قوات النخبة الخليجية في صلب المعادلات الأمنية الجديدة بالمنطقة
دأبت دول مجلس التعاون الخليجي وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية على تسريع وتيرة تطوير قدرات قواتها الخاصة، لمواجهة تعقيدات البيئة الأمنية الإقليمية وتحولات التوازنات العالمية، وذلك ضمن استراتيجية واضحى تستهدف تعزيز الاستقلالية العملياتية والسيادة الدفاعية.
ولا يُقاس هذا التوسع بعدد الوحدات فقط، بل بنوعية الكفاءات، وتعدد بيئات التشغيل، والقدرة على تنفيذ عمليات معقدة عالية الحساسية، من مكافحة الإرهاب وحروب المدن إلى الرد السريع في المناطق الرمادية والعمليات ما دون العتبة التقليدية للصراع. التحول الجاري يعكس نقلة عقائدية بقدر ما هو تطوير تكتيكي، حيث تتجه الدول الخليجية نحو تنويع الشراكات الدفاعية بعيدًا عن النمط الأحادي المعتمد على الولايات المتحدة، عبر التعاون مع مدارس عمليات خاصة أوروبية وآسيوية، وبناء برامج تدريبية محلية رفيعة المستوى، تُكرّس مفاهيم المرونة، والاعتماد الذاتي، والتكامل بين النخبة البرية، الجوية، والبحرية. وفي هذا الإطار، تصبح قوات العمليات الخاصة أداة مركزية ضمن عقيدة الردع الموسّع والمرن، قادرة على التعامل مع الطيف الكامل من التهديدات المعاصرة من الهجمات غير المتناظرة، إلى تحديات النفوذ الإقليمي والحروب الهجينة.
قوات النخبة الخليجية: ذراع فعّالة في العمليات الإقليمية والاستجابة الأمنية
أصبحت قوات العمليات الخاصة جزءًا لا يتجزأ من منظومات الأمن الوطني والسياسات الدفاعية الخليجية، مستفيدة من برامج تدريب مكثفة تُدار بالتعاون مع جيوش غربية وشركات أمنية خاصة ذات خبرة طويلة في الحرب غير التقليدية.
الإمارات: الحرس الرئاسي كنموذج لقوة النخبة متعددة الجبهات

أطلقت الإمارات عام 2011 مشروع “الحرس الرئاسي”، الذي مثّل نقطة تحوّل في هيكلة قواتها الخاصة، من خلال دمج وحدات النخبة المختلفة تحت قيادة مركزية موحدة، واعتماد معايير تدريب تتماشى مع معايير الناتو كما تم الاستعانة بخبراء من القوات الخاصة الأمريكية والأسترالية لتطوير المفاهيم التكتيكية، وبناء قدرات محلية متقدمة في مجالات مثل العمليات البرمائية، حرب المدن، والتدخل السريع.
وقد برز الحرس الرئاسي الإماراتي كقوة تدخل عالية الجاهزية، شاركت بفعالية في مسارح عمليات معقدة، شملت أفغانستان، الصومال، واليمن، ضمن مهام تنوعت بين الدعم الميداني، الاستطلاع القتالي، والاقتحام المباشر. يقول مايكل نايتس، الباحث البارز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: “يُعد الحرس الرئاسي الإماراتي أداة مضاعفة للسياسة الخارجية للدولة. لقد تم تدريبه وفق معايير الناتو، وأثبت كفاءته في بيئات عمليات ذات وتيرة عالية وكثافة نيران كبيرة.”

السعودية: هيكلة متقدمة وتوسّع في تخصصات القوات الخاصة
في المقابل، شهدت السعودية تطورًا موازيًا في مجال القوات الخاصة، مع تنويع الهيكل التنظيمي وتأسيس أفرع متعددة، أبرزها: لواء الأمن الخاص التابع للقوات البرية الملكية و قوات العمليات الخاصة لرئاسة أمن الدولة ووحدات الطيران الأمني المرتبطة بوزارة الداخلية.
وقد تركّزت العقيدة العملياتية السعودية على مكافحة الإرهاب، خصوصًا بعد موجات الاستهداف التي تعرضت لها البلاد من تنظيم “القاعدة” ثم “داعش”، ما أدى إلى تطوير أنظمة القيادة والسيطرة التكتيكية، وتكثيف التعاون مع شركاء دوليين في مجال مكافحة التمرد، جمع المعلومات الاستخباراتية، وحماية المنشآت الحيوية. كما يتم العمل حاليًا على دمج هذه الوحدات ضمن إطار قيادة مشتركة تسمح بالاستجابة متعددة القطاعات (Joint SOF Tasking)، وإدخال مفاهيم حديثة مثل القتال الشبكي (Network-Centric Warfare) والدعم السيبراني لعمليات النخبة.
الانتشار الخارجي: اليمن كنقطة تحوّل ومحكّ عملياتي لقوات النخبة الخليجية
شكّل الصراع في اليمن أحد أبرز ميادين الاختبار العملياتي الحقيقي لوحدات القوات الخاصة الخليجية، حيث أتاح لها العمل في بيئة معقدة متعددة الأطراف، تتداخل فيها التهديدات الإرهابية مع الحرب غير المتناظرة والطبوغرافيا الصعبة. في هذا السياق، برزت القوات الخاصة الإماراتية بوصفها عنصرًا فاعلًا في العمليات الهجومية المضادة لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، لا سيما في محافظتي حضرموت وشبوة، حيث نُفذت عمليات تطهير، وتعقب، واغتيالات دقيقة بدعم استخباراتي وتقني. وقد تم توظيف فرق النخبة في مهام الاستطلاع، الإنزال الجوي، والتوجيه الناري المباشر، بما يتماشى مع تكتيكات مكافحة الإرهاب الحديثة، مثل عملية تحرير المكلا في 24 أبريل 2016.
أما القوات الخاصة السعودية، فقد لعبت أدوارًا مزدوجة منها الانتشار البري عند الحدود الشمالية الغربية لضبط التسلل وصدّ الهجمات عبر الحدود و تنفيذ عمليات جوية خاصة لدعم القدرات الاستخباراتية والمشاركة في توجيه الضربات الدقيقة باستخدام طائرات مأهولة وغير مأهولة. وكذلك خلال عملية «إعادة الأمل»، ساهمت في تأمين المساعدات الإنسانية وحماية المنشآت الحيوية. وبحسب تقرير صادر عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) في 2022: “أصبحت وحدات القوات الخاصة الخليجية حاسمة في بيئات العمليات المعقّدة مثل اليمن، خصوصًا في مهام الحروب الحضرية، والاستطلاع التكتيكي، وتحديد الأهداف الديناميكي، حيث تفقد القوات التقليدية فعاليتها.

الخليج بين واشنطن وبكين
رغم أن الولايات المتحدة لا تزال المزود الرئيسي للخبرة والتكنولوجيا العسكرية، خاصة في مجالات تأهيل القوات الخاصة و التدريب على المهام عالية الخطورة، وتكامل الاستخبارات مع العمليات، إلا أن بعض الدول الخليجية بدأت خلال السنوات الأخيرة تنفتح على شراكات بديلة تعزز من مرونتها الاستراتيجية. ففي عام 2024، أجرت الإمارات العربية المتحدة مناورات جوية مشتركة مع سلاح الجو الصيني في إقليم شينجيانغ، في سابقة لافتة عكست جرأة سياسية وخروجًا تدريجيًا عن الانحصار في فلك التعاون الأحادي. هذه الخطوة جاءت بعد سنوات من التقارب الأمني بين بعض دول الخليج وبكين، حيث كانت السعودية قد نفّذت تدريبات لمكافحة الإرهاب مع القوات الصينية في مدينة تشونغتشينغ عام 2016، بالتوازي مع توقيع اتفاقيات عسكرية وتكنولوجية شملت مجالات الأسلحة الدقيقة، أنظمة الاتصالات، والتقنيات السيبرانية.
ولا يُمكن تجاهل التصريحات العلنية من الجانب الصيني بهذا الخصوص، حيث قال وزير الخارجية الصيني السابق وانغ يي خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2019: “تدعم الصين جهود دول الخليج في مكافحة التطرف، وهي مستعدة لتعزيز التعاون الثنائي في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب.” هذا الانفتاح الخليجي على الصين لم يمر دون ردود فعل غربية، إذ عبّرت واشنطن عن قلق متزايد من تمدد النفوذ العسكري والتكنولوجي الصيني في منطقة الخليج. وقد بلغ هذا التوتر ذروته عام 2023 عندما وضعت وزارة التجارة الأمريكية شركة G42 الإماراتية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي على قائمة الكيانات المحظورة، على خلفية شبهات حول علاقاتها التكنولوجية الوثيقة مع الصين واستخدامات مزدوجة محتملة لتقنياتها. وفي تصريحات تعكس هذا القلق، قالت بيكا واسر، الزميلة الأولى في مركز الأمن الأمريكي الجديد:
“واشنطن تراقب بكثافة توسع التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج، وترى أن السماح للصين بترسيخ نفوذها الأمني في الخليج قد يعيد صياغة التوازن العسكري في المنطقة على نحو غير مرغوب فيه.”
من جهة أخرى، يبقى دور روسيا في المجال الأمني الخليجي محدودًا نسبيًا، وقد تقلّص بشكل كبير بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، التي استنزفت الموارد الروسية وأضعفت قدرتها على تصدير السلاح أو تنفيذ تدريبات كبرى في الخارج. لتبقى المعادلة الأمنية الخليجية محصورة في التوازن بين واشنطن وبكين، ضمن سباق غير معلن على النفوذ في تشكيل العقيدة القتالية الجديدة لقوات النخبة الخليجية
المتعاقدون العسكريون الخاصون: تسريع الاحترافية وسط تعقيدات سياسية
لجأت دول الخليج أيضاً إلى المتعاقدين العسكريين الخاصين لتعزيز قدرات القوات الخاصة. ففي الإمارات، عملت شركة ريفليكس ريسبونس (R2) التي أسسها إريك برينس، مؤسس بلاكووتر السابق، لتدريب كتيبة مكونة من 800 رجل جاهزين للنشر السريع. رغم الجدل حول هذه العلاقة، ساعدت الشركات الخاصة على تسريع احترافية القوات الخليجية، لكن المحللين يحذرون من المخاطر السياسية والأخلاقية نظراً لارتباط اسم بعض الشركات بعمليات غير أخلاقية، يقول “دوغلاس أوليفانت”، مستشار سابق في مجلس الأمن القومي الأمريكي: “هناك غموض في كيفية إدارة هذه العقود، لا سيما عندما يشارك المتعاقدون في عمليات قتالية أو أمن داخلي”، كما دعمت شركات الدفاع الغربية مثل لوكهيد مارتن ورايثيون، إلى جانب شركات أوروبية مثل إيرباص وليوناردو، تطوير القوات الخاصة عبر نقل التكنولوجيا والتدريب والمحاكاة المتقدمة.
بالتوازي مع التدريب والعمل الميداني، لعبت شركات الدفاع الغربية الكبرى دورًا حاسمًا في تعزيز البنية التحتية التكنولوجية لوحدات القوات الخاصة الخليجية. شركات مثل لوكهيد مارتن ورايثيون الأمريكيتين، وإيرباص وليوناردو الأوروبيتين، ساهمت في: نقل تقنيات متقدمة في أنظمة الرؤية الليلية والاتصالات الميدانية، تطوير محاكاة تدريب واقعية عالية الدقة، بناء منظومات قيادة وسيطرة (C2/C4ISR) متكاملة، ربط القوات الخاصة بشبكات الطائرات بدون طيار (UAVs) والمراقبة التكتيكية الجوية. هذا الدعم مكّن دول الخليج من بناء قوات نخبة ذات جاهزية تقنية وعملياتية عالية، قادرة على العمل ضمن بيئات شبكية مشتركة (Joint Ops)، وعلى التكيف السريع مع متطلبات ساحات المعارك الحديثة، التي تتطلب مرونة، سرعة، وتفوقًا معرفيًا.
كما تستخدم القوات الخاصة الخليجية تقنيات متقدمة، منها الطائرات بدون طيار وأنظمة الرؤية الليلية وقدرات الأمن السيبراني وأدوات المراقبة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. وتستثمر السعودية ضمن رؤية 2030، والإمارات عبر مجموعة إيدج، في تكنولوجيا دفاعية تعزز القدرات الخاصة. قال أولريش كوهن، مدير برنامج مراقبة التسلح والتقنيات الناشئة بمعهد أبحاث السلام في هامبورغ: “أصبح استخدام الطائرات بدون طيار والذكاء الاصطناعي في العمليات الخاصة واضحاً، خصوصاً للمراقبة والاستهداف الفوري.”
وتتعاون وحدات القوات الخاصة بشكل وثيق مع وكالات الاستخبارات الوطنية وشركاء أجانب في مواجهة التهديدات.
قوات النخبة الخليجية: أذرع متقدمة في ساحات النفوذ الإقليمي
من المرجّح أن تشكّل قوات العمليات الخاصة الخليجية عنصرًا محوريًا في هندسة الاستجابات العسكرية والسياسية للأزمات الإقليمية خلال السنوات المقبلة، في ظل توجه متزايد من دول الخليج لاعتماد سياسات خارجية أكثر نشاطًا وجرأة، لا سيما في مناطق شمال إفريقيا، القرن الإفريقي، وآسيا الوسطى. فالتوسع الجيوسياسي الذي تشهده دول مثل الإمارات والسعودية وقطر، مدعوم بقدرات اقتصادية وسياسية متنامية، يتطلب أدوات ميدانية قادرة على الردع، التدخل المحدود، ودعم الحلفاء في البيئات غير المستقرة، وهو الدور الذي باتت وحدات القوات الخاصة مؤهلة للعبه بفعالية متزايدة.
وقد بدأت ملامح هذا الدور تظهر بوضوح في السنوات الأخيرة، حيث لعبت القوات الخاصة الخليجية أدوارًا محورية في مسارح عمليات متعددة. ففي اليمن، شكّلت وحدات النخبة التي درّبتها الإمارات، مثل قوات الحزام الأمني والنخبة الشبوانية، ذراعًا ميدانيًا فعالًا في مكافحة الإرهاب وتأمين الموانئ والمناطق الحيوية. كما أسهمت القوات الخاصة القطرية في عمليات حفظ السلام والدعم اللوجستي في مناطق مثل دارفور، إضافة إلى تقديم التدريب والتنسيق مع مجموعات محلية في مالي وتشاد. وعلى الجانب السعودي، أدت وحدات الأمن الخاصة أدوارًا مهمة في حماية المصالح الاستراتيجية للمملكة في القرن الإفريقي، خصوصًا في جيبوتي، من خلال دعم تشكيلات محلية ومهام مكافحة القرصنة والإرهاب. تعكس هذه الأمثلة توجهًا خليجيًا واضحًا نحو استخدام القوات الخاصة كأداة تنفيذية مرنة تواكب طموحات التوسع الجيوسياسي وتستجيب لتحديات البيئات الرمادية.
خلال منتدى الدوحة في ديسمبر 2024، أشار الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم محمد البديوي إلى هذا التوجه بقوله: “مجلس التعاون يظل جسرًا للسلام والتعاون” إلا أنه أقر أيضًا بالحاجة إلى “قدرات أمنية تضمن السيادة الإقليمية” في وجه التحديات المعقدة. هذا التصريح يعكس واقعًا جديدًا يتجاوز البُعد الدفاعي التقليدي، ويضع قوات النخبة في قلب منظومة التأثير الإقليمي الخليجي، سواء من خلال الانتشار الوقائي، أو عمليات الدعم الأمني، أو حتى كجزء من أدوات “القوة الناعمة الصلبة” التي تُستخدم لتعزيز النفوذ دون الانزلاق إلى صراعات مباشرة واسعة النطاق.
لكنّ هذا الطموح لا يخلو من تحديات استراتيجية، فمع انفتاح دول الخليج على شركاء غير تقليديين – سواء عبر تعميق التعاون مع الصين أو من خلال الاستعانة بشركات أمن خاصة – تُثار في بعض الدوائر الغربية مخاوف من احتمال تآكل البناء المؤسسي على المدى البعيد، وفي هذا السياق، يشير بلال صعب، الزميل الأول في معهد الشرق الأوسط والمسؤول السابق في وزارة الدفاع الأميركية، إلى أن “السياسة المتوازنة قد تبدو منطقية في السياق الخليجي، لكن الإفراط في الاعتماد على شركاء خارجيين من خارج الأطر التقليدية يمكن أن يُضعف القوة المؤسسية الوطنية، خاصة في ظل غياب الشفافية في إدارة القدرات الخاصة”. الرسالة الأهم هنا أن قوات النخبة الخليجية لم تعد وحدات تدخل تكتيكي فحسب، بل تحوّلت إلى أداة جيوسياسية فاعلة، تمثل رافعة استراتيجية داخل منظومة أمنية مرنة تتفاعل مع التغيرات الإقليمية والدولية من موقع الفعل لا رد الفعل.