آراء

الوهم القائل بمجانية العبور: لماذا لم تنتهِ المعركة حول مضيق هرمز؟ | زيد بلباجي

مذكرة تفاهم فرضتها الضرورة الاستراتيجية 

اعتُبرت مذكرة التفاهم الموقعة مؤخراً بين الولايات المتحدة وإيران خطوة مهمة نحو استعادة الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التوصيف يغفل طبيعة الاتفاق الحقيقية. فهذه المذكرة لا تعكس تقارباً سياسياً حقيقياً بين الطرفين بقدر ما تمثل ترتيباً لوقف الأعمال العدائية، فُرض بفعل ظروف استثنائية بعد نزاع تكبّد فيه الجانبان خسائر عسكرية واقتصادية واستراتيجية كبيرة. كما تعكس، قبل كل شيء، حاجة ملحّة إلى احتواء الاضطرابات التي أصابت أحد أهم الممرات البحرية في العالم. 

وتُعدّ الظروف التي أُبرم فيها الاتفاق غير مسبوقة. فللمرة الأولى منذ قيام الجمهورية الإسلامية، يدخل الطرفان في مفاوضات لا سعياً إلى تجنب حرب، بل في أعقاب حرب فرضت نفسها بالفعل. والأهم من ذلك أن إيران تفاوض اليوم الدولة التي تتهمها بالوقوف وراء مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي ونحو خمسين من كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين. 

لذلك، يصعب النظر إلى مذكرة التفاهم بوصفها اختراقاً دبلوماسياً حقيقياً. فهي لا تقوم، كما هو الحال في الاتفاقات التقليدية للسلام، على الثقة أو المصالح المشتركة، بل تمثل استجابة لضرورة فرضتها الحرب نفسها: احتواء تداعياتها المباشرة مع الحفاظ على المصالح الاستراتيجية لكل طرف. ويُظهر التاريخ أن الاتفاقات التي تُبرم في ظل ظروف كهذه، وتحت ضغط الإكراه والعداء المتبادل، نادراً ما تتحول إلى سلام دائم. 

مضيق هرمز: السلاح الاستراتيجي الأهم لإيران 

كشفت التطورات التي أعقبت توقيع مذكرة التفاهم بالفعل عن هشاشتها. ففي غضون أيام قليلة من دخولها حيز التنفيذ، تبادلت واشنطن وطهران الاتهامات بانتهاك الاتفاق المؤقت الممتد ستين يوماً، وذلك عقب تقارير أفادت بشن طائرات مسيّرة إيرانية هجمات على سفن تجارية تعمل بالقرب من مضيق هرمز. 

وفي هذا السياق، تبدو فكرة بقاء المضيق مفتوحاً أمام الملاحة التجارية من دون رسوم بصورة دائمة أقرب إلى الوهم منها إلى نتيجة واقعية. كما أن الصياغة نفسها التي وردت في المذكرة تعزز هذا الغموض، إذ لا تلتزم إيران إلا ببذل “أفضل الجهود الممكنة” لضمان المرور الآمن للسفن التجارية “من دون رسوم ولمدة ستين يوماً فقط”. 

وفي الوقت نفسه، بدأت أصوات مؤثرة داخل إيران في تقديم المضيق باعتباره مصدراً طويل الأجل للإيرادات الوطنية. فقد صرّح عضو البرلمان أمير حسين ثابتي مؤخراً بأن إيران قد تحصل قريباً على “مصدر ثالث للدخل يسمى مضيق هرمز”. وذهب مهدي محمدي، المحلل الاستراتيجي ومستشار رئيس البرلمان، إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن إيران قد تتمكن من تحقيق ما يصل إلى 800 مليار دولار سنوياً من هذا الممر المائي. 

ولعل أهم ما كشفت عنه هذه المواجهة هو أن مضيق هرمز أصبح الورقة الوحيدة التي لا تستطيع القوة العسكرية انتزاعها من إيران. فالصواريخ يمكن استهدافها، والمنشآت النووية والقواعد العسكرية يمكن تحييدها، أما المضيق فلا يمكن قصفه أو تدميره أو إزالته من المعادلة. وما دامت طهران تمتلك القدرة على التأثير في حركة الملاحة، فإنها تظل تمتلك وسيلة ضغط نادرة تمنحها نفوذاً دائماً على أسواق الطاقة العالمية. 

وانطلاقاً من إدراك دول الخليج لهذه الحقيقة، تسارعت خلال الفترة الأخيرة الجهود الرامية إلى تنويع مسارات تصدير النفط وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز. ففي المملكة العربية السعودية، تجري دراسة زيادة الطاقة الاستيعابية لخط أنابيب شرق–غرب المتجه إلى البحر الأحمر بنحو مليوني برميل يومياً، بالتوازي مع مشاورات أولية مع الكويت والبحرين وقطر لربط جزء من صادراتها النفطية بهذا الممر. 

أما في الإمارات العربية المتحدة، فقد تسارعت أعمال تنفيذ مشروع خط أنابيب النفط الخام غرب–شرق الممتد إلى الفجيرة، بطاقة تتراوح بين 1.5 ومليوني برميل يومياً، على أن يبدأ تشغيله بحلول عام 2027، إلى جانب تطوير خط أنابيب متعدد المنتجات لنقل البنزين والديزل ووقود الطائرات. 

وفي العراق، أُقرت خطط لزيادة صادرات النفط عبر شبكة أنابيب كردستان–تركيا، كما انطلقت أعمال إنشاء خط البصرة–حديثة، الذي سيتيح مستقبلاً ربط الحقول الجنوبية بمسارات تصدير نحو تركيا والأردن وسوريا. 

تعكس هذه المشاريع تحولاً واضحاً في التفكير الخليجي، يقوم على تقليل الاعتماد على مضيق هرمز بعد أن أثبتت التطورات الأخيرة أن الاعتماد المفرط عليه يمثل مخاطرة استراتيجية لا يمكن تجاهلها. ومع ذلك، فإن إيران ستبقى قادرة على التأثير في الملاحة عبر المضيق، سواء بالتهديد أو بالتعطيل. وهذا النفوذ لن ينتهي بانتهاء الحرب، بل سيظل جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي، وورقة حاضرة في أي تفاوض أو مواجهة قادمة. 

مناورات الرسول الأعظم 9 للحرس الثوري الإيراني في منطقة مضيق هرمز عام 2015 (Fars)

الانقسام الداخلي وحدود مذكرة التفاهم 

لم تُنهِ مذكرة التفاهم الخلاف حول البرنامج النووي الإيراني، بل أجّلته. فما تزال قضايا أساسية، مثل تخصيب اليورانيوم، ومستقبل المنشآت النووية الإيرانية، ومخزونات اليورانيوم المخصب، وآليات التفتيش المستقبلية، من دون حسم. وإذا احتفظت طهران بجزء كبير من قدرتها على التخصيب، فإن الخلاف لن يختفي، بل سينتقل إلى جولات تفاوض لاحقة قد تكون أكثر تعقيداً من التوصل إلى وقف إطلاق النار نفسه. 

وعلى الصعيد الداخلي، تواجه المذكرة معارضة قوية تحدّ من هامش المناورة أمام القيادة الإيرانية. فقد أصدر أكثر من ستين عضواً من أصل أربعة وثمانين في مجلس الخبراء بياناً مشتركاً رفضوا فيه أي تنازلات في المفاوضات، مؤكدين أن “الخطوط الحمراء” التي رسمها المرشد الأعلى لا يجوز تجاوزها. ويضيّق هذا الموقف مساحة التسوية أمام الحكومة، ويعزز نفوذ التيار المتشدد داخل الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية، ويجعل استمرارية الاتفاق أكثر عرضة للتقلبات السياسية. 

كما وصف المجلس مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي بأنه “اغتيال”، وحمّل الولايات المتحدة وإسرائيل المسؤولية، مطالباً بمحاسبتهما. وبهذا، لم يعد الجدل محصوراً في بنود المذكرة، بل ارتبط بقضايا أمنية وسياسية أوسع، وهو ما يزيد كلفة أي تنازل محتمل. 

وفي الوقت نفسه، كشفت طريقة التعامل مع بيان مجلس الخبراء عن تباينات داخل مؤسسات الدولة. فقد انتقدت أمانة المجلس نشر البيان من دون اتباع الإجراءات الرسمية، وأكدت أنه لا يمثل الموقف الرسمي للمجلس، لكنها جددت في الوقت ذاته ولاءها لمجتبى خامنئي. ويعكس ذلك توتراً قائماً بين التيارات المتشددة التي تدفع نحو التصعيد، والحكومة التي تسعى إلى الإبقاء على هامش للدبلوماسية. 

كما أن زيارة الرئيس مسعود بزشكيان إلى مدينة قم للحصول على دعم ديني توضح حاجة السلطة التنفيذية إلى تأمين غطاء داخلي قبل المضي في تنفيذ المذكرة. وتؤدي هذه الانقسامات إلى إبطاء التنفيذ، كما تمنح المعارضين فرصة أكبر للحشد، وهو ما ظهر في الاحتجاجات التي رُفع فيها شعار “لن نقبل”. 

وتشير هذه العوامل مجتمعة إلى أن مذكرة التفاهم تمثل خطوة لخفض التصعيد أكثر من كونها اتفاقاً دائماً للسلام. فهي تخفف المخاطر الآنية التي تهدد الملاحة في مضيق هرمز، لكنها لا تعالج الانقسامات السياسية، ولا الحسابات الاستراتيجية، ولا الضغوط الداخلية التي أسهمت في اندلاع الأزمة. 

كما أن الغموض الذي يكتنف الوضع القانوني والاقتصادي للمضيق يمنح كل طرف هامشاً واسعاً لإعادة تفسير الالتزامات وفقاً لمقتضيات المرحلة. ولذلك، فإن استقرار الملاحة في مضيق هرمز لن يتحقق بمجرد الالتزام ببنود مذكرة التفاهم، وإنما سيظل رهناً بالتوصل إلى تسوية سياسية تعالج أسباب النزاع نفسه. 

ومن دون تسوية أكثر شمولاً، سيبقى الهدوء الراهن هشاً، وستظل المنافسة على المضيق قابلة للتجدد كلما تبدلت الظروف السياسية أو الأمنية. 

خلال زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان للمرجع الديني ناصر مكارم شيرازي في قم (الرئاسة الإيرانية، 2026)
كتّابنا Rutba Logo
كاتب

زيد بلباجي

معلّق سياسي مقيم في لندن وخبير في الشؤون الخليجية، ويختصّ في سياسات الشرق الأوسط والقضايا الاقتصادية. وهو كاتب في صحيفة عرب نيوز، وقد عمل سابقًا مع عدد من مراكز السياسات العامة كمعهد الشرق الأوسط ومؤسسات بحثية أخرى في المملكة المتحدة.

تابع على الشبكات الاجتماعية
زيد بلباجي