوي الخطورة الإجرامية والمشبوهين، وتعزيز قدرات التدريب على المراقبة والبحث ومكافحة الجرائم الاقتصادية، مع ربط المؤسسات المصرفية والنقدية بجهود وزارة الداخلية. كما يُعمل على إنشاء قاعدة معلومات أمنية مشتركة تمكّن الدول الأعضاء من تبادل البيانات بشكل آلي، إلى جانب تمكين استخدام منظومة الإنتربول (7–24) داخل دول المجلس.
إضافة إلى ذلك، تُولي دول المجلس اهتمامًا بالوقاية التقنية، مثل حماية المركبات عبر تقنيات تحديد المواقع ووضع استمارات خليجية موحدة للمركبات، وكذلك تطوير قانون استرشادي لمكافحة الجرائم الإلكترونية.
وتكمن أهمية هذه الإجراءات في تحويل التعاون الأمني من مجرد تنسيق شكلي إلى منظومة متكاملة قادرة على رصد المخاطر والتصدي لها بسرعة وفاعلية، وهو ما يمنح دول الخليج ميزة في مواجهة التهديدات الإجرامية والاقتصادية الرقمية الحديثة دون الاكتفاء بالبيانات الرسمية الصادرة عن المنظمات الدولية.

التعاون لخليجي الدولي في مكافحة الجريمة
عقدت أبو ظبي في الفترة 25–26 أكتوبر 2023 الجولة السابعة من حوار الإنتربول، بمشاركة رفيعة المستوى من المنظمات الدولية والإقليمية، بهدف تعزيز بنية عمل شرطية متعددة الأطراف لمواجهة التهديدات العالمية. وأكد العميد مبارك الخييلي، رئيس جهاز الشرطة الخليجية، على أهمية الحوار في تقليل ازدواجية الجهود الدولية والإقليمية وتعزيز تبادل المعلومات والممارسات الفعالة.
وتكمن قيمة هذا التعاون في تمكين دول الخليج من الاستفادة من الخبرات الدولية المباشرة وتكييفها وفق الاحتياجات الإقليمية، بما يعزز قدرتها على رصد الجرائم المستحدثة ومواجهتها بسرعة وكفاءة، ويحول التنسيق الأمني من إطار شكلي إلى آلية استراتيجية وقائية قادرة على الحد من أي تأثيرات محتملة على الأمن الخليجي، فمن المؤكد أن يخلق توحيد الأطر القانونية والفنية معيارًا خليجيًا متقدماً، يسمح بالعمل المشترك في التحقيقات دون الحاجة للرجوع إلى أطر قانونية خارجية، ويعزز الاستقلالية في اتخاذ القرارات الأمنية.
الإنتربول – لمحة عامة
تقع الأمانة العامة للإنتربول في ليون (فرنسا). ويشكل الإنتربول، ببلدانه الأعضاء الـ 190، أكبر منظمة شرطية في العالم، ولدى المنظمة أيضا سبعة مكاتب إقليمية في العالم، ومكتب يمثلها لدى الأمم المتحدة في نيويورك وآخر يمثلها لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل. ولدى كل بلد من البلدان الأعضاء مكتب مركزي وطني يعمل فيه موظفو إنفاذ قانون وطنيون على مستوى عال من الكفاءة والتدريب.
يتمثل دور الإنتربول في تمكين أجهزة الشرطة في العالم أجمع من العمل معا لجعل العالم أكثر أمانا. وتساعد البنية التحتية المتطورة للدعم الفني والميداني التي تملكها المنظمة على مواجهة التحديات الإجرامية المتنامية التي يشهدها القرن الحادي والعشرين.

ويسعى الإنتربول، ضمن مبادئه، لضمان حصول أجهزة الشرطة على الأدوات والخدمات اللازمة لها لتأدية مهامها بفعالية، ويوفر من أجل ذلك تدريبا محدد الأهداف ودعما متخصصا لعمليات التحقيق، ويضع بتصرف الأجهزة المعنية بيانات مفيدة وقنوات اتصال مأمونة تساعد عناصر الشرطة في الميدان على إدراك توجهات الإجرام على نحو أفضل، وتحليل المعلومات، وتنفيذ العمليات، وفي نهاية المطاف توقيف أكبر عدد ممكن من المجرمين.
حتى في غياب العلاقات الدبلوماسية بين بلدان محددة يهدف الإنتربول إلى تسهيل التعاون الدولي بين أجهزة الشرطة. ويجري التعاون في إطار القوانين القائمة في مختلف البلدان وبروح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ويحظر قانون المنظمة الأساسي أي تحرك أو نشاط ذي “طابع سياسي أو عسكري أو ديني أو عنصري”.
وحيث أن بعض الدول غير متوافقة سياسيا قد تصدر “نشرات حمراء” بحق أشخاص يمكن أن تسهم في تقويض الديمقراطية في ذلك البلد، فالأمر متروك لسيادة الدولة، على ما أعلن الأمين العام للمنظمة الدولية.
كل الدول العربية مشاركة في المنظمة الدولية ولديها مكاتب مركزية وطنية، وقد أنجزت خطوات متقدمة في التعاون العربي عندما اعتمدت من العاصمة السورية دمشق مركزاً للإنتربول العربي تتم بواسطته تسطير المذكرات القضائية العربية والتعاميم والنشرات الموجهة لعمل الشرطة (مع الإشارة الى ان العمل مع انتربول دمشق توقف منذ ابعاد النظام السابق السوري من عضوية جامعة الدول العربية وعسى ان يعود الى وضعه الطبيعي بعد إعادة العضوية السورية الى الجامعة).

في الخلاصة، وبعد استعراض الاهتمامات الأمنية الخليجية وبعد التعرف بإيجاز على مهام المنظمة الدولية لمكافحة الجريمة “الانتربول” نعتقد بضرورة إعادة احياء “إنتربول خليجي” يعتمد قاعدة بيانات موحدة ويتم تعديلها تلقائيا وتوفر تبادلاً فورياً للمعلومات بهدف سرعة التصدي للتهديدات العابرة للحدود من جرائم الإرهاب وتهريب المخدرات وعلى الأخص الجرائم السيبرانية،
وإذ نشيد بعمل الشرطة الخليجية في تلك المجالات فإننا ننشد التوافق على توحيد الأطر القانونية في المنظومة المقترحة أسوة بما توصلت اليه دول آسيا التي انضوت في منظومة آسيا بول او الدول الأوروبية في يوروبول وكذا في افريقيا أفريبول.
وهنا تكمن القيمة الاستراتيجية لدول الخليج: من خلال إنشاء “انتربول خليجي”، يمكن للدول الست تبادل الخبرات والمعرفة الفنية والتقنية والمعدات الأمنية، ما يرفع مستوى جاهزيتها الجماعية لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، ويحول التعاون الأمني من إطار شكلي إلى آلية عملية متقدمة لا تقدمها أي من المبادرات السابقة.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذه الجهود هي بناء خبرة خليجية مشتركة، بحيث يمكن لكل دولة الاستفادة من التقنيات الحديثة والخبرات الدولية مع الاحتفاظ بالخصوصية والقدرة على اتخاذ القرارات بشكل مستقل.
*باحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية