تقارير

الواقع الأمني والدفاعي الجديد في منطقة الخليج العربي: تساؤلات أولية بعد وقف إطلاق النار

في مواجهة طهران التي قد تخرج من الحرب الحالية بتصورات عن سيادتها على مضيق هرمز، قد تحتاج دول الخليج إلى بلورة قدراتها على الردع المستدام. 

ما تزال نتائج الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية على الواقع الأمني والجيوسياسي في منطقة الخليج العربي تتطور ساعة فساعة، ولكن هناك العديد من الحقائق التي ترسخت بالفعل خلال الأربعين يومًا التي سبقت الاتفاق المبدئي لوقف إطلاق النار في الثامن من إبريل. فالضمانات الأمنية التقليدية للخليج قد انحسرت لتفسح المجال أمام مرحلة تتولى فيها دول مجلس التعاون الخليجي زمام أمنها بأنفسها، وبينما يتم التحضير للمفاوضات الأمريكية الإيرانية في باكستان على هامش اتفاق هش لوقف لإطلاق النار، يبرز أمام الخليج تحدي من نوع جديد، وهو استدامة الردع. فإيران قد تكون قد مثّلت منذ الثورة الإسلامية عام 1979 تهديدًا أمنيًا تقليديًا ضمنيًا للخليج، ولكن هذا التهديد تحول إلى عداء غير تقليدي مباشر مع بداية الحرب الحالية نهاية فبراير 2026. ومع أنّ دول الخليج قد تمكنت وباقتدار من التصدي للغالبية العظمى من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، فإن هذا التهديد يظل متغيرًا يصعب على دول الخليج تقبل استدامته حتى وإن تم توقيع اتفاق سلام ممتد بين الولايات المتحدة وإيران.  

أثبتت دول مجلس التعاون الخليجي وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية خلال الحرب الحالية جاهزيتها للتعامل مع التهديد الصاروخي الإيراني. فعلى الرغم من خلو التحليلات الجيوسياسية السابقة للأزمة من تصورات واضحة عن استهداف إيراني مباشر ومقصود للعواصم الخليجية والبنية التحتية للطاقة فيها، تمكنت دول الخليج من تطوير استجابتها للأزمة بسرعة، وأدارتها بكفاءة على المستويات السياسية والعسكرية والاجتماعية، على نحو جدد الثقة في جاهزيتها الدفاعية وأكّد فعالية ما لديها من منظومات متطورة للرصد والدفاع الجوي، كما مثل اختبارًا عمليًا حقيقيًا للتكامل العملياتي والتنسيق بين مراكز القيادة والقوات الجوية والرادارات ومنصات الدفاع الجوي على مستوى الخليج بأكمله. 

ولكن الإنجاز الخليجي الأكبر، والذي بدأت ملامحه في التشكّل مع دخول أوكرانيا على خط الأزمة لمساعدة دول الخليج في اعتراض المسيّرات الإيرانية التي تعرفها كييف جيدًا من الحرب الروسية الأوكرانية، هو اتجاه دول الخليج نحو كسر معادلة الكلفة المرتفعة لاعتراض المقذوفات الإيرانية رخيصة الثمن، وتعزيز الاستدامة المالية للدفاع الخليجي. ومع وصول نحو 200 خبير أوكراني إلى مراكز القيادة والتحكم الخليجية لنقل هذه الخبرة الميدانية الأوكرانية الناجحة، بدا من الواضح أن دول المجلس قد دخلت بالفعل مرحلة تنويع شراكاتها الدفاعية واستقدام ما يلزم الواقع الجديد من أنظمة وتحالفات تعزز استقلالية القرار الخليجي وتتكامل عناصرها لحماية الأجواء الخليجية.  

نجاح متجدد لرهان توطين الدفاع 

انتقل الخليج قبل بداية الحرب من مرحلة مشتريات السلاح أو استيراد الدفاع من الخارج إلى مرحلة توطين الصناعات الدفاعية وربطها بالتنمية الاقتصادية، كنوع من بوليصة التأمين ضد التقلبات في المواقف والتحالفات الدولية. في الإمارات، تجسد ذلك في منظومة متكاملة للصناعات الدفاعية والعسكرية، تضم الخبرة البشرية والمعرفة الهندسية والتقنية، وتأمين سلاسل إمداد التقنيات الأكثر حساسية والأعلى قيمة. وفي السعودية دخل توطين الصناعات الدفاعية بنسبة 50% ضمن أهداف رؤية 2030 كأساس بنيت عليه الهيئة العامة للصناعات العسكرية التي تضطلع بمهمة توطين الدفاع في المملكة. وبهذا فقد بدأ القرار العسكري الخليجي بالانتقال من مرحلة انتظار سلاسل الإمداد الخارجية إلى مرحلة التحكم في المنشأ، في تحول يضمن امتلاك مفاتيح وقدرات تعديل الأنظمة بما يتناسب مع طبيعة التهديدات الإقليمية التي يواجهها الخليج، مما يحول السلاح من مجرد سلعة مستوردة إلى أداة ردع وطنية لا تخضع لشروط سياسية مسبقة، ولا تعصف بها رياح التقلبات السياسية.

جناح الشركة السعودية للصناعات العسكرية خلال معرض الدفاع العالمي 2026 في الرياض (SAMI) 

وعليه فإن التوطين الدفاعي الخليجي اليوم قد تجاوز بالفعل مرحلة التجميع الهيكلي للأنظمة إلى ابتكار منظومات دفاعية ذكية وغير تقليدية، تدمج الطائرات المسيّرة والأنظمة ذاتية القيادة وخوارزميات الذكاء الاصطناعي في عمليات الرصد والاشتباك، بالإضافة إلى أنظمة مستحدثة تكسر معادلة التكلفة، مثل أسلحة الطاقة الموجهة كالليزر الدفاعي وأنظمة الحرب الإلكترونية القادرة علىاعتراض الأهداف الرخيصة عبر التشويش والتعمية الرقمية بدلًا من الاستنزاف الصاروخي. هذا التحول التقني يستند إلى بنية تحتية سيبرانية قوية استثمرت فيها دول الخليج بالفعل، تمهد الطريق أمام تطوير برمجيات تشفير محلية ومنصات قيادة وسيطرة ذكية، قادرة على استباق التهديدات الهجينة والتعامل معها بدقة تقنية كبيرة، وهو النموذج الأنسب للتعامل مع طبيعة التهديد الإيراني الحالي وما يتوفر للنظام الإيراني من قدرات.

من الردع بالمنع إلى الردع بالعقاب 

ولكن هذا التطور في القدرة العسكرية، وإن مثّل حائط صد منيع أمام الهجمات الإيرانية، فهو لا يحمي دول الخليج من الآثار التنموية والاجتماعية للحرب، والتي تشمل التوتر وعزوف رؤوس الأموال عن الاستثمار في المنطقة. ولهذا فقد تجد الاستراتيجية الدفاعية الخليجية نفسها مضطرة لتجاوز مفهوم الردع بالمنع Deterrence by Denial وقواعد الدفاع السلبي، لتتبنى بشكل حاسمعقيدة الردع بالعقاب Deterrence by Punishment ما لم تلمس دول المجلس تراجعًا حقيقيًا في السياسات الإيرانية العدوانية. إنّ استمرار طهران في تهديد دول الخليج أو محاولة فرض سيادتها على مضيق هرمز بشكل مستدام قد يدفع دول الخليج نحو تسريع بناء قدرات هجومية تكتيكية ومنظومات صاروخية بعيدة المدى، تهدف لتغيير الحسابات الإيرانية عبر تأكيد حقيقة أن كلفة أياعتداء لن تقتصر على تحييد السلاح المهاجم فوق الأجواء الخليجية، بل ستقابل باستهداف مصادر النيران، ولكن حتى وإن لم تتطور الأمور إلى هذا الحد، فقد أصبح من المسلّمات المترتبة على الحرب أن مستقبل الأمن الخليجي لم يعد يرسم خارج حدوده، بل يصاغ اليوم بأيدي خليجية تعمل على تطوير القدرة الذاتية على الردع انطلاقًا من كونها الضامن الوحيد لاستقلالية القرار السياسي وعدمارتهانه بتقلبات التحالفات الدولية.

طائرة مقاتلة من طراز F-16F Desert Falcon تابعة للقوات الجوية الإماراتية (DVIDS) 

تظل الدبلوماسية هي الخيار الاستراتيجي الأول لدول المنطقة التي أحجمت حتى اللحظة بحسب ما هو معروف عن المشاركة في ضرب إيران، لكنها اليوم دبلوماسية تسندها قوة عسكرية متصاعدة، تدرك أن الركيزة الأولى للسلام هي الاستعداد للدفاع عنه. وبينما تنهمك النخب السياسية والعسكرية الخليجية في وضع أساس راسخ لاستدامة الردع والتعامل مع مفردات الواقع الجديد على نحو يضمن أمن دول الخليج واستقرارها، تتعلق الكثير من الآمال بنجاح المفاوضات الحالية للوصول بالمنطقة إلى مرحلة من الاستقرار والتعاون بين ضفتي الخليج، تعاونٌ قائم على احترام السيادة.