إعادة تعريف الدور السعودي في بيئة إقليمية قلقة | سليمان العقيلي
لم يكن الدور السعودي في أمن الخليج يوماً دوراً طارئاً أو ظرفياً، بل هو امتداد لمنطق جيوسياسي راسخ تحكمه الجغرافيا، والثقل الاقتصادي، والعمق الديموغرافي، والشرعية السياسية والدينية. وما تغيّر عبر المراحل لم يكن موقع المملكة في المعادلة، بل أدواتها، وهامش حركتها، وطبيعة الشبكات التي تتحرك ضمنها. ولهذا ظلّت الرياض، بخلاف بقية العواصم الخليجية التي غالباً ما تميل إلى أدوار تخصصية أو وظيفية، تمثل مركز الثقل الذي تتقاطع عنده التوازنات الإقليمية. هذا المعنى ينسجم مع ما ذهب إليه هنري كيسنجر في أطروحاته عن إدارة التوازنات عبر القوى الإقليمية، كما يلتقي مع مقاربة باري بوزان التي ترى أن الأمن الإقليمي يُفهم من خلال التفاعلات بين القوى الكبرى المحيطة أكثر من كونه حصيلة قرارات منفردة.
تاريخياً، لم يتشكل هذا الدور في لحظة حديثة، بل يعود إلى البنية التأسيسية للدولة السعودية منذ عام 1727 حيث نشأت معادلة أمنية تجمع بين الشرعية والتحالف والقدرة على ضبط المجال الجغرافي. وهو ما وثقته كتابات المؤرخين مثل باسكال مينوريه في كتابه “اللغز السعودي: رؤية تاريخية”.
وقد واجهت الدولة السعودية، عبر مراحلها الثلاث، تحديات متكررة: تمدد قوى إقليمية نحو الجزيرة العربية، وصراعات داخلية على النفوذ، وهو ما استدعى دائماً مزيجاً من الردع، والتحالف الانتقائي، والاحتواء السياسي. ويُقرأ هذا المسار أيضاً في ضوء أطروحات أرنولد توينبي حول استجابة الدولة للتحديات؛ فالقوة لا تتشكل فقط من الموارد، بل من القدرة على تحويل التهديد إلى فرصة لإعادة التنظيم السياسي.
ومع توحيد المملكة واكتشاف النفط، انتقل الدور السعودي من نطاق إقليمي دفاعي إلى موقع فاعل في النظام الدولي للطاقة والأمن. وأعادت الشراكة مع الولايات المتحدة منذ 1945 صياغة هذا الدور ضمن معادلة “الطاقة مقابل الأمن”، كماهي مسجلة في سجلات وزارة الخارجية الأمريكية. لكنها لم تُلغِ استقلالية القرار السعودي بقدر ما أعادت تشكيل أدواته. وهنا يمكن استدعاء منظور روبرت كيوهان عن الاعتماد المتبادل المعقّد، إذ لم تعد العلاقات الدولية تُدار بالهيمنة الصلبة وحدها، بل بشبكات المصالح المتبادلة التي تمنح الفاعل الأكبر قدرة أوسع على المناورة.
من العمودين إلى الانكشاف الإقليمي
في سبعينات القرن الماضي، جاءت نظرية “العمودين المتقابلين ” لتعكس تصوراً أمريكياً لإدارة أمن الخليج عبر قوتين إقليميتين: السعودية وإيران. وقد شرح وزير الخارجية الأمريكي ومستشار الامن القومي السابق هنري كيسنجر في مذكراته نظرية العمودين المتقابلين في الخليج او ما عُرف بـ “مبدأ نيكسون”، الذي يقوم على الاعتماد على الحلفاء الإقليميين بدلاً من التدخل العسكري المباشر. وجاء ذلك المبدأ في أعقاب الفشل الأمريكي في فيتنام.
إلا أن هذا التوازن الإقليمي كان هشاً، إذ اتسمت العلاقة بين الرياض وطهران بتنافس مضبوط لا بشراكة استراتيجية. ويُفسَّر هذا النمط أيضاً في ضوء نظرية توازن القوى عند والتز، التي ترى أن البنى الإقليمية تستقر بالتوازن لا حين تُفرض الشراكة بين خصمين تاريخيين.
جاءت الثورة الإيرانية عام 1979 لتُنهي هذه الصيغة، وتفتح مرحلة من الانكشاف الإقليمي، حيث برزت إيران كقوة أيديولوجية تسعى لإعادة تشكيل البيئة السياسية في الخليج. وهنا ظهر الفارق البنيوي بين الدور السعودي وغيره من أدوار الخليج: فبينما اتجهت بعض الدول إلى الاحتماء بالمظلات الخارجية، دفعت الرياض نحو بناء إطار جماعي تمثل في مجلس التعاون. وهذا يتقاطع مع ما طرحه باري بوزان حول الهياكل الأمنية الإقليمية، حيث يصبح الجوار الجغرافي والتفاعلات المتراكمة هي المحدد الأساسي لشكل الأمن، لا الضمانات الخارجية وحدها.
مجلس التعاون: بناء الإطار الجماعي
شكّل مجلس التعاون محاولة سعودية-خليجية لاحتواء التهديدات عبر بنية جماعية، لكنه ظل إطاراً تنسيقياً أكثر منه نظاماً أمنياً متكاملاً. ومع ذلك، بقيت السعودية الدولة الوحيدة القادرة على ربط الأمن الخليجي بمحيطه العربي الأوسع، سواء عبر دعم العراق في الثمانينات أو دورها في تحرير الكويت أو حماية البحرين من الاختراق الإيراني، أو عبر إدارة التوازنات داخل المجلس. ويؤكد كثير من الباحثين أن المجلس مثّل استجابة دفاعية مرنة أكثر من كونه تحالفاً صلباً، وهو ما ينسجم مع منطق “التحالفات الوقائية” في بيئات التهديد المرتفع.
هذا يبرز فارقاً مهماً: فالدور السعودي بطبيعته ناظم للأمن الإقليمي، بينما تميل أدوار خليجية أخرى إلى أن تكون مكملة أو متخصصة، سواء في الاقتصاد أو الوساطة أو النفوذ الناعم. وفي الأدبيات المقارنة عن دول الخليج، تظهر السعودية باعتبارها القوة الوحيدة التي تجمع بين الشرعية الدينية، والثقل الاقتصادي، والقدرة العسكرية، والعمق العربي، ما يجعلها أقرب إلى “القوة المؤسسة للنظام” لا مجرد طرف داخله.

حرب الخليج وتكريس الاعتماد
أدى غزو الكويت 1990 إلى إعادة هيكلة الأمن الخليجي تحت المظلة الأمريكية. صحيح أن ذلك وفر حماية فورية، لكنه عمّق الاعتماد الاستراتيجي، وحدّ من تطور منظومة أمنية خليجية مستقلة. ويجد هذا التوصيف صداه في أعمال محللين رأوا أن أمن الخليج بعد 1990 دخل مرحلة “الضمان الخارجي المكلف”، حيث توفر القوة العظمى الحماية لكنها تحتكر في الوقت نفسه القرار العسكري الاستراتيجي.
ومنذ ذلك الحين، نشأت مفارقة: أمن مضمون خارجياً، مقابل قدرة محدودة على الفعل الذاتي. وكانت السعودية الأكثر إدراكاً لهذه المعضلة، بحكم حجمها ومسؤولياتها، وهو ما سيظهر لاحقاً في سعيها لاستعادة المبادرة. ويمكن هنا استحضار أطروحة سامويل هنتنغتون عن “الدولة المحورية” التي تتحمل أعباء استقرار محيطها السياسي أكثر من غيرها، بما يجعل أي تراجع في قدرتها على المبادرة انعكاساً على البنية الإقليمية بأكملها.
اليمن واستعادة المبادرة
جاءت “عاصفة الحزم” 2015 كتحول نوعي في السلوك السعودي، إذ انتقلت الرياض من موقع الضامن عبر التحالفات إلى الفاعل المباشر. ورغم أن الحرب لم تحسم عسكرياً، إلا أنها أعادت تعريف قواعد الاشتباك الإقليمي، وأكدت أن السعودية قادرة على المبادرة، وإن ضمن بيئة معقدة. وتنسجم هذه المقاربة مع مفهوم “الردع الموسع” في الأدبيات الاستراتيجية، حيث لا تكفي القوة في حد ذاتها، بل يجب أن تكون مقترنة بوضوح الإرادة السياسية وإدارة الكلفة.
وفي التحليل المقارن، تكشف الحرب في اليمن عن قاعدة أساسية: الدول التي تتحرك في بيئات هشّة لا تستطيع الاعتماد على التفوق العسكري وحده، بل تحتاج إلى دمج القوة بالسياسة. وهنا تقترب التجربة السعودية من الفكرة التي طرحها نعوم تشومسكي في نقد الحروب الطويلة، وإن من زاوية مختلفة؛ أي أن الحسم في النزاعات المتشابكة لا يُبنى على الضربة وحدها، بل على هندسة سياسية مستمرة للمخرجات.
الانكفاء الأمريكي والتحول الجديد
لم يبدأ التراجع الأمريكي من الخليج مع مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية الأخيرة في يونيو 2026 والغامض مصيرها، بل هو مسار طويل تراكمي عبر سنوات. ففي عهد أوباما، بدا الاتفاق النووي لعام 2015 وكأنه تجاوز للهواجس الخليجية. ثم جاءت هجمات أرامكو عام 2019 لتكشف أن الضمان الأمريكي لا يترجم بالضرورة إلى ردع عملي. وبعد ذلك عزز الانسحاب الفوضوي من أفغانستان عام 2021 انطباعاً أوسع حول تراجع موثوقية الالتزامات الأمريكية. وقد وصف عدد من الباحثين هذا التحول بأنه انتقال من “الضمانة الأحادية” إلى “المظلة المترددة”.
التحول في البيئة الإقليمية لا يضع الرياض أمام فرصة تختار قبولها أو رفضها، بل أمام ضرورة بنيوية. وتستند هذه القراءة إلى أدبيات توازن القوى والأمن الإقليمي كما عرضها كينيث والتز وباري بوزان، اللذين يريان أن تراجع القوة المهيمنة يدفع القوى الإقليمية الكبرى إلى تحمل أدوار أمنية أكبر، وأن نجاحها يعتمد على حسن توظيف مواردها وتحالفاتها أكثر من مجرد امتلاكها. وفي هذا السياق، تبدو السعودية أقرب إلى ما يسميه هنري كيسنجر “القوة المنظمة للتوازن” لا القوة التابعة له.
التحالفات الممكنة
أثبتت التجربة أن إسرائيل ليست بديلاً موثوقاً لمظلة أمنية إقليمية مستقرة. فرغم تفوقها العسكري، لم تنجح في فرض معادلة ردع شاملة ضد إيران. وهذا يعيد الاعتبار لفكرة التوازن الإقليمي، ويفتح مساحة أوسع للدور السعودي. وتذهب بعض التحليلات إلى أن أي دور أمني إسرائيلي في الخليج سيصطدم بطبيعته مع بنية الأمن العربي نفسه وكذلك الإيراني ايضاً، وهو ما يجعل الرهان عليه محدود الجدوى.
فالفضاء الذي يُخلّفه هذا الفشل لا يُملأ تلقائياً بالدور السعودي، لكنه فرصة لإثبات خطأ من يعتقد أن إسرائيل بديل للمظلة الأمريكية المنحسرة. كما أن ذلك يعزز الخطوط الحمراء الإيرانية أمام تل أبيب المتطلعة لتلعب دوراً أمنياً في الخليج. وهذا كله يصب في صالح الدور الأمني السعودي الذي يكتسب قوته ليس من تراجع الدورين الأمريكي والإسرائيلي فحسب، بل من قدرات الرياض كقوة إقليمية قادرة على إحداث التوازن المكافئ مع إيران خاصة في مجال المسيرات والدفاعات الجوية قليلة الكلفة.
كما أن الشراكة الدفاعية السعودية مع باكستان تبقى إحدى أهم أوراق الرياض الاستراتيجية، سواء من زاوية الخبرة العسكرية أو العمق السياسي أو الردع غير المعلن. لكنها شراكة محكومة أيضاً باعتبارات باكستانية داخلية وبعلاقتها المعقدة مع إيران. ويشير بعض الباحثين إلى أن العلاقة السعودية-الباكستانية تعمل كـ “احتياط استراتيجي” أكثر من كونها تحالفاً عملياتياً دائماً.
وفيما يعكس التقارب مع تركيا براغماتية متبادلة، فإنه يمنح الطرفين مجالاً للتنسيق في ملفات المشرق، لكنه لا يزال في مرحلة اختبار عملي. وفي هذا السياق تبدو فكرة مثلث الرياض – أنقرة – إسلام آباد ممكنة من حيث المبدأ، لكنها لم تتحول بعد إلى تحالف صلب. وتبقى في الوقت الراهن قوة استقرار تدعم وظيفة التوازن الإقليمي، خاصة مع الانضمام المصري لهذا التجمع. وهذا بحد ذاته إنجاز جيد للمملكة التي خلقت هذا التجمع من أربع قوى فاعلة.
الأدوار الخليجية بين الفرص والتحديات
تتوزع أدوار دول الخليج الخمس ضمن بنية أمنية تكاملية تعكس تنوع أدوات القوة وتخصصها؛ فالإمارات تمثل ركيزة القوة البحرية واللوجستية عبر قدراتها بهذين المجالين وشبكة موانئها العابرة للأقاليم، مركزةً على حماية سلاسل الإمداد والممرات الحيوية، بينما تؤدي قطر دور “الوسيط البنيوي” من خلال الدبلوماسية متعددة الأطراف والإعلام واستضافة قاعدة العديد، بما يمكّنها من إدارة قنوات الاتصال بين الخصوم. في المقابل تحافظ الكويت على موقع “صمام التوافق” عبر دبلوماسية هادئة تحدّ من الاستقطاب داخل مجلس التعاون، وتجسد عُمان نموذج الحياد الاستراتيجي القادر على خفض التصعيد واحتضان التفاهمات الحساسة مستفيدة من موقعها عند مضيق هرمز وعلاقاتها المتوازنة. أما البحرين، فتشكّل نقطة ارتكاز بحرية متقدمة باستضافتها الأسطول الخامس، ما يعزز معادلة الردع والمراقبة في غرب الخليج. وضمن هذا التوزيع، يظل الثقل السعودي الإطار الجامع الذي يمنح المنظومة عمقها الاستراتيجي، بحيث ينبع أمن الخليج من تكامل هذه الأدوار أكثر من اعتماده على تفوق دولة واحدة.
لكن يبقى تحدي الخلاف السعودي الإماراتي من أكثر الملفات حساسية، لأنه يمس القاعدة التي يفترض أن يستند إليها دور الرياض. فالإمارات سلكت مساراً مختلفاً في العلاقة الوثيقة مع إسرائيل، وفي إدارة ملف اليمن، وفي سياسات الطاقة، وفي التحالفات الإقليمية. وتوضح التحليلات الخليجية أن بداخل مجلس التعاون تباينات واضحة في تعريف التهديدات وترتيب الأولويات الاستراتيجية.
التحدي السعودي هنا مزدوج: إقناع أبوظبي بأن الدور السعودي المتصاعد لا يأتي على حساب مكانتها، والقدرة على اجتراح الحلول البديلة في حال عدم معالجة هذا الخلاف. هذا التباين لا يعني انهيار العلاقة، لكنه يعني أن السعودية تحتاج إلى إدارة الخلاف بالمناورة الحذرة حتى لا يتحول التنافس إلى تفكك داخل المنظومة الخليجية. وهذه المقاربة قريبة مما يسميه علماء السياسة “إدارة المنافسة داخل التحالفات”، حيث تصبح الوحدة ليست غياب الخلاف، بل القدرة على احتوائه.
ومن الممكن أن تتبلور صيغة أمنية لأربع أو خمس دول خليجية تمثل السعودية عمقها الاستراتيجي إذا ما تعذر التفاهم السعودي الإماراتي وهو أمر متوقع بسبب التباينات في النموذج الأمني لكل منهما؛ حيث تميل ابوظبي للتحالفات الخارجية، فيما تركز الرياض على القوة الذاتية.
التفاهم مع إيران
التقارب السعودي الإيراني الذي جرى بوساطة صينية عام 2023 فتح هامشاً مهماً للتهدئة، وأظهر أن الرياض قادرة على تنويع قنواتها وتوسيع خياراتها. كما أرسل رسالة واضحة إلى واشنطن بأن السعودية لم تعد رهينة لمسار أمريكي واحد. وقد قرأت بعض الدراسات هذا التقارب باعتباره مثالاً على الدبلوماسية الوقائية التي تسعى لتقليص الكلفة قبل الانزلاق إلى المواجهة.
لكن هذا التفاهم كان هشاً بطبيعته وهو الآن معلقاً. فقد كسرته طهران باعتداءاتها على الأراضي السعودية. والتنافس الأيديولوجي لم يختفِ، وشبكات النفوذ الإيرانية في اليمن والعراق ولبنان ما زالت قائمة، فضلاً عن اختلاف الطرفين في تصورهما للنظام الإقليمي. لذلك فإن هذا المسار يظل محكوماً بميزان المصالح لا بتحول جذري في نوايا الطرفين. وهنا تبرز أطروحة باري بوزان مجدداً: العلاقات بين القوى الإقليمية لا تُبنى على الثقة، بل على إدارة الخوف المتبادل.
الصين والدور المتوقع
أصبحت الصين لاعباً مؤثراً في الخليج، لكن حضورها لا يعني أنها تريد استبدال الولايات المتحدة كضامن أمني. بكين تفضّل الاستقرار وأمن إمدادات الطاقة أكثر مما تتحمل كلفة الانخراط الأمني المباشر. وتشير الأدبيات الحديثة إلى أن الصين تستخدم أدوات النفوذ الاقتصادي والوساطة السياسية، لا أدوات التورط الأمني الثقيل.
ولقد أظهرت زيارة وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى بكين أن الرياض لا تختبر قدرات الصين بقدر ما تقيس تموضعها داخل بيئة أمنية خليجية لم تعد فيها واشنطن المرجع الوحيد، بينما تسعى بكين إلى تثبيت دورها كوسيط وشريك اقتصادي من دون أن تتحول إلى ضامن أمني كامل. والسؤال الأهم ليس هل تستطيع الصين أن تحل محل الولايات المتحدة، بل هل تستطيع أن تمنح الرياض وطهران معاً حدًا أدنى من ضمانات الاستقرار التي تمنع الانزلاق المتكرر نحو التصعيد. ويعكس هذا المسار ما يصفه كيسنجر بنظام “توازن متعدد المراكز” يتيح للقوى الوسطى مساحة مناورة أكبر.
ماذا تعني التعددية القطبية؟
في عالم يتجه نحو التعددية القطبية، تزداد مساحة الحركة أمام الرياض. فالسعودية تستطيع أن تكون شريكاً أمنياً لواشنطن، وشريكاً اقتصادياً لبكين، وحليفاً نفطياً لموسكو، ومحاوراً دبلوماسياً في ملفات إقليمية متعددة، من دون أن تنحصر في محور واحد. وهذه المرونة باتت أحد أهم مصادر القوة السعودية. وهذه بالضبط إحدى النقاط التي ركزت عليها تحليلات حديثة عن انتقال المملكة من “سياسة رد الفعل” إلى “سياسة التموضع الذكي”.
التعددية القطبية تمنح السعودية فرصة لتوسيع الشراكات وعدم الارتهان لمحور واحد، ما يزيد قدرتها على تنويع مصادر القوة والعلاقات الخارجية. وهذا ينسجم مع سياسة سعودية التي تميل إلى الانفتاح الدبلوماسي وتوازن العلاقات مع قوى متعددة بدل الاصطفاف الصارم.
وفي ظل تراجع دور النفط قد تهيئ المنافسة بين القوى الكبرى على المزايا الجيوسياسية للسعودية والمنطقة فرصة لتعظيم دور المنطقة في السياسات الدولية.
لكنها تحمل أيضًا مخاطر واضحة: فكلما تعددت المنافسة بين المراكز الكبرى، زادت احتمالات تضارب المصالح فوق الإقليم، وتحول الشرق الأوسط إلى ساحة منافسة بين القوى بدل أن يكون مجالًا لترتيبات أمنية مستقرة.
كما أن تعدد الشركاء قد يخلق توقعات متناقضة من الرياض، ويضعها أمام اختبار دائم للموازنة بين الحلفاء والشركاء والخصوم والضغوط الاقتصادية والأمنية.
الدور السعودي المقبل
يمكن للسعودية خلال الفترة المقبلة أن تعزز دورها في الأمن الإقليمي عبر مزيج من الردع الدبلوماسي، وبناء الشراكات الأمنية، وتخفيف التوترات عبر الوساطة، مع الاستمرار في ربط الأمن بالتنمية والاستقرار الداخلي والإقليمي.
كما أن التعددية القطبية تمنح المملكة هامش حركة أوسع وفرصًا أكبر للمناورة، لكنها في الوقت نفسه ترفع كلفة التوازن بين القوى الكبرى.
ما الذي يمكن أن تفعله السعودية؟
السعودية تبدو أقرب إلى نموذج “الفاعل الموازن” لا “القائد المنفرد”، أي أنها تعزز الأمن الإقليمي عبر تقليل الفراغات السياسية والأمنية بدل إدارة المنطقة بمنطق المحاور الحادة. وفي هذا الإطار تبرز أدوات عملية مثل دعم التسويات السياسية، وتكثيف التنسيق الخليجي والعربي، وتوسيع قدرات الدفاع الذاتي، والاهتمام بأمن الطاقة والملاحة البحرية والأمن السيبراني.
تمتلك المملكة عناصر قوة تجعلها مرشحة للبقاء في قلب معادلات الخليج والمنطقة: وقد وسعت بالإضافة لعناصر قوتها التقليدية دورها في الجغرافيا اللوجستية الجديدة لسلاسل الإمداد وخطوط الطاقة بعد الضغوطات على مضيق هرمز.
ويمكن القول إن الدور السعودي لا يواجه أزمة في الارادة والموارد، بل في قلق البيئة الإقليمية وسيولتها السياسية. فالمملكة تملك أوراقاً كثيرة، لكنها تحتاج إلى توظيفها ضمن رؤية استراتيجية مرنة وديناميكية، قادرة على استثمار التحولات الدولية ومعالجة التطورات الإقليمية بفاعلية من دون التفريط بمصالحها. وهنا يلتقي الواقع السعودي مع ما تسميه الأدبيات المعاصرة “القيادة التنظيمية”؛ أي القدرة على جمع التوازن، والتحالف، والردع، والوساطة ضمن مشروع واحد لا يتناقض مع ذاته.

المصادر
[1] السعودية في النظام الدولي المتحوِّل: من إدارة التوازنات إلى صناعة التأثير العالمي
[2] مستقبل الدور السعودي في المنطقة- الورقة الأولى | مركز الجزيرة للدراسات
[3] مستقبل الدور السعودي في المنطقة الورقة الثانية | مركز الجزيرة للدراسات
[4] من النفط إلى الهوية.. سردية جديدة في العلاقات السعودية – الأميركية
[5] The Gulf Cooperation Council
[6] Post-War Dynamics: The Gulf at the Center of a New World Order
[7] The Role of the Gulf Cooperation Council (GCC) Countries
[8] Gulf Cooperation Council (GCC) | History, Member
[9] Rethinking GCC Security: Lessons From the Saudi-Led Coalition
[10] How Gulf States Are Reinterpreting National Security Beyond Their Land Borders
[11] Stabilizing Pakistan-Gulf Relations in the Post-Yemen Crisis Period