تقارير

تفاصيل العملية الأميركية في فنزويلا وكيف تفادت الإدارة الأميركية حرباً استنزافية

أذهلت العملية الخاطفة للولايات المتحدة في فنزويلا أذهان الجميع بما فيهم وزارات الدفاع، والقادة العسكريين، والخبراء في الدفاع. فهي أولاً تكسر النمط التقليدي للحروب الاستنزافية في العقدين الأخيرين كالحرب في العراق وأفغانستان، والحرب في غزة، والحرب الروسية الأوكرانية، والتي دامت أقصرها لسنتين وتخطّى بعضها العشر سنوات. وما تزال عملية “العزم المطلق”، وهو الاسم الرسمي للعملية، غامضة في بعض تفاصيلها مخلّفة وراءها الكثير من الأسئلة التي بدأت تتكشّف بعض أجوبتها في الأيام الماضية.

تجسّد هذه العملية أسلوب الإدارة الأمريكية الحالية الذي يعتمد على رفع سقف التفاوض للحد الأقصى والتركيز على الحسم السريع كعاملين أساسيين لمعالجة معظم القضايا. وقد تجلّى ذلك منذ تولي ترامب الرئاسة أوائل عام ٢٠٢٥ عبر الأوامر التنفيذية الرئاسية خاصة في إعلانه عن الرسوم الجمركية أمام كل الدول، فاتحاً لها المجال لمعالجة الخلل في ميزانها التجاري مع الولايات المتّحدة. ويمكن تتبع الأسلوب نفسه في معظم الوزارات الأمريكية، وقد توّجت بتغيير اسم وزارة الدفاع لوزارة الحرب، والتي ظهرت آثارها في هذه العملية المركّبة التي قادتها الولايات المتّحدة ضد فنزويلا فجر ٣ كانون الثاني ٢٠٢٦.

تعرض هذه المقالة ما نعرفه حتى الآن عن تطوّر الأحداث في فنزويلا والاستعدادات التي قام بها كل طرف، قبل أن ينتهي كل شيء في عملية ليلة خاطفة لم تدم أكثر من ساعتين ونصف.

الترسانة الفنزويلية لمواجهة الولايات المتحدة

لم تبدأ فنزويلا بالاستعداد لهذه العملية منذ سنة فقط، بل منذ أيام الرئيس الفنزويلي السابق هيوغو تشافز، والذي قرّر الاعتماد على أنظمة روسية وصينية بدلاً عن الأنظمة الأميركية التي تم حظر بيعها في عهد جورج بوش عام ٢٠٠٦. ويقدّر أنّ فنزويلا قامت باستثمارات تتراوح بين ٢ و ٥ مليارات دولار في منظومتها الدفاعية عبر عقود تبادل للنفط الخام مقابل السلاح مع كل من روسيا والصين. وقد تفاخرت فنزويلا دوماً بامتلاكها شبكة دفاع جوّي متعدّدة الطبقات تستطيع التعامل مع الصواريخ البعيدة والقصيرة المدة بالإضافة لقدرتها على التعامل مع الطائرات بأنواعها. وقد صُممت هذه الأنظمة لاعتراض الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيرة، والمروحيات، وحتى الطيارات الشبحية كما كانت تعلن القيادة الفنزويلية باستمرار.

المنظومة الدفاعية S-300VM في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

ويعتمد الجيش الفنزويلي، بدون أن نخوص في كل عتاده العسكري، على منظومة دفاعية جويّة تعتمد على الصواريخ الروسية وأنظمة الرادار الصينية.

  • منظومات الدفاع الصاروخي الروسية: تمتلك فنزويلاً أنظمة “إس-300 في إم”، و”بوك-إم 2 إي”، و”إس-125 بيتشورا-2 إم”، إلى جانب آلاف صواريخ أرض-جو من طراز “إيغلا-إس” وصواريخ “كيه إتش-31” المضادة للسفن، ومئات المدافع الجوية من طرز متنوعة. وقد تسلّمت فنزويلا منظومة “إس- 300 في إم” في ٢٠١٣ بادعائها أنّها أقوى أنظمة الدفاع الجوي لقدرتها على تتبع واستهداف عشرات الأهداف عالية السرعة وقادرة على التعامل مع التشويش الالكتروني والظروف الجوية المختلفة. وتشكّل هذه المنظومات عنصراً أساسيا للردع بافتراض أنها قادرة على إلحاق خسائر مادية كبيرة لأي قوة عسكرية.
  • منظومات رادار صينية مضادة للطائرات الشبحية: قدّمت الصين نظام الرادار ثلاثي الأبعاد للمراقبة  JYL-1، والقادر على الكشف عن الأهداف العسكرية البعيدة من صواريخ وطائرات، ونظام الرادار المضاد للتخفي JY-27 من تصنيع المجموعة الصينية China Electronics Technology Group، والتي سوّقت لهذه النظام في السنوات الماضية باعتباره القناص للطائرات الشبحية من طراز F-22   و F-35.

ويرجّح بعض الخبراء أن تكون المشكلة في هذه الأنظمة، لا بعدم فعاليتها المطلقة أمام التفوق الأمريكي، بل أنّ معظمها لم يتلقّ الصيانة الدورية اللازمة مما جعلهم غير قادرين على التعامل بسرعة مع العملية الأميركية الكاسحة. فكل هذه الأنظمة إما تمّ تعطيلها أو تدميرها بالعملية الأميركية في النصف ساعة الأولى من الهجوم بدون أن تستطيع إطلاق صاروخ واحد في وجه أي من الطائرات الأميركية بكل أنواعها إن كانت شبحية أو مروحية.

الاستعداد الأميركي لوجستياً وتخطيطاً

أوضح رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين في بيانه الصحفي أنّ العملية أتت نتيجة للتخطيط المحكم التي قامت به الإدارة الأمريكية بكل مؤسساتها في الأشهر الماضية، والتي استطاعت صهر جميع القدرات الأمريكية لضمان نجاح هذه العملية. وقد أوضح دان كيان عملية التنسيق المركبة بين الجيش الأمريكي، وكالات المخابرات الأمريكية، والمؤسسات القضائية بهدف واحد وهو ضمان نجاح عملية اعتقال مادورو واقتياده للمحاكمة.

وقد بدأت العملية فعلياً حين أصدر الرئيس الأميركي أمراً تنفيذياً يقضي باعتبار عصابات المخدرات كمنظمات إرهابية أجنبية، وذلك في ٢٠ كانون الثاني و٢٠ شباط ٢٠٢٥، وقد ضمّت هذه اللائحة ٨ عصابات تعمل في أميركا اللاتينية، وأصبحت بالتالي تشبه في تعريفها مجموعات إرهابية كالقاعدة وداعش. وبذلك أعطت هذه القرارات للمؤسسات العسكرية والاستخباراتية والقضائية في الولايات المتحدة هدفاً مشتركاً تنطلق منه لمواجهة هذه العمليات ضد نظام مادورو في أمريكا اللاتينية. وبدأت على إثرها كل مؤسسة بالتحضير للعملية، وتجلّى ذلك من خلال حشد أكبر أسطول بحري للسيطرة على كل حركة الملاحة في البحر الكاريبي في شهر آب ٢٠٢٥. وقد قامت القوات العسكرية بضربات محدّدة بالاستيلاء على ناقلة نفط فنزويلية، وضرب قوارب للتهريب، بالإضافة لضرب مرفأ في فنزويلا بهدف تقويض قدرة الجيش الفنزويلي وقدرة القيادات في فنزويلا على المناورة.

ترافقت كل العمليات العسكرية المحدودة في البداية مع جهد استخباري، خاصة من قبالة وكالة الاستخبارات المركزية CIA، لتجميع القدر الأكبر من المعلومات عن نيكولاس مادورو وحركته وقد وصلت حتى لمعرفة النظام الغذائي الذي يتبعه والحيوانات الأليفة التي يعتني بها. وقد قامت بناء على هذا الجهد ببناء نموذج يحاكي الحصن الذي يختبئ فيه مادورو، وتمّ بالفعل التدرّب على عملية اعتقال مادورو في الأسابيع السابقة من قبل قوات دلتا المختصة بالمهام الخاصة الأكثر سرية تمهيداً لهذه العملية.

وقد تمّ تأطير العملية تحت عنوان إنفاذ القانون، وبالعادة تستخدم هذه الكلمة للنشاطات التي تقوم بها الشرطة لمساندة الجسم القضائي وتنفيذ قراراته. والهدف الأساسي كان القبض على مادورو كشخص تمّ الادعاء والحكم عليه في ٢٠٢٠ بتهمة تهريب المخدّرات وتكوين منظّمات إجرامية والتحريض على العنف ضد الولايات المتحدة. وبذلك تفادت الإدارة الأميركية التعقيدات التي ستطال العملية وسريتها وسرعتها إن أصبحت تحت إطار العمل العسكري الخارجي، والذي يحتاج لنقاش يخضع للتجاذبات السياسية الأمريكية الداخلية.

ويبدو مهماً عملية توحيد الجهود التي قامت بها الإدارة الأميركية فقد أخذت حيزاً أساسية من جميع التصريحات التي تلت عملية “العزم المطلق”، والتي ركّزت على قدرة التنسيق والتخطيط بين عشرات المؤسسات في إطار واحد ينسّق بكل فعالية. وربما يعيدنا هذا للصراع بين بعض هذه المؤسسات، خاصة في العهد الأوّل لترامب حيث تعدّى النقاش السياسي حينها إطار الأحزاب لتكون وكالات الاستخبارات المركزية والفدرالية جزءاً من السجال السياسي. وتعلن هذه العملية إنهاءً لتلك الحقبة، لتعمل جميع المؤسسات في تنسيق وتخطيط مشترك ضمن الإطار التي أعلنت عنه وثيقة الأمن القومي الأميركي.

العملية الخاطفة في فنزويلا

تمّت المصادقة على خطة عملية “العزم المطلق” في أوائل شهر كانون الأول ٢٠٢٥، على أن تكون العملية في نهاية سنة ٢٠٢٥، على أن يتحدّد الموعد بناءً على الظروف الجوية. وقد تمّ إجراء المراجعات النهائية مع الفرق العسكرية والاستخبارية الأمريكية لتأكيد كل الخطط العملياتية والتدابير الاحتياطية في أواخر الشهر نفسه لحساسية العملية وتعقيدها. وبالتالي فإن الولايات المتحدة كانت تستعد للإعلان عن نجاح العملية بمناسبة أعياد نهاية السنة إلا أنّ الظروف الجوية لم تكن مناسبة كما نشرت بعض التقارير.

الطائرات المروحية الأميركية فوق العاصمة الفنزويلية كاركاس فجر ٣ كانون الثاني ٢٠٢٦

أعطى الرئيس دونالد ترامب التفويض الرسمي لبدء العملية الساعة ١٠:٤٥ مساءً بتوقيت واشنطن و١١:٤٥ بتوقيت كاراكاس، لتنطلق العملية أولاً بهجوم الكتروني واسع، لم تعرف كل تفاصيله حتى الآن، وقد أدّى لانقطاع كهربائي شامل في كاراكاس.  وانطلقت في هذه الأثناء القوات الأمريكية من ٢٠ قاعدة عسكرية مختلفة في أمريكا الوسطى واللاتينية متوزعة على ١٥٠ طائرة متعدّدة الاستخدامات مثل  F-35B، F-22s، F-35s، F-18، B-2s، B-1s، وطائرات أخرى مساندة منها أنباء عن استخدام RQ-170 Sentinel وهي طائرة استخبارية لا يعرف عنها الكثير حتى الآن. وقد قامت الطائرات الشبحية بتحديد واستهداف الدفاعات الجوية حيث قامت طائرة F-22 Raptor من خلال بصمتها الرادارية المنخفضة التي جعلها غير مرئية لرادارات  S-300VM بتحديد مواقع الدفاعات الجوية والتأكّد من عدم وجود أي طائرات جوية معادية. وقامت الطائرة الشبحية F-35، والذي تسعى لامتلاكها كل من السعودية والإمارات وتركيا في المنطقة، من طراز F-35 Lightning II بعملية ربط كل أجهزة الاستشعار ببعضها للمساهمة أيضاً في تحييد الدفاعات الجوية بالكامل.

وكانت الأولوية كما يذكر دان كاين هو تحييد أي نوع من الدفاعات لإفساح المجال وحماية لسلامة الطائرات المروحية من أي خطر خلال عملها باعتقال مادورو. وبعد الهجمات السريعة التي طالت مطارات ومقرّات عسكرية في معظم أنحاء كاركاس، اتجهت الطائرات المروحية والتي تحمل عناصر من قوة دلتا في الوصول لمخبأ الرئيس الفنزويلي وزوجته. قامت الفرق التكتيكية بسرعة بتأمين المحيط عبر تحييد كل القوات والمعدات العسكرية، مما يضمن عدم وجود تهديدات من القوات العسكرية أو الشرطة الفنزويلية. وقد أسفر ذلك حسب تقارير أميركية وكوبية عن مقتل ٣٢ كوبي كانوا موكلين بحماية الرئيس الفنزويلي. تحركت العناصر بسرعة عبر المجمّع، مستخدمةً الرسوم البيانية المخطط لها مسبقًا للتنقل بكفاءة وسرعة. وكان الهدف الآني هي القبض على مادورو وزوجته قبل أن يستطيع الهروب للغرفة الفولاذية، والتي استعدوا لفتحها أيضاً بكل الأحوال إن تمكّن من الوصول إليها. وقد صرّح الرئيس الأميركي أنّ مادورو وزوجته استطاعوا بالفعل الوصول إلى الغرفة دون أن يستطيعوا إقفالها. وبعد استسلام نيكولاس مادورو وسيليا فلوريس تم نقلهما على متن الطائرات المروحية، بينما استمرت الطائرات في الجو والقوات البحرية في الحفاظ على أمن الطائرات المروحية من أي هجوم مضاد محتمل. وقد غادرت الطائرات المروحية المنطقة متجهة نحو السفينة الحربية “يو إس إس إيوو جيما” التي كانت متمركزة قبالة الساحل الفنزويلي. وانتهت العملية رسميًا بوصول مادورو إلى قاعدة ستيوارت الجوية الوطنية في نيويورك. وقد أعلن الرئيس الأميركي برفقة وزير الخارجية، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، ووزير الحرب نجاح العملية مع وجود إصابتين فقط، تضرر مروحية استطاعت العودة إلى قاعدتها، ولكن بدون أي خسائر بشرية أميركية.

تساؤلات  مفتوحة عن العملية

بعد العرض المسهب للعملية من قبل الرئيس الأميركي وفريقه والتطرّق أيضاً لمستقبل فنزويلا، أكّد ترامب أنّ فنزويلا لن تكون أبداً العراق، ولن تغرق الولايات المتّحدة في معارك مماثلة بعد الآن. ولذلك تأتي هذه العملية كنوع جديد من العمليات العسكرية التي تركّز على الحسم المطلق تفادياً للغرق في حروب استنزافية. وتطرح العملية أسئلة ومواضيع كثير في الخليج العربي، منها في الشق العسكري والدفاعي خاصّة أنّ عدّة دول في المنطقة كالسعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة وتركيا قد أبرمت اتفاقات هذه السنة لتوسيع تعاونها العسكري مع الولايات المتحدة. وأسواق النفط تأخذ أصلاً هامشاً من النقاش لما للعملية تأثير مباشر على كمية الإنتاج وسعر برميل النفط في المرحلة القادمة.

من غرفة العمليات الخاصة لحرب الفضاء الالكتروني التابعة لمشاة البحرية

ونجاح هذه العملية كما يبدو من حجمها والتقنيات التي تم استخدامها، وبعضها تمّ اختباره للمرة الأولى في ارض المعركة، يمكنه الدلالة على أهمية التكامل بين الأهداف والتكنولوجيا والعنصر البشري. ومن المواضيع التي ما تزال غامضة هو نوع الهجوم السيبراني، والذي عبّر عنه الرئيس ترامب حين بمفردة “قدرات محدّدة نمتلكها” حين تحدّث عن إطفاء الأضواء عن كل كاراكاس. وقد أوضح كاين أن قوات الفضاء الأميركية بالإضافة لوكالة الأمن السيبراني قد ساهما بشكل مباشر في العملية من خلال التمهيد للقوات العسكرية للقيام بعملها. ومن المهم هنا التذكير أنّ ترامب قام في ولايته الأولى بتوسيع صلاحيات البنتاغون للقيام بعمليات سيبرانية هجومية، وقد قامت إدارة بايدن بإعادة النظر في هذه الصلاحيات.  ويبرز في هذه العملية أيضاً التكامل والتنسيق والتخطيط كقدرة أساسية لا يمكن التعويض عنها بالتكنولوجيا الأحدث أو القدرة البشرية الأكفأ، وتطرح بالتالي تساؤلات إضافية عن المنهجيات والأساليب والأطر التي تمّ الاعتماد عليها لإتمام عملية ستظل محطّ ذهول من الناحية التقنية لحلفاء الولايات المتحدة وخصومها على حدّ سواء.