ما مصير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب؟
ما حالة اليورانيوم عالي التخصيب الموجود لدى إيران؟ وأين هو تحديدًا؟ وما احتمالات تنفيذ عملية أمريكية خاصة للحصول عليه أو تدميره؟ إجابات لأسئلة حول إحدى أهم النقاط حساسية في ملف مفاوضات إنهاء الحرب.
بينما تتبادل إيران والولايات المتحدة الشروط والأوراق عبر الوسطاء في إطار محادثات إنهاء الحرب التي تتقدم تارة وتتعثر تارة أخرى، وبينما تعزز الولايات المتحدة من حصارها على الموانئ الإيرانية وتؤكد طهران أن مسار الملاحة الوحيد الآمن هو عبر مياهها الإقليمية، تقبع بعيدًا عن مضيق هرمز تحت الجبال بالقرب من مدينة قم في منتصف الجغرافيا الإيرانية كميات من مادة كيميائية مشعة يُقال أنّها بيت القصيد، منها بدأت الأزمة وفقط من خلالها تنتهي. إنها مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% في قلب منشأة تخصيب صغيرة لا تزيد مساحتها عن قاعتين تقعان على عمق نحو نصف ميل تحت الجبل، تلك المنشأة التي استهدفتها الولايات المتحدة بالقنابل الثقيلة الخارقة للتحصينات في يونيو 2025، مؤكدة على لسان الرئيس دونالد ترامب نفسه بعد اكتمال العملية أن هذه المنشأة قد دُمرت. وبالنظر إلى ما لهذه الشحنة من أهمية وحساسية على مسار الأزمة، فهذه محاولة لفهم طبيعتها واحتمالات استعادتها من قبل إيران أو الولايات المتحدة.
في تقرير سري للوكالة الدولية للطاقة الذرية في 27 فبراير 2026، قدّر خبراء الوكالة مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% بنحو 449 كيلوجرامًا، وذلك قبل الهجمات الإسرائيلية ثم الأمريكية في حرب الإثني عشر يومًا في يونيو عام 2025. التقرير، الذي تناولته عدة وكالات أنباء موثوقة، يشير إلى أن هذا المخزون من اليورانيوم عالي التخصيب لا يحتاج إلا إلى القليل من التخصيب الإضافي ليصل إلى نسبة 90%، وهي النسبة المطلوبة للاستخدام العسكري المتمثل في صناعة قنبلة نووية. وقد قالت الوكالة حينها أنّ هذه الكمية تكفي لصناعة 10 قنابل. ولكن أين هذا المخزون؟ الخبراء يرجّحون أن تكون إيران قد استبقت الحرب الحالية بنقل بعض هذا اليورانيوم من منشأة فوردو إلى مجمع الأبحاث الذرية بالقرب من مدينة أصفهان الإيرانية، والمعروف باسم مركز أصفهان للتكنولوجيا النووية.

يعدّ مركز أصفهان للتكنولوجيا النووية أحد الركائز الأساسية في البرنامج النووي الإيراني، حيث تجري فيه عمليات تحويل اليورانيوم ضمن دورة الوقود النووي، حيث يتم فيه تحويل الكعكة الصفراء إلى غاز سداسي فلوريد اليورانيوم UF₆ اللازم لعمليات التخصيب في منشآت مثل نطنز وفوردو. يضم المركز بالإضافة إلى ذلك البنية التحتية لصناعة الوقود النووي وأعمال البحث والتطوير في كيمياء وتقنيات اليورانيوم. وتكمن أهميته الاستراتيجية في كونه حلقة لا غنى عنها في سلسلة الإنتاج النووي، إذ لا يمكن إجراء التخصيب بدونه، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في تحقيق الاستقلال النووي بالنسبة لإيران. المركز تعرض بحسب الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى هجمات خلال حرب الإثني عشر يومًا عام 2025، وطالت تلك الهجمات عدة مبانٍ هي مختبر كيميائي مركزي ومصنع لتحويل اليورانيوم ومنشأة لتصنيع وقود المفاعلات. ولكن منشأة أصفهان تمتاز عن غيرها من المنشآت النووية الإيرانية بتعدد مبانيها وتوزّع العمليات فيها بشكل غير مركزي، كما أنّ بعض المنشآت التي تضمها تقع في أنفاق تحت الأرض ترجّح الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن بعض مخزون اليورانيوم عالي التخصيب تم نقله إليها. وعلى العكس من منشأتي التخصيب في نطنز وفوردو، فلم يتعرض مركز أصفهان إلى هجوم واسع أو باستخدام قنابل ثقيلة، خشية من التسرب الإشعاعي الذي قد يترتب على ذلك، إذ يضم المركز عددًا من المفاعلات البحثية الصغيرة.

بعد الهجوم الذي تعرّضت له فوردو والمسمّى أمريكيًا بمطرقة منتصف الليل، أظهرت صور الأقمار الاصطناعية عدة حفر وفوهات على سطح الجبل، وانتشار للغبار الرمادي والحطام، وانسداد مداخل الأنفاق. كما تمّ رصد مجموعات من نقاط الاختراق فوق مناطق محددة، وهو نمط يدل على استهداف دقيق لنقاط ضعف هندسية. حينها، تراوحت التقديرات التقنية والتقارير المخابراتية بين وقوع أضرار جسيمة بالمنشأة، وبين نجاتها من التدمير بسبب عمقها وما تتمتع به من تحصين. ولكن صور الأقمار الصناعية الملتقطة أواخر عام 2025 تظهر انتشارًا لآليات ثقيلة بالموقع تعمل قرب نقاط الاستهداف، مع مؤشرات على أعمال إزالة للركام وإعادة تأهيل أو فتح مسارات. كما أظهرت اللقطات المتتابعة تغيّرات في مواقع المعدات وحركتها، ما يعكس نشاطًا مستمرًا لم تعرف طبيعته بالضبط، ومن المرجح أن الفرق التقنية الإيرانية كانت تقوم بعمليات تقييم للأضرار أو استعادة جزئية للقدرة التشغيلية. ولكن هل تكون تلك هي اللحظة التي نقلت فيها إيران بعضًا من اليورانيوم المخصب إلى أصفهان أو إلى مكان آخر؟ هذا غير معروف حتى اللحظة.
عندما نفذت الولايات المتحدة إنزالًا محدودًا للجنود بمحافظة أصفهان يوم السابع من إبريل الماضي في عملية لإنقاذ الطيارين المفقودين اللذان كانا على متن المقاتلة F-15 التي قالت طهران أنها قد أسقطتها بالدفاعات الجوية، قال عدد من المسؤولين الإيرانيين أن الهدف الحقيقي من العملية كان الحصول على مخزون اليورانيوم من منشأة أصفهان أو تدميره حيث هو. وبعيدًا عن تقييم مدى صحة التصريحات الإيرانية في تلك اللحظة من الحرب، فإن الموضوع يدفعنا للتساؤل عن حالة هذا اليورانيوم الذي بحوزة إيران، وهل تستطيع قوات خاصة بالفعل نقله من مكان لآخر؟
أثيرت منذ بداية الحرب فرضيات عن عملية خاصة لنقل أو تأمين مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، ويشير تقرير على شبكة BBC إلى أن مثل هذه العملية ستكون شديدة التعقيد وعالية المخاطر سياسيًا وعسكريًا، وتتطلب سيطرة ميدانية لا تتوفر في الظروف الحالية. ولكن بغض النظر عن قابلية التنفيذ من الناحية العسكرية والسياسية، ففي قلب عملية مثل هذه توجد مسألة لوجستية وكيميائية شديدة التعقيد. فاليورانيوم المخصّب يتم تخزينه في صورة غاز UF₆ داخل أسطوانات، ويتطلب التعامل معه إجراءات دقيقة بسبب طبيعته السامة والمتآكلة وتفاعله مع الرطوبة، ما يفرض استخدام حاويات محكمة ومراقبة للضغط والحرارة، إضافة إلى تجهيزات حماية متخصصة لتفادي التسرّب أو التفاعل الكيميائي، وذلك بحسب مقالة للخبير النووي الأمريكي أندرو ويبر. مثل هذه المهمة تستدعي نشر وحدات متخصصة في التعامل مع المواد النووية والكيميائية CBRN إلى جانب قوات خاصة مدربة على العمليات السريعة في بيئات معادية، مع دعم من فرق هندسية وتقنية قادرة على تأمين الحاويات ونقلها تحت الضغط.

ماديًا وعملياتيًا، يتلخص الأمر في التعامل مع حاويات ثقيلة تحتاج إلى وسائل نقل تكتيكية مثل المروحيات الثقيلة أو الطائرات القادرة على الإقلاع السريع، مع تنفيذ التحميل خلال نافذة زمنية ضيقة جدًا لتقليل التعرض لهجوم إيراني مضاد. ويكمن التحدي في تحقيق توازن بين السلامة والسرعة والسيطرة على المادة المشعة، فضلًا عن السيطرة الميدانية لمنع القوات الإيرانية من إفشال العملية. ما احتمالات حدوث ذلك؟ وهل تقبع هذه الاسطوانات في حالة سليمة في منشأة فوردو داخل الجبل، أو في الأنفاق تحت منشأة أصفهان؟ هذه أسئلة قد تصبح ملحة وضرورية في حالة فشل المفاوضات وإصرار طهران على الاحتفاظ بقدراتها النووية في مقابل إصرار الولايات المتحدة على العكس.
بالنسبة لدول الخليج، يحمل مثل هذا الوضع العديد من الأخطار، التي تتنوع بين الأخطار الإشعاعية في حالة تنفيذ ضربات شاملة على البرنامج النووي الإيراني، والأخطار الأمنية والدفاعية في حالة تنفيذ إيران لضربات انتقامية على منشآت الطاقة وتحلية المياه في الخليج، والأخطار الاستراتيجية في حالة نجاح إيران في صناعة قنبلة نووية، فضلًا عن الواقع الحالي والذي تفرض فيه طهران سيطرة تخريبية على مضيق هرمز. وبالقدر نفسه، تتنوع الحلول المحتملة لكل من هذه المخاطر، ومنها الدبلوماسي والعسكري والتقني، ولكن البنية التحتية الأساسية لحماية الخليج أيًا كان مسار الحل، هي في مظلة دفاعية موحدة تجتمع عليها دول مجلس التعاون الخليجي، حماية لمكتسباتها وتأمينًا لمستقبلها.