المسيّرات والعقوبات: استنزاف الدفاعات الجوية الروسية
انخرطت روسيا في السنوات الأخيرة في عدد من النزاعات المسلحة التي سلطت الضوء على تحديات تواجهها أنظمة الدفاع الجوي الروسية. هذا تحليل لأدائها الميداني في تلك النزاعات.
في فجر الثالث من يناير من العام الجاري، وبينما كانت الطائرات الأمريكية تعبر الأجواء الفنزويلية في طريقها لتنفيذ العملية التي ستنتهي باعتقال رئيس البلاد نيكولاس مادورو شخصيًا، ربما كانت القيادة الفنزويلية على قناعة بكفاءة ما بين أيديها من أنظمة دف اع جوي حصلت عليها فنزويلا من روسيا، مثل S-300 وPantsir-S1. لكن ما كشفته تلك الساعات لم يكن مجرد قصور تقني في بطاريات لم تطلق صواريخها أو لم تكن متكاملة مع أنظمة الرادار من الأساس، بل محدودية الحزمة الكاملة التي تأتي مع السلاح الروسي: التدريب والتكامل التقني والصيانة، والدعم السياسي الذي يفترض أن تمنحه الشراكة العسكرية مع موسكو.
السمعة تخضع لاختبار ميداني
تعود السمعة العالمية لأنظمة الدفاع الجوي الروسية إلى عقود الحرب الباردة، حين بنى الاتحاد السوفيتي عقيدته العسكرية على فكرة أن التفوق الجوي الغربي لا يمكن مواجهته بالطائرات وحدها، بل بشبكات كثيفة من الصواريخ والرادارات القادرة على تحويل السماء إلى منطقة محرمة. منذ إسقاط طائرة التجسس الأمريكية U-2 عام 1960، مرورًا بالخسائر التي تكبدها الطيران الأمريكي في فيتنام، ثم الأداء المفاجئ للشبكات السوفيتية في حرب أكتوبر 1973، بدأت تتشكل صورة عالمية عن موسكو باعتبارها المدرسة الأكثر رهبة في الدفاع الجوي. عززت منظومات مثل S-300 وS-400 وPantsir هذه السمعة عبر وعود بقدرات فائقة تشمل اعتراض الصواريخ الباليستية وتغطية مئات الكيلومترات بمنظومة واحدة. وبالنسبة لكثير من الدول، لم تكن هذه الأنظمة مجرد سلاح، بل رمزًا للقدرة على ردع الولايات المتحدة نفسها. غير أنّ هذه السمعة استندت على الردع النفسي والدعاية الاستراتيجية بقدر ما استندت إلى اختبارات حقيقية لأدائها في ميدان حرب حديثة واسعة النطاق. وفي حالة أخرى لم يتم التأكد منها بشكل مستقل، كان نظام S-400 الذي تشغله الهند أحد عناصر المواجهة الهندية الباكستانية عام 2025، والتي أصدرالطرفان في أعقابها مزاعمًا متناقضة. فبينما أكدت نيودلهي أن النظام قد استخدم بنجاح لإسقاط مقاتلات وصواريخ باكستانية، زعمت إسلام أباد أن مقاتليها دمروا البطاريات والرادارات التي يتكون منها النظام. ولكن هذه المزاعم من كلا الطرفين لم يتم تأكيدها أو التحقق منها بشكل مستقل. أما في حالة روسيا، فقد مثل الانخراط الروسي في صراعات عسكرية في السنوات الأخيرة، من سوريا إلىأوكرانيا ثم فنزويلا، لحظة اختبار قاسية للفجوة بين صورة الدفاعات الجوية روسية الصنع وبين قدرتها الفعلية على توفير الحماية الجوية متعددة الطبقات.
بداية عصر حروب المسيّرات
يمثل الغزو الروسي لأوكرانيا أول اختبار واسع النطاق لمنظومات الدفاع الجوي الروسية في مواجهة حرب حديثة فعلية. فمنذ عام 2022، نفذت أوكرانيا مئات الهجمات بعيدة المدى باستخدام طائرات مسيّرة محلية الصنع أو معدلة، استهدفت قواعد جوية ومنشآت نفطية ومواقع رادار داخل الأراضي الروسية. وفي عدة حالات نجحت هذه الهجمات في تدمير أو إلحاق أضرار مباشرة برادارات ومنصات إطلاق متقدمة، بينها بطاريات S-400 في القرم. واعتمدت أوكرانيا لتحقيق ذلك على مزيج من المسيّرات منخفضة التكلفة والهياكل الخادعة والهجمات متعددة الاتجاهات وأسراب المسيّرات التي تصل تباعًا وعلى ارتفاعات مختلفة. كما استخدمت تكتيكات الطيران المنخفض جدًا لبعض الصواريخ والمسيّرات لتقليل فرص اكتشافها بسبب محدودية أفق الرادار، إضافة إلى الحرب الإلكترونية والتشويش والخداع الراداري لإرباك منظومات التتبع والاستهداف.
هذا الأسلوب أجبر الدفاعات الروسية على التعامل مع عدد كبير من الأهداف في وقت قصير، ما ساهم في استنزاف الصواريخ الاعتراضية وتشتيت الرادارات وفتح ثغرات مؤقتة أمام بعض المسيّرات أو الصواريخ للوصول إلى أهدافها. وفي حالات عديدة وثقتها صور الأقمار الصناعية وتحليلات استخباراتية مفتوحة المصدر، نجحت أوكرانيا في إصابة وتدمير رادارات ومنصات إطلاق روسية متقدمة رغم وجود طبقات دفاعية متعددة حولها. وقد أبرزت هذه التطورات أن فعالية منظومات S-300 وS-400 لا تعتمد فقط على المدى النظري للصواريخ أو تطور الرادارات، بل أيضًا على التكامل الشبكي وكفاءة الطواقم وسرعة إعادة الانتشار والحماية القريبة ضد التهديدات الصغيرة، وهي عوامل كشفت الحرب الأوكرانية أنها تمثل تحديًا حقيقيًا حتى لأحدث أنظمة الدفاع الجوي الروسية.

وفي الإمارات، أظهرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية حدود منظومة Pantsir الروسية بصورة أكثر وضوحًا. فالإمارات كانت من أوائل وأكبر مستخدمي Pantsir-S1، بعدما اشترت عشرات البطاريات منذ مطلع الألفية بهدف أساسي هو حماية المنشآت الحيوية من التهديدات منخفضة الارتفاع، خصوصًا الطائرات المسيّرة والصواريخ الجوالة. ورغم نجاح الدفاعات الإماراتية عمومًا في اعتراض نسب مرتفعة من الأهداف، إلا أن النسب الأكبر كانت في اعتراض الصواريخ الباليستية باستخدام منظومتي THAAD وPatriot وغيرهما من أنظمة دفاع جوي بعيدة المدى كمنظومة الدفاع الجوي الكورية KM-SAM. وبالرغم من عدم وجود بيانات مستقلة أو رسمية تؤكد إخفاق منظومة Pantsir-S1 في مهمتها المتمثلة باعتراض الأهداف منخفضة الارتفاع، فإن الحاجة لاستخدام أسراب مقاتلات من عدة دول لاعتراض المسيّرات قد تعني أنها كانت تمثل تحديًا حقيقيًا.
العقوبات تضيق الخناق على الصناعة الروسية
لكن أزمة أنظمة الدفاع الجوي الروسية لا ترتبط فقط بطريقة استخدامها في الحروب الحديثة، بل أيضًا بالمشكلات الصناعية والتقنية الأوسع التي يعانيها قطاع التصنيع العسكري الروسي نفسه منذ سنوات، والتي تفاقمت بصورة كبيرة بعد العقوبات الغربية الواسعة عقب غزو أوكرانيا. فأنظمة مثل S-400 وPantsir تعتمد على مكونات إلكترونية متقدمة تشمل الشرائح الدقيقة والمعالجات وأنظمة الاتصالات والرادارات الرقمية، وهي قطاعات ظلت روسيا تعتمد فيها بدرجات متفاوتة على الاستيراد أو على مكونات أجنبية عالية التقنية. ومع تشديد العقوبات الأمريكية والأوروبية، يكشف تقرير للمعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة RUSI عن أن روسيا تواجه صعوبات في الحصول على أشباه الموصلات والمكونات الإلكترونية الضرورية لإنتاج الصواريخ والرادارات وأنظمة التوجيه الحديثة. وقد دفعت هذه الأزمة موسكو إلى اللجوء إلى شبكات تهريب واستيراد غير مباشر عبر دول وسيطة للحصول على الشرائح والمكونات الغربية. كما أشارت تقديرات استخباراتية غربية وتقارير صناعية إلى أن الحرب الطويلة استنزفت أيضًا مخزون الصواريخ الاعتراضية والمعدات المتقدمة بوتيرة أسرع من قدرة الصناعة الروسية على تعويضها. ولا يعني ذلك أن روسيا فقدت قدرتها على إنتاج أنظمة دفاع جوي متطورة، لكنها باتت تواجه تحديًا متزايدًا في الحفاظ على وتيرة الإنتاج والتحديث نفسها التي كانت تتمتع بها قبل الحرب والعقوبات، وهو عامل يؤثر في النهاية ليس فقط على عدد المنظومات المتاحة، بل على قدرتها المستقبلية على التطور ومواكبة متطلبات الحرب الحديثة، وعلى تلبية احتياجات الدول المشغلة لهذه الأنظمة بالفعل.
وتكشف هذه الحقائق مجتمعة أن أزمة الدفاعات الجوية الروسية ليست أزمة تقنية معزولة تخص أداء بعض المنظومات في ساحة المعركة فقط، بل هي انعكاس لمشكلة أعمق تمسّ بنية الصناعة العسكرية الروسية وقدرتها على التكيّف مع طبيعة الحروب الحديثة. فالحرب في أوكرانيا أظهرت أن التفوق النظري لمنظومات مثل S-400 وPantsir لا يضمن بالضرورة فعالية ميدانية حاسمة أمام التهديدات الجديدة منخفضة الكلفة مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة، خاصة عندما تستخدم هذه الأنظمة في بيئات استنزاف طويلة ومتشعبة. كما كشفت الحرب عن فجوة واضحة بين الصورة الدعائية لهذه الأنظمة وبين الواقع العملياتي، حيث بدت المنظومات الروسية أقل قدرة على توفير مظلة دفاعية محكمة ضد هجمات متكررة ومتنوعة. ومع استمرار العقوبات واستنزاف المخزون والضغوط الصناعية، تبدو روسيا أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على قدرتها الحالية في إنتاج وتشغيل هذه الأنظمة، وفي الوقت نفسه تطويرها لمواكبة التحولات السريعة في تكنولوجيا الحرب الجوية الحديثة.
