الدفاع المشترك في الخليج.. بين رمزية درع الجزيرة وخيارات الاستقلال الاستراتيجي
فالهجوم الإسرائيلي الأخير على الدوحة لم يكن مجرد حادث طارئ، بل مثّل كاشفًا لحدود المظلة الأمنية التقليدية، ودافعًا لإعادة تفكيك منظومة الردع الخليجية بكل ما راكمته من هياكل، وتجارب، وأزمات.
وبالتالي فإن العودة إلى مسارات “درع الجزيرة” وما تبعها من محاولات بناء قيادة موحدة، مرورًا بمحطات التدخل العسكري والتحالفات الظرفية، وصولًا إلى الاتفاقيات الجديدة وتوطين الصناعات الدفاعية، تفتح جميعها أفقًا تحليليًا لفهم أين يقف الخليج اليوم بين مسار الدفاع المشترك ومصيره في بيئة دولية تتجه نحو تعددية قطبية مضطربة.

مسارات ومحطات فاعلة في تفعيل الدفاع المشترك
منذ أن طُرحت فكرة الدفاع المشترك في أطر مجلس التعاون، بدا واضحًا أن دول الخليج تدرك أن التهديدات الخارجية تتجاوز قدرة كل دولة منفردة.
ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2006، ناقش مجلس الدفاع المشترك مقترحًا سعوديًا لتوسيع قدرات “درع الجزيرة” وتأسيس نظام قيادة وسيطرة مشترك، وهو ما شكّل خطوة لافتة في محاولة تحويل القوة من إطار رمزي إلى أداة فاعلة.
ومع أن قوام “درع الجزيرة” لم يتجاوز سبعة آلاف عنصر في بداياته، فإنه شهد نموًا تدريجيًا تجاوز الثلاثين ألفًا بحلول 2010، بين ضباط وجنود، يشكل المقاتلون ثلثيهم تقريبًا، وتواصل هذا المسار بقرار قمة 2013 بإنشاء القيادة العسكرية الموحدة، تكليفًا لمجلس الدفاع المشترك ببدء التنفيذ، في سياق رسم معادلة جديدة للأمن الجماعي الخليجي.
ولم يقتصر التفعيل على البنية التنظيمية؛ فقد دخلت قوات “درع الجزيرة” مرحلة الجاهزية عبر تدريبات سنوية مكثفة في الكويت وسلطنة عمان والسعودية منذ 2015، عكست رغبة في اختبار التنسيق العملياتي، قبل أن تمتد الخطوات لتشمل محاولات تشكيل نواة بحرية من الأسطولين السعودي والعُماني لمراقبة التحركات الإيرانية على السواحل المقابلة للخليج العربي.
كما تجلت ملامح هذا التوسع في تأسيس مركز لتشكيل وحدة الطيران العمودي في قاعدة الملك خالد شمال السعودية، بالتوازي مع مركز التنسيق البحري في البحرين، وإقرار مقر دائم للقوة في الكويت.
هذه الخطوات رافقتها إقامة مدينة عسكرية مصغرة في حفر الباطن على الحدود السعودية–الكويتية، ما أرسى ملامح بنية تحتية دفاعية خليجية تراكمت عبر عقدين، لكنها في الوقت نفسه كشفت أن الاعتماد المركزي ظل محصورًا في السعودية، حيث شكّل لواء “الملك فهد العشرون” ركيزة أساسية لهذه القوة منذ تأسيسها عام 1982، وهو ما جعل قيادة درع الجزيرة تتناوب تقليديًا مع قائد اللواء السعودي العشرين.

أ – درع الجزيرة لم يشكل درعا للخليج
لم يمثّل «درع الجزيرة» الدرع الفعلي للخليج رغم ما أحاط به من هياكل تنظيمية ورمزية سياسية، فعلى الرغم من تأسيسه كقوة مشاة آلية كاملة الإسناد — تضم المشاة والمدرعات والمدفعية ووحدات الدعم — فإن حجمه الفعلي ظل محدودًا؛ إذ لم يتعدَّ التشكيل الأولي لواء مشاة يقارب خمسة آلاف جندي فقط من دول المجلس الست، مع اعتماد شبه كامل على القوات السعودية التي شكّلت النسبة الأكبر من قوامه، مقابل مساهمات أقل من بقية الدول.
وجعلت هذه التركيبة العددية والفنية القيمة الاستراتيجية للدرع محدودة من الناحية الأمنية، وأقصى ما يمكن أن توفره هو خوض حرب دفاعية محدودة النطاق، دون امتلاك قدرة حقيقية على ردع عدوان واسع النطاق أو شن عمليات هجومية معقدة.
ومن ثمّ، ترددت العواصم الخليجية في اعتبارها أداة مركزية لتنفيذ المهام الصعبة، مثل العمليات البرية في اليمن لاحقًا، مفضّلة اللجوء إلى بدائل أكثر مرونة وفاعلية. وقد أكدت التجارب الميدانية لاحقًا هذا القصور بشكل واضح.
فقبيل الغزو العراقي للكويت في 2 آب/ أغسطس 1990، كانت وحدات درع الجزيرة متمركزة في حفر الباطن، متشكلة من لواء سعودي وآخر خليجي مشترك، لكنها لم تحرك ساكنًا إزاء الاجتياح العراقي، وهو ما كشف بوضوح عن البعد الرمزي أكثر من الفعلي لدور هذه القوة في حماية أحد أعضائها من عدوان مباشر.
وفي عام 2003، أعيد نشر القوة نفسها في الكويت أثناء الحرب على العراق، ضمن إجراءات احترازية هدفت إلى تعزيز الدفاعات في مواجهة احتمالات تسلل التهديدات عبر الحدود، لكن الدور بقي في حدود الحماية السلبية دون اختبار عملياتي يثبت جاهزيتها.
أما التجربة الثالثة فجاءت عام 2011 مع اندلاع أحداث البحرين، حيث تدخلت قوات درع الجزيرة سريعًا استجابة لطلب المنامة، في عملية عسكرية–أمنية هدفت إلى احتواء الاضطرابات التي هددت السلم الاجتماعي الداخلي.
وأكد هذا التدخل أن نطاق فاعلية القوة بقي أقرب إلى التعامل مع تهديدات داخلية أو سيناريوهات سياسية حرجة، أكثر من كونه أداة ردع صلبة موجهة للخارج، وبهذا المعنى، ظلّ “الدفاع المشترك” في صيغته التنفيذية محكومًا بإطار محدود، يُظهر هشاشة المنظومة الأمنية الخليجية في مواجهة التحديات التقليدية، ويعكس اعتمادها الكبير على الترتيبات الثنائية والتحالفات الخارجية بدلًا من الرهان على قدراتها الذاتية.
ب- عوائق بناء قوة خليجية فعّالة واللجوء إلى التحالفات العربية
رغم التجانس السياسي والاقتصادي في الخليج ووجود أطر مؤسساتية مشتركة، لم تنجح تجربة إنشاء قوة عسكرية مشتركة داخل مجلس التعاون في تحقيق الأهداف المرجوة، ومع تصاعد التهديد الحوثي في اليمن عام 2016، لجأت العواصم الخليجية إلى تشكيل تحالف ظرفي خارج مظلة «درع الجزيرة»، ضمّ شركاء إقليميين مثل مصر والأردن، إضافة إلى مساهمات من المغرب والسودان، لتعزيز فعالية العمليات البرية والبحرية والجوية.
وقد أكدت الدول المشاركة استعدادها لتوفير قوات متخصصة ضمن «القوة العربية المشتركة»، لكن الخطوة أثارت قلق بعض العواصم الغربية، التي رأت فيها تهديدًا لمعتمدية المنطقة على الحماية الغربية التقليدية. وبذلك، بقيت التجربة مؤشرًا على محدودية القوة الخليجية التقليدية وحاجة النظام الإقليمي إلى صياغة أكثر تماسكًا تجمع بين الاعتماد على الذات والانفتاح على شركاء خارجيين.

ثانياً – الدفاع المشترك بعد العدوان على الدوحة
على امتداد العقود الماضية، ارتكزت معادلة الأمن الخليجي على صفقة واضحة مع واشنطن: مظلة حماية أمريكية للعواصم الستّ في مقابل تدفق مستقر للنفط والغاز، وهذه القاعدة التي بدت راسخة تعرضت لاختبار قاسٍ بعد أزمة حصار قطر عام 2017، وما تلاها من صدمات أمنية كشفت حدود الالتزام الأمريكي.
فالهجمات المدعومة من إيران، مثل هجوم أبو خريس على منشآت نفطية سعودية في سبتمبر 2019، ثم الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة على الإمارات في يناير 2022، لم تواجه رداً أمريكيًا حاسمًا، وقد فسّرت النخب الخليجية ذلك كإشارة إلى تحول محتمل في معادلة الضمانات الأمنية التقليدية، الأمر الذي أعاد التأكيد على محدودية الاعتماد على القوى الخارجية في حماية المصالح الإقليمية.
وفق تحليل الإيكونوميست، فإن هذه اللحظة شكّلت نقطة انكسار في الرهان على الحماية الأمريكية المطلقة، فدول الخليج لم تعد تبحث فقط عن تعهدات سياسية بعدم تكرار ضربة كالتي استهدفت قطر أو غيرها، بل عن ضمانات أمنية صلبة طويلة المدى، ترتكز على أدوات ردع موثوقة لا تعتمد على تقلبات البيت الأبيض أو حسابات واشنطن الانتخابية.
ومن هنا بدأت تظهر محاولات تنويع المظلات الأمنية، سواء عبر الانفتاح على شراكات مع قوى أخرى أو تعزيز القدرات الذاتية، في مسعى لإعادة صياغة مفهوم الدفاع المشترك بما يتجاوز صيغة “الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة”.

أ – خيار التوجّه السعودي إسلاميًا
جاء الإعلان عن الاتفاقية الدفاعية المشتركة بين المملكة العربية السعودية وباكستان ليُقدّم رسالة رمزية تتجاوز الطابع البروتوكولي، مؤكّدًا مسعى الرياض لإعادة هندسة مظلتها الأمنية من منظور “إسلامي استراتيجي”. وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء السعودية (واس)، وُصفت الاتفاقية بأنها امتداد لشراكة تاريخية عمرها ثمانية عقود، قائمة على روابط الأخوّة والتضامن الإسلامي، مع إطار من المصالح الاستراتيجية والتعاون الدفاعي العميق.
وشددت وزارة الدفاع السعودية على أن الاتفاقية تحمل صفة “استراتيجية”، مع نصّ على اعتبار أي اعتداء على أحد الطرفين اعتداءً على كليهما، في محاولة لتعزيز الردع المشترك وتعويض الفراغ الذي تركه التراجع الأمريكي عن أدوار الحماية، خصوصًا بعد أزمة حصار قطر والهجمات الإيرانية ضد منشآت سعودية وإماراتية.
ومع ذلك، يبقى استخدام مصطلح “استراتيجي” إلى حد كبير رمزيًا؛ فالالتزامات العملية العسكرية والنووية للاتفاقية تبقى غامضة ومحدودة ومقيدة بشروط عديدة، ولا تشير إلى تحول جذري في قدرة الردع الفعلية. كما أن الاتفاقية لا تمثل قطيعة مع الحلفاء الغربيين، إذ يظل البلدان ضمن ترتيبات القيادة الوسطى الأمريكية (سنتكوم). بعبارة أخرى، يعكس الخيار السعودي‑الباكستاني محاولة لتوسيع دوائر الأمان وتنويعها، وليس استبدالها، مع توظيف الروابط الإسلامية لتعزيز التوازن الدفاعي الخليجي في ظل مرحلة ما بعد الخذلان الأمريكي.
ب – تفعيل توطين الصناعات العسكرية بعد مواقف واشنطن
من بين التحولات الأبرز التي دفعت الخليج إلى مراجعة استراتيجيته الدفاعية، كان موقف واشنطن من الملف الإيراني، فرغم الشكوك المتكررة حول تجارب طهران النووية واحتمال تطويرها لرؤوس صغيرة قابلة للحمل على الصواريخ، وتزامن ذلك مع جهود حثيثة لتعزيز برنامجها الباليستي، فإن المفاوضات الغربية – التي أفضت إلى اتفاق (5+1) – تجنبت الخوض في هذه النقطة التي تمثل كاسرًا للتوازن الإقليمي.
وبذلك ظلّت معادلة الأمن في الخليج محكومة بإرث “اتفاق كوينسي” لعام 1945، القائم على معادلة: مظلة أمريكية مقابل تدفق آمن للطاقة، غير أن الولايات المتحدة، التي رفضت صياغة معاهدة دفاعية ملزمة مع دول مجلس التعاون على غرار اتفاقها مع إسرائيل منذ 1982، اكتفت بطرح منظومات دفاع صاروخي لمواجهة التهديد الإيراني، وهو ما اعتُبر تردّدًا استراتيجيًا يعكس حدود الالتزام.
وحفزت هذه الهوّة العواصم الخليجية على البحث عن استقلالية مرنة في القرار الأمني – ما بات يُعرف بمفهوم “الاستقلال الاستراتيجي (Strategic Autonomy) – ” ليصبح خيار توطين الصناعات الدفاعية جزءًا مركزيًا من رؤية الأمن الخليجي.
وفي هذا السياق، تحوّلت الصناعة الدفاعية من قطاع هامشي إلى ركيزة استثمارية مدعومة برؤى التحول الوطني، مثل “رؤية السعودية 2030” وبرامج الإمارات وقطر الصناعية، وأخذت دول الخليج مسارًا متسارعًا من الاعتماد الكامل على الخارج إلى بناء قدرات محلية متقدمة، سواء عبر شراكات تصنيع مشترك مع الشركات العالمية أو عبر استثمارات في التقنيات المستقبلية كالذكاء الاصطناعي والأنظمة المسيّرة.

والأهم أنّ هذه الصناعة لم تعد حكرًا على تلبية الطلب المحلي، بل باتت تسعى لفتح أسواق خارجية، في إشارة إلى تحوّل الخليج من مستورد للسلاح إلى لاعب في معادلة التصدير، وهو ما يضع المنطقة على عتبة مرحلة جديدة من توازن الردع القائم على القدرات الذاتية.
وختاماً، يبدو واضحًا أن امتلاك أدوات القوة الصلبة عبر توطين الصناعة الدفاعية لم يعد خيارًا ترفيهيًا، بل رافعة مضاعِفة لفاعلية القرار الاستراتيجي المستقل لدول مجلس التعاون، فالمعادلة الجديدة تقوم على إدراك أن المظلة الأمريكية لم تعُد ضمانة كافية، وأن البديل يمرّ عبر تنويع الاتفاقيات الأمنية وبناء شراكات متعددة تعكس عالمًا يتجه بسرعة نحو تعددية الأقطاب.
وفي هذا الإطار، يثمّن الخبراء سرعة التوجه السعودي نحو اتفاقية دفاعية مع باكستان، باعتبارها رسالة صريحة مفادها أن الخليج لم يعد يربط أمنه حصريًا بواشنطن، بل يسعى لتأسيس شبكة أوسع من الضمانات، تمتد من البُعد الإسلامي إلى الصناعات الذاتية والتحالفات الجديدة شرقًا وغربًا.
ولا تعني هذه التحولات القطيعة مع الغرب بقدر ما تعني إدماج الخليج كفاعل مستقل في موازين القوى، بما يكرّس انتقاله من موقع المتلقي للحماية إلى صانع لمعادلات الردع في بيئة دولية مضطربة.