آراء

أمن البحر الأحمر وخليج عدن: بين التهديدات المتصاعدة ومسارات الاستقرار | أحمد ناجي

رغم الهدوء النسبي الذي شهدته منطقة البحر الأحمر بعد التوصل إلى اتفاق الهدنة في غزة في أكتوبر الماضي، عاد الحديث مجدداً عن أمن باب المندب خلال فترة التصعيد الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران وإعلان الحوثيين مساندتهم لطهران، وهو ما سلط الضوء على الترابط بين مسارح الصراع المختلفة في الشرق الأوسط. ورغم أن توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران أسهم في خفض احتمالات تجدد المواجهة بين الطرفين، فإن ذلك لا يعني بالضرورة انحسار التهديدات التي تواجه الملاحة في البحر الأحمر. فقد أظهرت الأشهر الماضية مدى ارتباط أمن باب المندب بالتطورات الإقليمية الأوسع، خصوصاً مع عودة الحوثيين إلى شن هجمات ضد إسرائيل وإعلانهم فرض قيود على الملاحة المرتبطة بها في البحر الأحمر. وتشير هذه التطورات إلى أن التهديدات التي تواجه هذا الممر البحري الاستراتيجي لم تعد مرتبطة فقط بالصراعات المحلية، بل أصبحت جزءاً من بيئة أمنية إقليمية متشابكة تتداخل فيها حسابات القوى الإقليمية والدولية. ومن هذه الزاوية، باتت سلامة الممرات البحرية الاستراتيجية أكثر ارتباطاً بالتوازنات الجيوسياسية والتحولات الدبلوماسية في المنطقة من أي وقت مضى. 

ما الذي يجعل منطقة البحر الأحمر وخليج عدن عرضة للاضطرابات؟ 

إن اختزال أزمة البحر الأحمر في التوترات الإقليمية الراهنة يقود إلى فهم قاصر لطبيعة المشكلة. إذ كشفت اضطرابات البحر الأحمر التي تسبب بها الحوثيون عن هشاشة أمنية في هذه المنطقة المائية الاستراتيجية كانت موجودة مسبقاً. والسبب يعود أولاً إلى استمرار الصراعات المسلحة في المناطق البرية لليمن وبعض دول القرن الأفريقي. فقد أدت هذه الحروب إلى إضعاف مؤسسات الدولة المركزية وتقويض سلطتها، ما أفسح المجال أمام صعود ميلشيات مسلحة تمتلك القدرة على الوصول إلى المسطحات المائية المجاورة. ويُعد الحوثيون المثال الأبرز على ذلك، فسيطرتهم على مناطق شمال وغرب اليمن منحتهم القدرة على التحكم في أجزاء من الساحل المطل على البحر الأحمر. ولا يقتصر الأمر على اليمن، إذ تشهد الصومال حالة مزمنة من عدم الاستقرار منذ عقود، بينما تلقي الحرب في السودان بظلالها على مسألة الأمن البحري بصورة متكررة، فضلاً عن التوترات المستمرة بين بعض دول القرن الأفريقي. وتؤدي هذه الأزمات مجتمعة إلى خلق بيئة إقليمية هشة تجعل منطقة البحر الأحمر أكثر عرضة للتوترات والاضطرابات الأمنية. 

أما السبب الثاني فيتمثل في العسكرة المتزايدة للبحر الأحمر وخليج عدن. فمنذ تصاعد ظاهرة القرصنة التي قامت بها بعض المجموعات الصومالية المسلحة عام 2008، تحولت المنطقة إلى واحدة من أكثر مناطق العالم كثافة من حيث الوجود العسكري الدولي. إذ تتركز القواعد العسكرية الأجنبية في العديد من دول القرن الأفريقي، كما تنتشر في المياه أساطيل بحرية تابعة للولايات المتحدة والصين ودول أوروبية وآسيوية وإقليمية متعددة. غير أن المفارقة تكمن في أن هذا الحضور العسكري الكثيف لم ينجح في بناء منظومة أمنية جماعية متماسكة. فالقوى المختلفة تعمل وفق أولويات ومصالح متباينة، بينما يظل التنسيق بينها محدوداً. وقد أدى ذلك إلى بقاء فجوات أمنية استغلتها الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والاتجار بالبشر والجريمة المنظمة العابرة للحدود. وتكشف تجربة البحر الأحمر وخليج عدن مفارقة أخرى تتمثل في أن تهديد أحد أهم الممرات البحرية في العالم لا يتطلب بالضرورة قدرات عسكرية متقدمة. فقد تمكنت مجموعات القرصنة الصومالية من إحداث اضطرابات واسعة في التجارة العالمية رغم محدودية مواردها. ويعود السبب في ذلك إلى الحساسية الأمنية للممرات الملاحية، إذ تتأثر بأي اضطراب أمني مهما صغر حجمه. 

أما السبب الثالث فيكمن في غياب أطر إقليمية فعالة لإدارة الأمن البحري. فعلى الرغم من وجود عدد من المبادرات الإقليمية والدولية، مثل الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، ومدونة جيبوتي لقواعد السلوك، والعملية الأوروبية “أتلانتا” أو لاحقاً “أسبيدس“، فإن معظم هذه المبادرات ظلت محدودة التأثير بسبب ضيق نطاقها أو عدم قدرتها على بناء توافق إقليمي شامل حول قضايا الأمن البحري. كما أن انشغال بعض الدول المطلة على خليج عدن بصراعاتها الداخلية حدّ من قدرتها على تطوير رؤية مشتركة للتعامل مع التهديدات المتزايدة. وفي الوقت الذي تزايد فيه الحضور العسكري الدولي، لم يتطور إطار إقليمي قادر على تنسيق الجهود الأمنية أو معالجة جذور التهديدات المرتبطة بالصراعات الداخلية وضعف الدولة. ولذلك، فإن أحد أهم الدروس التي كشفتها أزمة البحر الأحمر يتمثل في أن الأمن البحري لا يمكن استيراده من الخارج أو الاعتماد فيه بصورة كاملة على القوى الدولية، بل يحتاج إلى بنية إقليمية قادرة على إنتاج الأمن من داخل المنطقة نفسها. 

سفن حربية تابعة للبحرية هندية خلال مهمة استطلاعية بالقرب من خليج عدن (Indian Navy, 2024)

الاستقرار يبدأ من البر قبل البحر  

تكشف العوامل الثلاثة المذكورة أن أزمة البحر الأحمر ليست أزمة بحرية فحسب، بل هي انعكاس مباشر لأزمات سياسية وأمنية أعمق تتواجد معظمها في البر. لذا تتطلب استعادة الاستقرار في هذا المنطقة الحيوية مقاربة متعددة الأبعاد تبدأ بإعطاء الأولوية للدبلوماسية وتسوية النزاعات. فاستمرار الحروب في اليمن والسودان والصومال وغيرها من بؤر التوتر يوفر البيئة الحاضنة لمعظم التهديدات الأمنية التي تواجه البحر الأحمر. كما أن التجارب الأخيرة أظهرت أن المقاربات العسكرية، رغم قدرتها على احتواء بعض التهديدات مؤقتاً، لم تنجح في معالجة الأسباب التي تنتج هذه التهديدات. لذلك فإن الاستثمار السياسي والدبلوماسي في تسوية النزاعات ومعالجة أسبابها الجذرية يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق استقرار مستدام. كما أن دمج الأطراف السياسية في عمليات سلام شاملة من شأنه أن يحولها تدريجياً من جهات معطلة للاستقرار إلى أطراف مرتبطة باتفاقات والتزامات سياسية تجعل الحفاظ على الأمن جزءاً من مصالحها المباشرة. 

ويتطلب المسار الثاني تعزيز التنسيق الإقليمي بين الدول المطلة على البحر الأحمر. وفي هذا السياق، تمثل مبادرة مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، والتي تم توقيع ميثاقها في الرياض عام 2020، إحدى المبادرات المهمة التي يمكن البناء عليها لتطوير إطار إقليمي أكثر فاعلية. فالدول المطلة على البحر الأحمر هي الأكثر تأثراً بأي اضطراب أمني فيه، وفي الوقت نفسه تملك الكثير من أدوات التأثير في هذه المنطقة. وبالتالي، ينبغي أن تكون في صدارة الجهود الرامية إلى حماية هذا الممر الحيوي وإدارته. كما أن تعزيز التعاون الثنائي بين الدول المتجاورة على ضفتي البحر الأحمر وخليج عدن يمثل جزءاً مهماً من هذه المقاربة. فقد أثبتت تجارب سابقة أهمية التنسيق المباشر في مكافحة التهريب والاتجار بالبشر والقرصنة والجريمة المنظمة العابرة للحدود. كما أن بناء قدرات خفر السواحل وتبادل المعلومات والخبرات الأمنية يمكن أن يعزز قدرة الدول على حماية مياهها الإقليمية ومواجهة التهديدات العابرة للحدود. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الجهود التي ركزت على إعادة بناء قدرات خفر السواحل اليمني خلال الأشهر الأخيرة، والتي ساهمت في تحسين قدراته على مكافحة التهريب والأنشطة غير المشروعة. 

وأخيراً، ينبغي تجاوز النظرة التقليدية إلى البحر الأحمر باعتباره مصدراً للتهديدات والمخاطر فقط، والنظر إليه باعتباره فضاءً اقتصادياً واعداً ومصدراً للفرص المشتركة. فتعزيز الاستقرار لا يتحقق من خلال الأدوات الأمنية وحدها، بل يتطلب أيضاً إطلاق مشاريع اقتصادية وتنموية تربط أمن المنطقة بمصالح سكانها ودولها. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تطوير الموانئ والخدمات اللوجستية، وإنشاء مراكز لتزويد السفن بالوقود والخدمات، والاستثمار في المدن الساحلية، وتحسين البنية التحتية، وخلق فرص عمل للمجتمعات المحلية. وفي المحصلة، فإن مستقبل البحر الأحمر لن يتحدد بعدد السفن الحربية المنتشرة في مياهه، بل بقدرة دوله وشركائه على بناء نظام إقليمي يعالج الصراعات المزمنة، ويعزز التعاون الأمني، ويربط الاستقرار بالتنمية الاقتصادية. فالهجمات الأخيرة لم تخلق أزمة البحر الأحمر، بل كشفت هشاشة تراكمت على مدى سنوات، ولن يكون تجاوزها ممكناً إلا من خلال معالجة جذورها السياسية والأمنية والاقتصادية معاً. 

وزراء خارجية دول عربية وأفريقية خلال توقيع الميثاق التأسيسي لمجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن (KSAMOFA, 2020)
كتّابنا Rutba Logo
كاتب

أحمد ناجي

مسؤول الشؤون اليمنية في مجموعة الأزمات الدولية. سابقًا، عمل ناجي باحثًا في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، كما عمل أيضًا منسقًا لدولة اليمن في معهد أنواع الديمقراطية التابع لجامعة جوتنبرغ، السويد.

تابع على الشبكات الاجتماعية
أحمد ناجي