آراء

رؤية مصرية لمفهوم الأمن البحري في مضيق باب المندب ومنطقة البحر الأحمر | اللواء محمود حسنين

قناة السويس والأمن القومي المصري 

في السابع عشر من نوفمبر عام 1869، شهدت مدينة بورسعيد الافتتاح الرسمي لقناة السويس، بعد أن بدأ المصريون حفرها في الخامس والعشرين من أبريل عام 1859، في مشروع غيّر مفهوم الملاحة البحرية الدولية وأنشأ شرياناً جديداً للحياة والتجارة العالمية. 

ومن المعلوم تاريخياً أن فكرة الربط بين البحر الأحمر والبحر المتوسط تعود إلى عصر الفراعنة القدماء، وتحديداً إلى عهد الفرعون سنوسرت الثالث. وقد عبرت قناة السويس يوم افتتاحها الأسطوري 77 سفينة، من بينها 50 سفينة حربية، بهدف تيسير حركة التجارة بين الشرق والغرب. 

وتُعد قناة السويس أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وأحد أعمدة الاقتصاد المصري ومصادر الدخل القومي، كما تمثل إحدى ركائز الأمن القومي المصري. ويمر عبرها أكثر من 17 ألف سفينة سنوياً، بما يمثل نحو 12% من حجم التجارة العالمية

لذلك، كانت رؤية مصر الاستراتيجية تقوم على أن أمن وسلامة الملاحة البحرية في البحر الأحمر يبدأ من المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، أي من مضيق باب المندب، نظراً لما يتمتع به من أهمية جيوسياسية قصوى. 

وتنطلق الرؤية المصرية لأمن البحر الأحمر من ثلاثة مرتكزات رئيسية: حماية الممرات البحرية المرتبطة بالأمن القومي والاقتصاد المصري، والحفاظ على مسؤولية الدول المطلة على البحر الأحمر في إدارة أمنه، واعتماد مقاربة شاملة تجمع بين الجاهزية العسكرية ومتطلبات التنمية والاستقرار السياسي. 

باب المندب والبحر الأحمر: الأهمية الاستراتيجية 

ويُعد مضيق باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وقناة السويس، حيث يمر عبره ما يقارب 13% من حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، كما يمثل ممراً حيوياً لتجارة النفط العالمية والكابلات البحرية التي تنقل البيانات بين القارات.1 

سفينة حاويات خلال عبورها قناة السويس (Gregor Rom, 2014)

التهديدات التي تواجه الأمن البحري 

وتتعرض منطقة باب المندب والبحر الأحمر لعدد من التهديدات الأمنية، من أبرزها أعمال القرصنة قبالة السواحل الصومالية، والأنشطة الإرهابية، وعدم الاستقرار في اليمن، إضافة إلى التلوث البحري والجريمة المنظمة، وهي تحديات تؤثر بصورة مباشرة على أمن الملاحة الدولية. 

كما أن الأهمية الاستراتيجية المتزايدة للمنطقة جعلتها ساحة للتنافس الإقليمي والدولي، لا سيما في ظل ما شهدته المنطقة من تطورات خلال السنوات الأخيرة، بدءاً من الحرب الروسية الأوكرانية، مروراً بالحرب في غزة، وما نتج عنهما من اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، وصولاً إلى التوترات التي شهدتها حركة الملاحة في البحر الأحمر

ومن هذا المنطلق، ترى مصر أن أمن البحر الأحمر وباب المندب يمثل جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي، نظراً لارتباطه المباشر بقناة السويس، التي تعتمد عليها الدولة المصرية اقتصادياً واستراتيجياً. 

الدور المصري في تأمين البحر الأحمر 

وعلى الصعيد العسكري، اتخذت مصر عدداً من الإجراءات لتعزيز قدرتها على حماية مصالحها في البحر الأحمر، من بينها تطوير قاعدة برنيس العسكرية، التي تُعد من أكبر القواعد العسكرية المصرية، وتعزيز قدرات الأسطول الجنوبي، فضلاً عن المشاركة في الجهود الدولية الرامية إلى تأمين الملاحة البحرية. 

كما عززت مصر خلال السنوات الأخيرة حضورها البحري في نطاق البحر الأحمر، من خلال تطوير قدرات أسطولها الجنوبي وتكثيف التدريبات المشتركة، في إطار سعيها إلى رفع الجاهزية والاستجابة السريعة للتحديات المتزايدة التي تشهدها المنطقة. ويعني ذلك أن مصر تعمل حالياً كقوة ذات أسطولين، أحدهما في البحر المتوسط والآخر في البحر الأحمر، بما يتيح لها التعامل مع متطلبات عملياتية متمايزة في كل منطقة، وفي هذه الحالة تكييف أسطولها الجنوبي تحديداً لمعالجة الشواغل الأمنية المطروحة هنا. 

وينبغي النظر إلى هذه التطورات في سياق تحركات أوسع لزيادة قدرات قطاع التصنيع الدفاعي في مصر، ولا سيما في المجال البحري. ففي عهد الرئيس السيسي، جرى تنفيذ عدد من المبادرات المهمة، أبرزها تحديث ترسانة الإسكندرية البحرية، التي أصبحت قادرة الآن على إنتاج سفن حربية معقدة من خلال اتفاقيات نقل التكنولوجيا مع شركاء أوروبيين مثل مجموعة Naval Group الفرنسية أو شركة ThyssenKrupp الألمانية. وتمثل هذه الشراكات أمثلة على ديناميكية أوسع من الشراكات الدولية التي أسهمت في تعزيز قاعدة التصنيع الدفاعي المحلي في مصر، ومعها قدرتها على تأمين ممراتها المائية ذات الأهمية الاستراتيجية الحيوية. 

كما تشارك مصر ضمن القوة البحرية المشتركة CTF 153 المتخصصة في تأمين وحماية حركة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وقد لعبت هذه القوة دوراً بارزاً في مواجهة التهديدات التي استهدفت السفن التجارية خلال الفترة الأخيرة. 

الرؤية المصرية للأمن الإقليمي 

وفي الوقت نفسه، تؤكد مصر رفضها لأي محاولات لعسكرة البحر الأحمر أو تدويله بصورة تسمح للدول غير المطلة عليه بفرض ترتيبات أمنية لا تعكس مصالح دول المنطقة. 

وفي هذا السياق، تحرص مصر على المشاركة في الجهود الرامية إلى حماية حرية الملاحة الدولية، مع التأكيد على رفضها لأي ترتيبات تمس مسؤولية الدول المطلة على البحر الأحمر عن أمنه. 

وترى القاهرة أن أمن البحر الأحمر هو مسؤولية مشتركة للدول العربية والأفريقية المطلة عليه، وأن تحقيق الاستقرار يتطلب تعاوناً إقليمياً قائماً على احترام السيادة والمصالح المشتركة. 

كما تتميز الرؤية المصرية لأمن البحر الأحمر بعدم الاقتصار على البعد العسكري فقط، وإنما تمتد لتشمل الأبعاد السياسية والاقتصادية والتنموية، انطلاقاً من قناعة بأن تحقيق الأمن البحري المستدام يرتبط بمعالجة جذور الأزمات وعدم الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها. 

وفي ظل تصاعد التنافس الإقليمي والدولي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وما يرتبط بذلك من تحديات لأمن الطاقة والملاحة الدولية، تظل حماية البحر الأحمر ومضيق باب المندب بالنسبة لمصر قضية ترتبط مباشرة بالأمن القومي المصري والاستقرار الإقليمي، بما يفرض تبني مقاربة شاملة تجمع بين الجاهزية الأمنية والتعاون الإقليمي والتنمية المستدامة.

القوات العسكرية المشاركة في “تمرين الموج الأحمر 8” للدول المطلة على البحر الأحمر (وزارة الدفاع السعودية، 2025)
كتّابنا Rutba Logo
كاتب

اللواء محمود حسنين

عسكري مصري سابق شغل منصب رئيس شعبة الإدارة والتنظيم بقوات الدفاع الجوي وحاصل على درجة الدكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر من جامعة القاهرة. لديه أكثر من ٣٥ عاماً من الخبرات المهنية فى مجال القيادة، والعلاقات الدولية، والدبلوماسية العسكرية، والتعاون الدولي الدفاعي، والصناعات الدفاعية. وهو أول لواء من الجيش المصري يحصل على برنامج القيادة الاستراتيجية العليا من أكاديمية الدفاع للمملكة المتحدة.

تابع على الشبكات الاجتماعية
اللواء محمود حسنين