آراء

اليمن محاولة العودة إلى المستقبل | لطفي فؤاد نعمان

إطلالة عامة 

غالبًا ما تنتج أوضاع البلدان المضطربة حالة من الحيرة أثناء التفكير في واقع هذه البلدان وهي تعيش ثنائية “الحرب والفوضى” باعتبارهما الوليد التوأم لـ”الربيع العربي”، لا سيما التي تهاوى بنيان نظامها، وبات واقعه موصوفًا بـ”الهشاشة” التي أفضت إلى الابتعاد عن المستقبل والنأي عن أجمل ما فيه، والاقتراب من الماضي والاقتران بأسوأ ما فيه. 

وفي ظل الاهتزازات التي تشهدها المنطقة منذ فبراير 2026 نتيجة الحرب الإسرائيلية الأميركية الإيرانية، ومساعي توسع نطاق المواجهات لا سيما أن الجانبين الأميركي والإيراني معًا يحاولان إقحام وجر دول الخليج العربي ضمن الصراع؛ ستجد أن دول الخليج في شبه الجزيرة العربية بمنتهى الثبات، تدافع عن أراضيها وتصد اعتداءات طهران على سيادتها، وبمنتهى التوازن الواعي لم تندفع إلى خوض ”حرب من أجل الآخرين”. إنما سترى ”آخرين” في البلدان المضطربة، بمنتهى الاندفاع، صوب حرب ليست حربهم، لا سيما داخل اليمن المنقسم بين السلطة الشرعية وسلطات الأمر الواقع لا سيما جماعة أنصار الله / الحوثيين الذين يثبتون وجودهم ضمن المحور الإيراني. 

بمثابة تذكير 

فيما كنا نسمع ضجيج طبول الحرب من الضفة الإيرانية المطلة على مضيق هرمز وتهديد طهران بإغلاقه، قبل إعلان فتح المضيق 17 أبريل 2026، رأينا التلويح بإمكان مضايقة العالم عند مضيق باب المندب من ضفته “الحوثية”. حيث يعيش المواطنون تحت سيطرتهم يشهدون الماضي بأسوأ ما فيه، دون أن يدفع الحوثيون ضرًا عنهم، والدليل ما أصاب اليمن جراء تدخلهم في حرب غزة من قبل. 

قصف إسرائيلي لميناء الحديدة في اليمن، 2024

تساؤلات 

مع ما بدأ يظهر من تحولات داخل المنطقة، وملامح محاولة تدخل حوثي في الحرب، من مضيق باب المندب والبحر الأحمر، تنبعث تساؤلات عن أحوال الجمهورية اليمنية سياسيًا وأمنيًا بعد التغير الذي أحدثته التطورات الأخيرة جنوبي اليمن من ديسمبر 2025 إلى يناير 2026 ودور المملكة العربية السعودية فيها. 

- هل يمكن لها أن تتأثر بالحرب الإقليمية الأخيرة وماذا يؤثر دخول الحوثيين شمالي اليمن في سياق هذه الحرب؟ 

- كيف يمكن توقع نهاية الأزمة اليمنية ”اليمننة” ككل في خضم هذه التطورات الإقليمية والدولية؟ 

وفق المعطيات المتاحة والانطباعات المتداولة عن ”الوضع اليمني الهش” كما يصفه المبعوثون الأمميون إلى اليمن.. نحاول الإجابة ووصف الأحوال اليمنية وتحديد الأطراف الراهنة.. تلك الأطراف هي: 

1- الحكومة الشرعية في عدن، وعلى رأسها مجلس قيادة رئاسي. 

2- المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي أعلن حله من الرياض. 

3- جماعة أنصار الله / الحوثيين في صنعاء. 

كيف يعيش اليمنيون الماضي؟ 

يقال إن اليمنيين يعيدون الماضي، وبعض اليمنيين يؤكدون أنهم يعيشونه… كيف، ولماذا؟  

يكفي أن تسترجع فصولًا من تاريخ اليمن في القرن العشرين قبل نشوء الجمهوريات اليمنية شمالاً وجنوبًا سممت أجواء العلاقات اليمنية والعربية، تتعدد أطرافها الداخلية والخارجية، لترى أن المشهد اليمني منذ عام 2015 يستدعي ديناميات تاريخ قديم من الصراع السياسي يجدد يمن الستينيات، شمالاً وجنوبًا، ويثير ذكريات نزاعات كل شطر على حدة، وبين الشطرين، ثم داخل اليمن الموحد. واستعادة مصطلحات وأجواء ما قبل نشوء جمهوريتي اليمن شمالًا وجنوبًا. ناهيك عن خطاب سياسي معادٍ ومناهض لمعظم دول المنطقة، يصورها على غير حقيقتها وواقعها؛ زيادة على تآكل حقوق المواطنين. 

تعدد أطراف وسط أجواء متوترة 

إذ تحصر الجهات والدول الداعمة للأطراف اليمنية، وما أصاب أجواءها وهي: 

- المملكة العربية السعودية قائدة التحالف العربي لدعم الشرعية من عام 2015، وحاليًا تتمثل الشرعية في مجلس القيادة الرئاسي. 

- الإمارات العربية المتحدة داعمة عدد من الفصائل اليمنية حتى وقت قريب ومنها المجلس الانتقالي الجنوبي. 

- جمهورية إيران الإسلامية، تدعم جماعة أنصار الله / الحوثيين. 

ثم تنظر إلى سياق الأحداث منذ 2015 إلى 2026 يتضح كيف توترت أجواء العلاقات حتى بين شركاء الجبهة الواحدة، إثر ما تم وصفه بـ”الخطأ الاستراتيجي” من المجلس الانتقالي الجنوبي، حين حاول السيطرة على المحافظات الشرقية اليمنية المحاذية للحدود السعودية والعمانية، وأخيرًا طلبت السعودية من الإمارات “وقف الدعم للفصائل اليمنية”؛ مما يمكن قوات الشرعية الأمنية والعسكرية تولّي مهام السيطرة في مناطق الشرعية. 

وبرغم تحسن العلاقات بين الرياض وطهران بعد اتفاق بكين 2023، وظهر انعكاسه على اليمن، إلا أنها تراجعت كثيرًا نتيجة اعتداءات طهران على الرياض وبقية عواصم الخليج 2026. 

الاجتماع الثالث للجنة المشتركة السعودية الإيرانية الصينية في طهران، 2025

هكذا يعود اليمن إلى المستقبل 

تلك الحوادث المفاجئة والمتلاحقة تفتح نوافذ الإطلالة على الواقع الراهن للأطراف اليمنية المنقسمة، وبوابة التفكير فيما ينبغي لها لتعود إلى المستقبل، إذا جاز التعبير. 

• الشرعية اليمنية: وقد تشكلت حكومة جديدة مطلع 2026، تحتاج تثبيت وجودها داخليًا أكثر وتفعيل دورها بمزيد من الثبات على الأرض، لا سيما بعد إعلان حل “المجلس الانتقالي الجنوبي” مطلع يناير 2026… وانتشار ”قوات درع الوطن” المشكّلة بقرار القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس مجلس القيادة الرئاسي منذ 2023.. ثم تعيين محافظي بعض المحافظات الجنوبية والشرقية اليمنية. 

• المكونات الجنوبية: يُنتظر أيضًا إجراء حوار جنوبي شامل ترعاه السعودية وتقوم بتهيئته بالمكونات الجنوبية الذين اختاروا تلبية دعوتها، للنظر مجددًا في “القضية الجنوبية” التي سبق وأن نوقشت في مؤتمر الحوار الوطني الشامل 2013 – 2014. 

• جماعة الحوثيين في الشمال: تبدو مترنحةً بين مهددات داخلية وخارجية.. 

إذ يراهن كثير على تهديد انهيار النظام الايراني الراعي لنشاط الجماعة المتأثرة بإيران، أيًا كان ويكون وضعها، تحاول أن تبدو مؤثرة في سياق الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل وأميركا. بيد أن تأثيرها ليس مجديًا لصالح اليمن وصالحهم هذه المرة، خاصةً والسخط الشعبي الكبير، وهو تهديد داخلي كامن داخل مناطق سيطرة الجماعة ينتظر الانفجار في أي لحظة، لعله يعيد ارتباط اليمنيين بالمستقبل. 

اجتماع لمجلس القيادة الرئاسي اليمني لبحث تطورات التصعيد في المنطقة، 2026

خاتمة 

إذ يعد اليمن عنصرًا مهمًا في استراتيجيات المنطقة ويعد عمقًا للأمن الاستراتيجي لدول الخليج فإنه يتطلب من اليمنيين جميعًا: شرعية وحوثيين وجنوبيين، أن يهضمهم المستقبل ولا يلفظهم.. ويكونوا عونًا لا عبئًا. وحلًا لا إشكالًا. من خلال: 

- شرعية تعزز الوجود بمؤسسات قوية فاعلة أمنيًا وعسكريًا يمكنها ابتداع نماذج فعالة للاستقرار والتنمية والأمن والدفاع المشترك. تسيطر على سواحلها ومضائقها، لتكون قادرة على إثبات شراكتها الاستراتيجية عسكريًا مع بقية دول المنطقة. بعدما تمنع تغول تيارات مُقلِقة لأمن المنطقة. 

- مجموعة الحوثيين متى ما أدركوا حجمهم الطبيعي ومسئوليتهم يمنيًا أولًا، قبل كل شيء. 

- المكونات الجنوبية بعدم تجاوز حقائق الواقع والتاريخ، من ناحية تكوين اليمن الكبير على مر التاريخ، وما تحقق من منجزات بعد الوحدة. 

“لا ننتظر من العواصف أن تجنبنا تقديم التنازلات”، تلك خلاصة الإحاطة الأخيرة التي قدمها المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ إلى اجتماع مجلس الأمن 14 أبريل 2026.  

فعلًا، عواصف الخارج وحوادثه لا تجلب الحلول الداخلية لأحد، قد تعصف العواصف بكل ”هش” لا يقوى على التصدي لها، طالما يفتقد أدوات التشبث والتنازل ويفتقر إلى قوة الثبات في الحاضر ومن ثم العودة إلى المستقبل.

كتّابنا Rutba Logo
كاتب

لطفي فؤاد نعمان

عضو مجلس الشورى اليمني، ومحلل لشؤون البحر الأحمر بما فيها الشأن السعودي، وكاتب رأي في صحيفة الشرق الأوسط.

تابع على الشبكات الاجتماعية
لطفي فؤاد نعمان