ترامب يعيد تموضع واشنطن في الخليج… رسائل صامتة لبكين وطهران
جاءت زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى دول مجلس التعاون الخليجي في منتصف مايو 2025 لتُشكّل لحظة مفصلية في مسار إعادة هيكلة التحالفات الإقليمية، ضمن سياق دولي يتّسم بتسارع التحوّلات الجيوسياسية وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى على مراكز النفوذ، ويمكن قراءة هذه الزيارة باعتبارها رسالة استراتيجية متعددة الأبعاد، تسعى من خلالها واشنطن إلى تثبيت تموضعها في الخليج، وتعزيز الشراكات الدفاعية والاقتصادية، في مواجهة التمدد الصيني والعودة الروسية إلى معادلة التوازنات الدولية.
وخلال جولة دبلوماسية استمرت ثلاثة أيام، تم توقيع اتفاقيات استثمارية هائلة بلغت قيمتها نحو 2 تريليون دولار، تضمنت عقودًا دفاعية توصف بأنها الأضخم في تاريخ العلاقات الخليجية الأميركية، ما يؤشر إلى رسالة مزدوجة: تأكيد الالتزام بتحالف أمني راسخ مع واشنطن، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام مقاربة أمنية أكثر تنوعًا وتعددية، لا تستبعد تعميق التعاون العسكري مع قوى مثل الصين.
يعكس توقيت الزيارة، وحجم الاتفاقات، والمضامين السياسية المصاحبة لها، ليس فقط متانة الشراكة الأمنية بين واشنطن والعواصم الخليجية، بل أيضًا حجم التعقيد الاستراتيجي الذي تواجهه دول الخليج في بيئة إقليمية مضطربة، ومعادلات دولية في حالة سيولة، تتطلب حسابات دقيقة وموازنة ذكية بين التحالفات التقليدية والانفتاح على البدائل الصاعدة.
توقيت جيوسياسي وإشارات إقليمية
يمثل اختيار الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمنطقة الخليج كأول وجهة خارجية له بعد عودته إلى البيت الأبيض مؤشرًا واضحًا على أولويات إدارته الجديدة-القديمة. فالجولة التي شملت السعودية وقطر والإمارات، لم تكن تحركًا بروتوكوليًا تقليديًا، بل تعكس قراءة استراتيجية معمقة لمكانة الخليج في المشهد الجيوسياسي العالمي، خصوصًا في ظل ما تشهده المنطقة من تحولات عميقة على صعيد موازين القوى، وتصاعد التهديدات الإقليمية، والتنافس الدولي المحموم على النفوذ.
كما أن القمة الأميركية الخليجية، بما تضمنته من محاور اقتصادية وأمنية متشابكة، حملت رسائل متعددة الاتجاهات، فهي من جهة، تؤكد لطهران أن الحلفاء التقليديين لواشنطن لا يزالون على مسار التنسيق العسكري والسياسي الوثيق، في وقت تتصاعد فيه التهديدات في البحر الأحمر والعراق وسوريا، ومن جهة أخرى، فهي بمثابة تذكير لبكين بأن الولايات المتحدة ما زالت الشريك الأمني الأبرز في المنطقة، رغم تصاعد النفوذ الاقتصادي الصيني، أما الرسالة الثالثة، فتتوجه إلى الحلفاء الأوروبيين، وتعكس إعادة تموضع استراتيجي أميركي يُعلي من قيمة المناطق ذات الثقل الاقتصادي والفرص الاستثمارية، كما هو حال الخليج، وفق عبد الغني دياب، مدير وحدة الدراسات بمركز العرب للأبحاث، في تصريحات خاصة لـ”رتبة”.

ويستطرد “دياب” أن توقيت زيارة ترامب “يأتي في لحظة فارقة تشهد فيها المنطقة تصعيدًا غير مسبوق في غزة، واحتدامًا في البحر الأحمر، وتوترات متفاقمة في العراق وسوريا، إلى جانب تمدد روسي صيني في إفريقيا والبحر الأحمر”، ومن جهته، يرى الكاتب الصحفي جميل الذيابي، رئيس تحرير صحيفة “عكاظ”، أن الزيارة تمثل “تحولًا في أولويات السياسة الخارجية الأميركية، يعكس طبيعة التغييرات المعتادة التي ترافق انتقال السلطة في واشنطن بين الجمهوريين والديمقراطيين”، فالإدارة الأميركية الجديدة تسعى إلى مراجعة استراتيجيتها بعد ما اعتُبر في الداخل الأميركي تراجعًا في الحضور الدولي خلال حقبة بايدن.
ويضيف الذيابي في تصريحات خاصة لـ”رتبة” أن ترامب، الذي ورث اقتصادًا مثقلًا بالديون، يرى أن منطقة الخليج، وخصوصًا السعودية، تمثل فرصة اقتصادية هائلة لتعزيز الاستثمارات الأميركية، لا سيما في ظل المشاريع العملاقة التي تطرحها “رؤية 2030″، كما يعتبر أن الرياض، بحكم ثقلها المالي والسياسي، تمثل ركيزة لا غنى عنها في أي تحرك أميركي جاد لإعادة ضبط التوازن في الشرق الأوسط، ناهيك عن أن الزيارة تؤكد قناعة ترامب بأن التراجع الأميركي في المنطقة خلال العهدين السابقين ترك فراغًا استراتيجيًا استغلته قوى دولية أخرى – في إشارة إلى الصين وروسيا – مشددًا على أن واشنطن تعود الآن لتستعيد زمام المبادرة، ولكن بطريقة أكثر حذرًا وواقعية، تستند إلى الشراكة مع الحلفاء الخليجيين دون الانغماس في مغامرات عسكرية مباشرة.

نحو شراكة عسكرية أعمق في العلاقات الأميركية الخليجية
تمثل الاتفاقيات الدفاعية الناشئة عن جولة ترامب الخليجية مستويات غير مسبوقة من التعاون العسكري، فقد حصلت السعودية وحدها على معدات عسكرية أمريكية بقيمة 142 مليار دولار كجزء من اتفاقية ثنائية أوسع قيمتها 600 مليار دولار، يتجاوز هذا الرقم الأرقام القياسية السابقة بشكل كبير ويشمل مجموعة شاملة من القدرات بما في ذلك صواريخ (جو-جو) متوسطة المدى، ودبابات وسفن حربية وأنظمة رادار متطورة، وبنية تحتية متكاملة للقيادة والتحكم
بينما تضمنت اتفاقية قطر البالغة 243 مليار دولار طلباً لطائرات بوينج والتي تجمع بين الاحتياجات المدنية للطيران وقدرات النقل والمراقبة العسكرية بقيمة 96 مليار دولار ، بينما تمثل التزامات الإمارات البالغة 200 مليار دولار المرحلة الأولى من خطة استثمارية طويلة الأجل قيمتها 1.4 تريليون دولار، مما يشير إلى تعاون مستدام يتجاوز الدورة السياسية الحالية.
ويرى جميل الذيابي، أن السعودية ومعها دول الخليج لم تعد تنظر إلى اتفاقات الدفاع مع القوى الكبرى باعتبارها ضمانات أمنية مطلقة، بل باتت تدرك أن الاعتماد الأحادي على قوة بعينها لم يعد كافيًا لضمان استقرار المنطقة، وهذا الوعي الاستراتيجي انعكس في توجه خليجي متصاعد نحو تنويع الشراكات الدفاعية والعسكرية، ليس من باب الارتهان لقوة على حساب أخرى، بل من منطلق براغماتي يقوم على الانفتاح على مختلف القوى الفاعلة، سواء كانت الولايات المتحدة أو الصين أو روسيا أو فرنسا أو بريطانيا، وقد أصبح جليًا أن سردية التسليح الخليجية لم تعد تدور فقط حول شراء السلاح، بل حول بناء قدرة دفاعية مستدامة، ونقل التكنولوجيا، وتوسيع دائرة الخيارات الاستراتيجية لمواجهة التهديدات التي تستهدف أمن الخليج وثرواته الحيوية.
ترتكز الاستراتيجية السعودية ضمن رؤية 2030 على تطوير القدرات الدفاعية الذاتية من خلال التصنيع العسكري المحلي، والاتفاقات الثنائية التي تضمن ليس فقط التزود بالسلاح، بل أيضًا تدريب الكوادر واكتساب المعرفة الفنية، وتقوم هذه الاستراتيجية على مبدأ التوازن؛ فالتعاون مع واشنطن في مجال التسليح لا يعني إغلاق الباب أمام شراكات مماثلة مع قوى أخرى، بل إن التعددية في مصادر التسليح باتت جزءًا من معادلة الحفاظ على الأمن السيادي، وتحقيق قدر أكبر من الاستقلالية في اتخاذ القرار الدفاعي، بحسب “رئيس تحرير عكاظ”.
“وتتجاوز الاتفاقيات الدفاعية مجرد صفقات تسليح، إذ تعزز الترابط العملياتي بين القوات الخليجية والأميركية، وتكرّس حضور واشنطن كضامن للأمن الإقليمي، وتؤسس قاعدة تكنولوجية موحدة للجيوش الخليجية تسهل عمليات التحالف وترتيبات تقاسم الأعباء، بالإضافة إلى أنها توفر دليلاً ملموساً على الالتزام الأميركي بالأمن الخليجي الذي يعمل كرادع للخصوم المحتملين وطمأنة للشركاء الإقليميين، بحسب “عبدالغني دياب”.
ويعكس التركيز على (صواريخ جو-جو) المتطورة وأنظمة المراقبة تصورات تهديد محددة، لا سيما فيما يتعلق بقدرات إيران في مجال الطائرات المسيرة والصواريخ التي ظهرت في الهجمات على البنية التحتية النفطية السعودية وممرات الشحن، ومن خلال تزويد دول الخليج بقدرات دفاع جوي متقدمة وإدراك وضعي محسّن، تعالج هذه الاتفاقيات المخاوف الأمنية المباشرة مع بناء مرونة دفاعية طويلة الأمد، حيث يشير توقيت الموافقة على صفقة الصواريخ البالغة 3.5 مليار دولار قبل أيام من القمة، إلى تنسيق دقيق بين المشاركة الدبلوماسية وبرامج المساعدة العسكرية.
استمرارية أولوية التحالف الأمني الأميركي في الخليج
رغم تنامي العلاقات الاقتصادية مع الصين وقوى أخرى، لا تزال دول الخليج تنظر إلى الولايات المتحدة على أنها الضامن الأمني الرئيسي بسبب عدة عوامل دائمة، منها أن الإطار المؤسسي للوجود العسكري الأميركي، بما في ذلك القواعد الرئيسية في قطر والكويت والإمارات، يوفر قدرات استجابة فورية للأزمات لا يضاهيها أي قوة خارجية أخرى، وقد أثبتت الضمانات الأمنية الأميركية مصداقيتها عبر أزمات إقليمية متعددة، من حرب الخليج (1990-1991) حتى المواجهات الأخيرة مع إيران، مما خلق سجلاً من الموثوقية يشكل افتراضات التخطيط الاستراتيجي.
كما يوفر التفوق التكنولوجي لأنظمة الأسلحة الأميركية، جنباً إلى جنب مع شبكات الدعم التدريبي والصيانة الواسعة، قدرات بمميزات تتفوق بشكل كبير على ما يمكن أن تقدمه الصين، كذلك توفر المنصات العسكرية الأميركة الوصول إلى شبكات الاستخبارات العالمية، والاتصالات الفضائية، ومفاهيم العمليات المشتركة التي تم اختبارها في بيئات قتالية، وبالأساس المعدات، وهو ما يخلق نظاماً بيئيًا من القدرات، تطور عبر عقود من التعاون، وبالتالي فإن تكاليف تحول تجعل الشراكات البديلة صعبة اقتصادياً وتشغيلياً.
المسار الموازي: العلاقات الخليجية-الصينية وحدودها
مع حفاظ دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، على شراكتها الأمنية الراسخة مع الولايات المتحدة، بدأت في السنوات الأخيرة توسعًا منهجيًا في علاقاتها مع الصين، خاصة في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة. هذا التحول لم يأتِ على حساب التحالفات التقليدية، بل يُعبّر عن نهج خليجي متصاعد يقوم على “تنويع الشراكات” دون المساس بأسس التحالف الأمني القائم مع واشنطن، ويشمل التعاون مع بكين مشاريع البنية التحتية الرقمية، تطوير المدن الذكية، شبكات الجيل الخامس، والموانئ، وهي قطاعات تمثل مجالات استراتيجية للتحوط وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا والتمويل الغربيين.
ويُعلّق الدكتور محمد الحبابي على هذا الاتجاه بأن دول مجلس التعاون باتت تنتهج سياسة خارجية ناضجة، لا تُراهن على طرف واحد، بل تُقيم علاقات متوازنة مع قوى عالمية متعددة مثل الصين، والهند، وروسيا، واليابان، والبرازيل، وغيرها، مشدداً على أن هذا التنوع لا يُعد خروجاً عن التحالفات التقليدية، بل يُعبّر عن مرونة واقعية وسيادة في اتخاذ القرار بما يخدم المصالح القومية.

ومع ذلك، لا تزال بكين بعيدة عن لعب دور أمني مباشر في المنطقة، إذ تظل تكنولوجيتها الدفاعية محدودة مقارنة بالأنظمة الأميركية المتقدمة التي أصبحت الجيوش الخليجية معتادة عليها من حيث التشغيل والدعم اللوجستي، فعقيدة “عدم التدخل” التي تنتهجها الصين وفق مدير وحدة الدراسات بمركز العرب تجعل من غير الواضح مدى استعدادها لتقديم دعم عسكري خلال الأزمات، وهو ما يُبقي الأمن الخليجي في دائرة التأمين الأميركي المباشر، رغم الانفتاح الاقتصادي المتزايد على بكين، وبالتالي فإن الرسالة التي تبعث بها دول الخليج يمكن التعاون مع الصين في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا، لكن الأمن يظل في يد الشريك الأميركي، في ما يمكن وصفه بـ”الفصل الاستراتيجي بين الشراكات”، حيث لا تطغى شراكة على أخرى، بل تتكامل في ضوء مصلحة خليجية أولى تقودها البراغماتية والسيادة.
مثلت جولة ترامب الخليجية في مايو 2025 والاتفاقيات الناتجة عنها تطورا في العلاقات الاستراتيجية الإقليمية كما أظهرت الحجم غير المسبوق للتعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة و متانة الشراكات الأمنية التقليدية، ويوضح “دياب” أن صفقات الدفاع الأميركية الضخمة تعكس أبعادًا استراتيجية تفوق الطابع التجاري أو التسليحي المعتاد، لافتًا إلى أن هذه الصفقات لا يمكن قراءتها كـ”صفقات سلاح” فقط، بل كجزء من معادلة النفوذ وبسط المظلة الأمنية الأميركية في منطقة الخليج، في مواجهة ما تعتبره واشنطن محاولات صينية لاختراق الفراغات الأمنية أو الاستثمار في التردد الأمريكي، مؤكداً أنه رغم التوجه الخليجي المتزايد نحو تنويع الشراكات الدولية، فإن دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، تدرك أن البنية التحتية الأمنية والعسكرية لديها ما زالت مرتبطة جذريًا بالمنظومة الغربية، وتحديدًا الأمريكية، وبالتالي، فإن عقد صفقات دفاعية بمليارات الدولارات يعكس من وجهة نظر هذه الدول تجديدًا للضمانات الأمنية التي تآكلت سياسيًا منذ إدارة أوباما، وضعفت دبلوماسيًا مع بايدن واليوم تعود بشكل أكبر وأقوى وأكثر استدامة.