مستقبل الطائرات المسيرة في دول الخليج
تتجه، اليوم، غالبية جيوش العالم للاعتماد على الطائرات المسيرة في تنفيذ مهام عسكرية تختلف من جيش إلى آخر وفقا لحجم المهام ونوعية الطائرات المستخدمة، وأخطرها “الدرونز” الانتحارية. وبينما تعتمد الدول ذات الاستخدام المحدود للمسيرات على الحصول عليها من دول أخرى، فإن الدول المصنعة للطائرات المسيرة أصبحت تمتلك سلاح المستقبل.
ويتوقع الخبراء أن “تحقيق الانتصار في ساحات القتال في المستقبل ربما يكون مرهونا بصورة كبيرة بمن يملك الطائرات المسيرة القادرة على إلحاق أكبر حجم من الخسائر بالطرف الآخر بأقل خسائر بشرية وأقل تكلفة مادية”.
في العقيدة العسكرية الخليجية أصبحت الطائرات المسيّرة القتالية ركنًا أساسيًا، ليس فقط كوسيلة دعم للقوات الجوية التقليدية، بل كأداة استراتيجية للردع والقدرة على المناورة في بيئة إقليمية معقدة. غير أن دمجها الفاعل يتطلب تجاوز التحديات المرتبطة بالاعتماد على الموردين الخارجيين، والحرب الإلكترونية، وتطوير أنظمة القيادة والسيطرة المتكاملة.
أولا: العقيدة العسكرية الخليجية المستقبلية والتحديات
مع إدماج الطائرات المسيّرة القتالية ضمن بنيتها الدفاعية والهجومية شهدت العقيدة العسكرية لدول الخليج العربي تحولاً ملحوظاً. فقد برزت هذه الأنظمة كأداة فعّالة لمواجهة التهديدات غير المتناظرة والحدّ من الخسائر البشرية، إضافةً إلى كونها خياراً أقل كلفة مقارنة بالمقاتلات التقليدية. ويُوظَّف استخدامها في مجالات تحقيق الردع وتكتيكات الإغراق الهجومي ضد الدفاعات الجوية المعادية، فضلاً عن تعزيز التوازن الإقليمي في مواجهة إيران وحلفائها.

وتشمل مجالات مهامها الأساسية: الاستطلاع المسلّح ومراقبة الحدود، تنفيذ ضربات دقيقة ضد الأهداف الاستراتيجية، والمساهمة في اعتراض أو استنزاف المسيّرات والصواريخ المعادية.
أما التحديات الأساسية أمام الاستراتيجية العسكرية الخليجية في تحقيق الدور المنشود لهذه الأنظمة الجوية المتطورة فهي تبقى في الاعتماد الكبير على الموردين الخارجيين – من الصين وتركيا والولايات المتحدة ما يشكل عائقاً أمام استقلالية القرار العسكري، إلى جانب المخاطر الناجمة عن الحرب الإلكترونية والتشويش.
وتواجه دول الخليج تحدياً إضافياً يتمثل في دمج هذه القدرات ضمن منظومات القيادة والسيطرة (C4ISR) بما يضمن التكامل مع سلاح الجو التقليدي وأنظمة الدفاع الصاروخي.
وفي المستقبل، يتوقع أن تنتقل بعض الدول الخليجية، لا سيما السعودية والإمارات، نحو تطوير وتصنيع مسيّرات محلية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، بما يفضي إلى إعادة صياغة العقيدة الجوية وفق مفهوم “القوة الجوية الموزعة”، أي المزج بين المنصات المأهولة وغير المأهولة لتحقيق مرونة وردع يتنامى حجمه في سياق إقليمي تتداخل فيه التعقيدات.. وسنأتي على ذكر أنواع المسيرات الخليجية ومصادر صناعتها مع إمكانية التصنيع المحلي.
1. التوسّع في شراء المسيرات – تنويع المصادر
كانت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية رائدتين في شراء المسيرات القتالية، متجهتين إلى الصين فضمت الى اسطولها الجوي مسيرات (Wing Loong)، ومن تركيا ((Bayraktar TB2 و Akinci))، لسد الفجوة بعد تحفظات الولايات المتحدة وفرض شروط صارمة على مسيراتها من نوع ((MQ-9B Reaper وابرمت السعودية خلال العام الحالي صفقة مسيرات ضخمة مع تركيا بقيمة نحو 3 مليارات دولار،
بينما طلبت الإمارات من تركيا حوالي 500 وحدة مسيّرة خلال السنوات الماضية .فيما عقدت دولة الامارات على شراء المسيرة الاميركية MQ-9B بعد رفع واشنطن قيودها تدريجيا وذلك بقيمة 3 مليارات دولار – رغم التأخر بتنفيذ العقد.

وكانت الكويت قد عقدت على شراء المسيرة التركية Bayrakta -TB2 بقيمة 376 مليون دولار ضمن خطة تحديثقدرات الاستطلاع والضربات الدقيقة
وانضمت مؤخرا كل من قطر، عُمان إلى المشهد، مع طلبيات للمسيرات التركية والصينية، ولكن بكميات أقل.
وتجدر الإشارة الى فارق الكلفة ما بين الصناعات الأميركية والتركية من المسيرات، إذ تبلغ تكلفة طائرات بيرقدار TB2 ما بين مليون دولار ومليونَي دولار لكل منها، وفقاً لتقديرات المحللين، وهو أقل بكثير، من 20 مليون دولار تقريباً لكل واحدة من الطائرات بدون طيارٍ المتقدمة، من صنع شركة General Atomics الأمريكية المتخصصة، التي اشترى الجيش البريطاني منها أسطولاً مكوناً من 16 نسخة. وتعتبر ميزة السعر مهمة للغاية للطائرة بيرقدار، إذ بإمكان القوات العسكرية التي تستخدمها تحمُّل خسارة بعضها، خاصةً أنها لا تؤدي إلى خسائر بشرية بالنسبة لمشغليها.
2 الرؤية الوطنية ورفع الانتاج المحلي
تتبنى المملكة العربية السعودية مبادرة “رؤية المملكة 2030” التي تتضمن هدفا لتوطين أكثر من 50% من الإنفاق الدفاعي في إنتاج محلي .وتعمل الرياض على تصنيع المسيرات محليًا عبر شركات مثل INTRA Defence Technologies التي تقدم نموذج “Samoom” مع قدرة تحليق طويلة (MALE) وبإمكانية إنتاجية تصل الى نحو 120 طائرة سنويًا

وتتعاون الرياض مع تركيا بشراكة مع شركة Baykar ضمن مشروع “SAMI” للصناعات العسكرية السعودية لإنتاج منظومات مسيرات ووحدات إلكترونية داخلية .وكانت قد رفعت نسبة الإنتاج المحليAerospace–Bayraktar” إلى نحو 15%، وبدأت كذلك بشراكة مع الشركة التركية Aselsan لتوطين تصنيع الهيكل، الإلكترونيات، والاستشعار داخل المملكة.
وبالشراكة مع شركة صينية لتطوير وتصنيع مسيرات داخل المملكة، أنشأت كذلك منصة “Aerial Solutions”، وتخطط للتعاون مع أنظمة متقدمة من أوروبا (مثل فرانس وإسبانيا) ضمن مشاريع انتاج توسعية .
وتحرز الإمارات تقدمًا في تطوير مسيرات محلية من نموذج Reach-S/Reach-M من EDGE Group، وتمكنت من الانتهاء من الاختبارات بحلول 2024 وتشمل أبرز مشاريع EDGE شراكات متعددة: مع Baykar التركي لدمج أسلحة ذكية على مسيرات Bayraktar ومع Indra الإسبانية لتصنيع نظم رادار في الإمارات، ومع Adani الهندية لتطوير أنظمة صواريخ، حرب إلكترونية والمسيرات معًا.
3 دوافع التوجه الى المسيرات القتالية
من خلال استخدام مثل هذه الأسلحة الجديدة، يهدف المهاجمون إلى استنزاف الدفاعات المتطورةويتحقق ذلك عبر إرباك صورة المستشعر وإفقادها وضوحها، وحرق مخزونات المدافعين المحدودة من الصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن، وإجبار الأصول ذات القيمة العالية مثل بطاريات الدفاع الجوي على الكشف عن مواقعها من خلال إضاءة راداراتها أو إطلاقها، وفق رؤية جيمس بلاك مساعد مدير الدفاع والأمن في مؤسسة راند أوروبا، في مقالة له نشرت على موقع “ذا ناشيونال انترست – the national interest”
هذا يعرّض المدافعين لهجمات لاحقة أو على الأقل يجبرهم على الانتقال، مما يخلق ثغرات في الدفاعات أثناء التحرك.
وتفرض هذه التهديدات الجديدة أيضًا ضغوطًا هائلة على التمويل الحكومي وسلاسل التوريد الصناعية المسؤولة عن تجديد مخزونات الصواريخ المستنفدة. لقد كافحت كل من الولايات المتحدة وأوروبا لمدة عامين لزيادة معدلات الإنتاج لأنظمة الدفاع الجوي والصواريخ بعد 3 عقود من الاستثمار المنخفض في قاعدة التصنيع. كما تتسابق هذه القوات لتوسيع قدرات الحرب الإلكترونية لتشويش أو تضليل أو تعمية أو إرباك الطائرات بدون طيار والذخائر القادمة.
واهم دوافع دول الخليج العربي تتلخص في:
– التحول الاستراتيجي: غياب توافق أمريكي وتقييد نقل التكنولوجيا دفع الخليج نحو تعزيز قدراته المحلية والاستعانة بمصادر متنوعة.
– دوافع الأمن الوطني: أكدت الهجمات التي استهدفت منشآت حيوية في دول الخليج — بما في ذلك الضربة الإسرائيلية على قطر والهجوم الإيراني على منشآت أرامكو في السعودية — ضرورة امتلاك قدرات دفاعية متقدمة ومستقلة، لتعزيز الجاهزية في مواجهة التهديدات العابرة للحدود وحماية البنية التحتية الاستراتيجية.
– التنمية الاقتصادية: التكنولوجيات الدفاعية تُعدّ محركاً اقتصادياً، وفي السعودية تُستخدم المسيرات في الزراعة والطاقة والمدن الذكية ضمن رؤية 2030
– الإطار التنظيمي الداعم: الإمارات خفّفت القيود الإدارية (مثلاً تصاريح التشغيل خلال 48 ساعة)، وسهّلت التجارب مثل “تطبيقات المسيرات الحضرية”
ثانيا – الأنظمة الجوية المضادة للطائرات بدون طيار
لا بد من الإشارة في هذا المجال الى كيفية تعاطي الدول والشركات العسكرية بموضوع التصدي لهذا التطور الجوي المذهل: تستعين التكنولوجيات المضادة للطائرات بدون طيار قيد الاستخدام والتطوير حالياً بمجموعة مبهرة من تقنيات الكشف والاعتراض. على سبيل المثال، من الممكن أن تعتمد عناصر الكشف والتتبع، على الرادار، ورصد الترددات اللاسلكية، والكاميرات الكهربائية البصرية، وأجهزة الاستشعار العاملة بالأشعة تحت الحمراء، وأجهزة الاستشعار الصوتية التي تكشف الصوت المميز الذي يصدره النوع الشائع من الطائرات دون طيار، أو تعتمد في كثير من الأحيان على الجمع بين هذه المصادر.
وبالمثل، تشمل طرق التصدي تشويش الصلات اللاسلكية، وتشويش أنظمة تحديد المواقع العالمية، والانتحال (تقنية للسيطرة على طائرة بدون طيار من خلال الاستحواذ على رابطة الاتصالات الخاصة بها)، وأجهزة الليزر، والموجات الكهرومغناطيسية، وأنظمة الشِّباك أو التشابك الأخرى، والمقذوفات الحركية، وثانية على الجمع بين هذه الأساليب. وقد تكون هذه الأنظمة مثبتة على الأرض أو محمولة/محمولة باليد، وفي بعض الحالات مثبتة على طائرات بدون طيار تهاجم المركبة المتطفلة على طريقة المعارك الجوية التي كانت رائجة اثناء الحرب العالمية الأولى.
وعلى الرغم من هذه الإمكانيات المتعددة، التي ذكرها آرثر هولاند ميشيل، المدير المشارك لـ “مركز دراسات الطائرات بدون طيار” في “كلية بارد”، ما زالت تكنولوجيا الأنظمة الجوية المضادة للطائرات بدون طيار أو المضادة للطائرات المسيّرة لا توفر بأي حال من الأحوال رداً كاملاً على تهديدات الطائرات الصغيرة بدون طيار. ولذلك لا بد لهذا الحقل أن يتغلب على مجموعة من التحديات الجمة في المرحلة المقبلة.
سلاح أميركي جديد “يصعق الطائرات”
تمتلك المدمرات البحرية الأميركية القدرة على تدمير الطائرات المعادية، وذلك بحرقها بالليزر، بعدما تبنته سلاحا ثوريا جديدا. وأشار تقرير نشره موقع “فوكس نيوز” الإخباري، إلى استعداد البحرية الأميركية لنشر سلاح ليزر بقوة 60 كيلو واط على المدمرات من نوع Arleigh Burke Flight IIA DDG 51، يحمل اسم “هيليوس”، يخضع حاليا للتقييمات النهائية والاختبارات.
وستمتلك المدمرات، بفضل السلاح الجديد، القدرة على حرق الطائرات المعادية “الدرون” أو تعطيلها، بسرعة كبيرة تعادل تلك الخاصة بالضوء.
والليزر هو شعاع ينتج عن استخدام بلّورات من مواد مناسبة (مثل الياقوت الأحمر) عالية النقاوة يمكن تحفيز إنتاجها لأشعة ضوئية من لون واحد (أي ذي طول موجة واحدة) وكذلك تكون في طور موجي واحد. عندئذ تتطابق الموجات على بعضها البعض – عن طريق انعكاسها عدة مرات بين مرآتين داخل بلّورة الليزر وتصبح كالعسكر في الكتيبة – فتنتظم الموجات وتتداخل تداخلا بناءً وتخرج من الجهاز بالطاقة الكبيرة المرغوب فيها.
ومن مزايا سلاح الليزر الجديد، أنه بدلا من استخدام صواريخ اعتراضية باهظة الثمن، تطلق من أنظمة الإطلاق العمودية المدمرة التابعة للبحرية الأميركية، سيكون لدى الجيوش الآن خيار صعق الهدف أو تعطيله، دون تدميره أو تفجيره تماما. وقد نجحت شركة Boeing في إنجاز التصميم الأولي لنظام سلاح الليزر العامل بالإلكترونات الحرة (FEL) العائد للبحرية الأميركية.
في الخلاصة
تغيير العقيدة الجوية الخليجية، من التركيز على “التفوّق الجوي التقليدي” إلى مفهوم “القوة الجوية الموزعة” التي تدمج بين المقاتلات المأهولة والمسيّرات (Manned-Unmanned Teaming). وما يرافقها من الإصرار على الانتقال إلى التصنيع المحلي، بحيث تستثمر السعودية والإمارات في مشاريع لتطوير وصناعة مسيّرات قتالية محلية الصنع ضمن “رؤية 2030”. يمثل توجها مستقبليا للارتقاء الى مصاف الاستراتيجيات الحديثة للجيوش الكبرى.