الخليج وواشنطن: إعادة ضبط الشراكة | د. بدر السيف
دخلت العلاقات بين دول الخليج والولايات المتحدة مرحلة جديدة في ظل إدارة ترامب الثانية، تتسم برسائل متباينة، وتوقعات لم تتبلور بصورة واضحة، يرافقها ميل إلى التركيز على المدى القصير وتركيز مفرط على الصفقات. ولا تقتصر هذه السمات على الإدارة الأمريكية الحالية؛ فقد برز بعضها، بدرجات متفاوتة، في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط منذ عهد إدارة أوباما، بالتوازي مع الحديث عن تراجع معادلة «النفط مقابل الأمن» المرتبطة بعقيدة كارتر، والتوجه نحو التخفف من عبء الانخراط في الشرق الأوسط، وإعادة توجيه الاهتمام الاستراتيجي نحو آسيا. ومع ذلك، لا يعني هذا التحول بالضرورة تراجع الانخراط الأمريكي في الشرق الأوسط، بقدر ما يعكس تغيراً في نبرة السياسة الأمريكية ومضمونها، وانتقالها من قدر أكبر من الوضوح والاستمرارية إلى مساحة الغموض وعدم اليقين. وقد أسهمت الإدارة الأمريكية الحالية في تسريع بعض هذه التحولات وتعزيزها.
وقد أدركت دول الخليج هذه المتغيرات، وبدأت في تكييف سياساتها معها من خلال تنويع شراكاتها، وتقليص الاعتماد الحصري على الولايات المتحدة، وتعزيز دورها ومبادراتها الإقليمية والدولية. وعلى الرغم من هذا النهج متعدد المسارات، ستحتفظ الولايات المتحدة بمكانتها المركزية في المنطقة على المدى القصير إلى المتوسط، ليس فقط بسبب تفوقها الدفاعي والاقتصادي، رغم تعرض كليهما لضغوط متزايدة، وإنما أيضاً، وبصورة متنامية، بسبب قدراتها التكنولوجية وموقعها المتقدم في سباق الذكاء الاصطناعي. ومن هنا يبرز السؤال حول كيفية تعامل دول الخليج مع هذا المشهد الأمريكي المتغير مع الحفاظ على مصالحها. ويتطلب ذلك إعادة ضبط العلاقة من خلال المراجعة المستمرة لأولويات الشراكة الخليجية-الأمريكية، وتطوير نهج جماعي في القضايا ذات الاهتمام المشترك، والسعي إلى تحقيق مكاسب استراتيجية ملموسة.
العلاقات الخليجية-الأمريكية: من إدارة التباينات إلى بناء شراكة أكثر توازناً
لم تعد دول الخليج طرفاً ثانوياً في هذه العلاقة. فقد أصبحت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ودولة قطر، على وجه الخصوص، شركاء مهمين للولايات المتحدة في تحقيق اختراقات دبلوماسية في ملفات مثل إيران وغزة وأوكرانيا وروسيا، وفي تعزيز المصالح الاقتصادية، بما في ذلك الاستثمارات الخليجية في الولايات المتحدة وأمن الطاقة، فضلاً عن التعاون في مكافحة الإرهاب وغيرها من الملفات. وينبغي للجانبين التكيف مع هذا الواقع الجديد؛ بحيث تدرك دول الخليج وزنها المتنامي في هذه الشراكة، وتحدد أولوياتها بوضوح وتسعى إلى ضمان أخذها في الاعتبار، فيما تدرك الولايات المتحدة أهمية هذه الشراكة وتأثيرها، وتولي مصالح دول الخليج ومخاوفها الاهتمام المناسب.
لطالما كانت دول الخليج حاضرة بفاعلية في المشهد السياسي الأمريكي، مستخدمة أدوات متنوعة تتراوح بين التواصل السياسي وبناء العلاقات، وصولاً إلى الاستثمارات والتبادلات المجتمعية والثقافية. وينبغي أن يقترن ذلك بقدرة أكبر على إيصال أولويات دول الخليج ومحددات مواقفها بوضوح. فعلى سبيل المثال، يمثل نجاح السعودية في التأثير في السياسة الأمريكية تجاه سوريا نموذجاً مهماً يمكن البناء عليه في ملفات أخرى، مثل إيران والصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. ولا تكمن المشكلة في غياب الجهود الخليجية، بقدر ما تكمن في إمكانية توظيف ثقل العلاقات الخليجية-الأمريكية بصورة أكثر فاعلية في هذين الملفين. فقد تبنت الولايات المتحدة في بعض المراحل سياسات لم تنسجم بالكامل مع تفضيلات دول الخليج أو تقديراتها للمخاطر، ما جعل دول المنطقة أكثر عرضة لتداعيات التصعيد بين واشنطن وطهران.
الدوائر السياسية الأمريكية ليست كتلة متجانسة، وهناك العديد من المسؤولين وصناع السياسة الأمريكيين الذين يدركون المخاوف الخليجية بشأن إدارة الولايات المتحدة للحرب وتداعياتها الإقليمية. وقد ظهر ذلك بوضوح خلال زيارة الوزير روبيو إلى الخليج الشهر الماضي، حيث أتاحت الزيارة فرصة لمناقشة المخاوف الخليجية بشأن الاتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة وإيران، المعروف أيضاً بمذكرة التفاهم. ولم تعالج المذكرة بصورة كافية أحد أبرز الشواغل الخليجية، والمتمثل في السياسات الإيرانية وتدخلاتها في شؤون عدد من الدول العربية. كما لم تتناول برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، وأرجأت مناقشة البرنامج النووي، في حين تضمنت ترتيبات اعتبرتها دول الخليج أكثر استجابة للمطالب الإيرانية، من بينها الإعفاء المؤقت من العقوبات المفروضة على النفط الإيراني والترتيبات المقترحة المتعلقة بمضيق هرمز، وهو ممر مائي دولي بالغ الأهمية. أصبحت هذه المذكرة الآن جزءاً من مرحلة سابقة، لكنها تقدم دروساً مهمة للمستقبل؛ فالتشاور المبكر والأكثر انتظاماً بين الولايات المتحدة ودول الخليج، إلى جانب مشاركة خليجية أكثر فاعلية في بلورة التصورات المطروحة، كان من شأنه أن يسهم في صياغة ترتيبات تراعي بصورة أفضل مصالح دول الخليج والولايات المتحدة، وربما إيران أيضاً، من خلال فتح المجال أمام معالجة أوسع للأسباب الجذرية للتوتر، بما يمهد الطريق نحو تسوية أكثر شمولاً واستدامة.
وقد تضمن البيان الوزاري المشترك بين دول الخليج والولايات المتحدة رسائل مهمة، بدءاً من التأكيد على «التزام الولايات المتحدة الراسخ تجاه أمن دول مجلس التعاون» و«التصدي لجميع أشكال التهديدات الإيرانية». لكن الاختبار الأساسي يكمن في التنفيذ وفي القدرة على التعامل مع تعدد التوجهات داخل الإدارة الأمريكية الحالية. وسيتطلب ذلك دبلوماسية خليجية نشطة ومستمرة وحضوراً فاعلاً في دوائر صنع القرار في واشنطن. علاوة على ذلك، لن تتحول المبادئ الواردة في البيان المشترك إلى نتائج مستدامة ما لم تقترن بمراجعة أشمل للعلاقة. وينبغي تحديث الشراكة الدفاعية بما يراعي التحولات في قطاع الدفاع، وطبيعة التهديدات الجديدة، ولا سيما أنماط الحرب غير المتكافئة التي برزت في منطقة الخليج، فضلاً عن متطلبات بناء منظومة أمنية إقليمية أكثر قدرة على التعامل مع هذه التحديات، من دون المساس بالروابط الأساسية مع الولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي اختزال العلاقات الخليجية-الأمريكية في بعدها الدفاعي، رغم أهميته ومركزيته التاريخية. فهناك مجالات أخرى لا تقل أهمية، من بينها التجارة والطاقة والتكنولوجيا والثقافة والتعليم. ومن شأن التعامل مع هذه الملفات ضمن رؤية متكاملة أن يعزز تأثير الشراكة واستدامتها، إذ إن مرحلة التعامل مع كل ملف بمعزل عن الآخر لم تعد تتناسب مع طبيعة العلاقة الحالية.

خليج واحد أم مسارات متعددة؟
لكي تتبلور إعادة ضبط العلاقات الخليجية-الأمريكية بصورة فعالة، تحتاج دول الخليج إلى قدر أكبر من التنسيق حول الأهداف والمطالب المشتركة. وقد أطلقت الولايات المتحدة والدول الخليجية الست، على مر السنين، حوارات استراتيجية أصبحت إحدى الصيغ الرئيسية لتنظيم العلاقات الثنائية. بدأت هذه الحوارات مع المملكة العربية السعودية عام 2005، ثم الكويت عام 2016، وقطر عام 2018، والإمارات العربية المتحدة والبحرين عام 2020، وسلطنة عمان عام 2023. وتوفر هذه الحوارات إطاراً أكثر انتظاماً وفاعلية للعلاقات، من خلال تواصل مستمر على مدار العام ضمن مجموعات عمل موضوعية تشمل الدفاع والأمن، والاقتصاد والتجارة، والثقافة والتعليم، إلى جانب لجان أخرى، وصولاً إلى الاجتماع السنوي رفيع المستوى أو الحوار الاستراتيجي.
ويظل التعامل الثنائي مع القضايا هو النهج الطبيعي في العلاقات بين الدول، لكن هذا المسار يمكن أن يتكامل مع نهج جماعي خليجي-أمريكي في القضايا التي تتقاطع فيها المصالح. وقد برز هذا النهج خلال إدارة أوباما في قمة كامب ديفيد عام 2015، ثم في الرياض في أبريل 2016، وتكرر في مايو 2017 خلال زيارة الرئيس ترامب إلى المملكة العربية السعودية. وتراجع زخم هذا المسار الجماعي خلال فترة الخلاف الخليجي بين عامي 2017 و2021، قبل أن يستعيد حضوره خلال زيارتي الرئيسين بايدن وترامب في يوليو 2022 ومايو 2025 على التوالي. وقد يكون الوقت مناسباً الآن للبناء على هذا النهج، مع ضمان انتقاله من إطار اللقاءات والبيانات المشتركة إلى آليات أكثر انتظاماً ونتائج أكثر وضوحاً.
ولا يتعين على الإطار الجماعي الخليجي-الأمريكي أن يشمل جميع القضايا والتفاصيل التي تعالجها العلاقات الثنائية، بل يمكن أن يركز على عدد محدود من الملفات الاستراتيجية والحساسة التي تستفيد بصورة أكبر من التنسيق الجماعي، مثل الدفاع المشترك وسياسات التكنولوجيا. ومن شأن بلورة مواقف مشتركة في هذه المجالات أن تعزز القدرة على تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة.

السعي إلى تحقيق مكاسب استراتيجية
لم تتطابق السياسة الأمريكية تجاه المنطقة دائماً مع أولويات دول الخليج العربية. وقد برزت تباينات في المواقف خلال الاحتجاجات العربية في 2010-2011، وفي التعامل مع الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، وكذلك في الاستجابة للهجمات التي استهدفت السعودية عام 2019 وأبوظبي عام 2022. كما برزت مخاوف خليجية من تداعيات التصعيد الإقليمي وإمكانية امتداده إلى أراضي دول الخليج، كما حدث في الدوحة في أعقاب «حرب الاثني عشر يوماً» في يونيو، ثم في سبتمبر 2025، وتجددت هذه المخاوف خلال الصراع الدائر منذ 28 فبراير 2026. وعلى الرغم من أن دول الخليج وجدت نفسها متأثرة بصورة مباشرة بتداعيات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، ولا سيما في ظل الهجمات الإيرانية، فإن العلاقات الخليجية-الأمريكية حققت في الماضي، ولا تزال تحقق، نتائج مهمة. وتوضح مكاسب بارزة تحققت خلال الأسابيع القليلة الماضية حجم الفرص التي يمكن البناء عليها.
فقد حققت الإمارات العربية المتحدة تقدماً مهماً من خلال تخفيف الولايات المتحدة بعض القيود المفروضة على تصدير التقنيات الحساسة في المجالات العسكرية والفضائية والذكاء الاصطناعي، بما يدعم خطط التحول الوطني الإماراتية. كما وقعت المملكة العربية السعودية اتفاقية تاريخية للتعاون في مجال الطاقة النووية المدنية، من شأنها الإسهام في تنويع مصادر الطاقة ودعم أهداف الطاقة النظيفة. وجاءت هذه المكاسب ثمرة للعلاقات طويلة الأمد بين دول الخليج والولايات المتحدة، واستمرار التعاون بين الجانبين في المجالات الأمنية والاستراتيجية، رغم وجود تباينات ومخاوف خليجية، غالباً ما يجري التعبير عنها بعيداً عن العلن، بشأن بعض جوانب المقاربة الأمريكية لأمن الخليج في سياق الحرب الدائرة. وينبغي النظر إلى هذين الإنجازين باعتبارهما نقطة انطلاق نحو شراكة متجددة، ويمكن تعظيم أثرهما إذا أُتيحت لبقية دول الخليج، كل وفق قدراتها وأولوياتها، فرص للمشاركة في المبادرات الناشئة عن هذه الاتفاقات والاستفادة منها.
ولكي تسير العلاقات الخليجية-الأمريكية على مسار أكثر استقراراً وفاعلية، يحتاج الجانبان إلى فهم أفضل لأولويات كل منهما، والتكيف مع التحولات التي تشهدها دول الخليج والولايات المتحدة على حد سواء، وإدراك الفرص والقيود التي يفرضها كل طرف على الآخر. ومن شأن اتباع نهج شامل وجماعي وواقعي أن يساعد على تطوير هذه العلاقة نحو شراكة أكثر توازناً واستدامة، وقادرة على تحقيق مصالح الطرفين.
