تقارير

عسكرة الخوارزميات: حروب الذكاء الاصطناعي

تجسد الحرب الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية نقلة نوعية في استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري. فما تفاصيل وحدود هذا الاستخدام؟ 

تشهد الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية المستعرة حاليًا استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع وعلى نحو غير مسبوق لا يقتصر على الدعم المعلوماتي أو ميكنة العمليات فقط، بل يمتد إلى تغيير البنية التحتية العسكرية للاستهداف وتسلسل التدمير Kill Chain. فمنذ اللحظات الأولى للحرب، بدا من الواضح هناك أمرًا مختلفًا، فكلًا من إسرائيل والولايات المتحدة استطاعت ضرب آلاف الأهداف الإيرانية في غضون ساعات، حتى وصل عدد الأهداف التي ضربتها الولايات المتحدة منفردة، بحسب تصريح لقائد المنطقة المركزية الأمريكية CENTCOM الأدميرال براد كوبر يوم 25 مارس، إلى أكثر من 10 آلاف. وقد ساهم الذكاء الاصطناعي، بحسب عدة تقارير وتصريحات حكومية أمريكية، في اختيارها ومراجعتها تقنيًا وقانونيًا ومعلوماتيًا واستراتيجيًا وعملياتيًا، لتحل بذلك أنظمة الذكاء الاصطناعي محل مئات الأشخاص المتخصصين الذين كانوا في الماضي يتولون زمام هذه العملية. فما هو حجم استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، وما تأثيره على مجريات المعارك ونتيجة الحرب؟  

ضمن الاستعدادات التي سبقت حرب العراق عام 2003، أوكلت مهمة اختيار الأهداف العسكرية المرتبطة بنظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين من أجل استهدافها إلى ما يزيد على 2000 موظف بوزارة الدفاع الأمريكية حينها، توزعوا على مختلف مراحل تلك العملية المعقدة والتي تنتهي باعتماد الأهداف لضربها بالقوة الجوية أو القوات ذات الاختصاص. تبدأ العملية بتحليل أهداف ونوايا القيادة، وتمر بتطوير الأهداف وتحديد الأولويات، ثم تحليل قدرات العدو، ثم اتخاذ القرار، ثم التخطيط والتنفيذ، وانتهاءً بتقييم النتائج. أما في حالة الحرب الحالية، أو عملية الغضب الملحمي كما تُعرف أمريكيًا، فعملية حصر الأهداف والتخطيط لها نفذها، بحسب تقارير، ما لا يزيد عن 20 شخصًا مدعومين بأحدث أنظمة الذكاء الاصطناعي، فيما يعد منعطفًا تاريخيًا تحول فيه دور الذكاء الاصطناعي من الأعمال المساندة إلى اتخاذ القرار واقتراح الأهداف وأنواع الأسلحة والذخائر المستخدمة في تنفيذ العمليات. 

الخوارزميات من فك الشفرات إلى الفرز البصري واتخاذ القرار

لا يعد استخدام التقنيات الذكية أمرًا جديدًا في صناعة الحرب، ولكن القدرات المتوفرة لهذه التقنيات قد شهدت تقدمًا ثوريًا على مدار السنوات والعقود الماضية، لتنتقل من مجرد آلات حاسبة متطورة إلى أنظمة قادرة على اتخاذ القرار. مر هذا التطور بمراحل عديدة تتلخص فيما يأتي: 

  • بدايات التشفير (الأربعينيات – الخمسينيات): التركيز على فك الشفرات وحساب مسارات القذائف آليًا، وهي المرحلة التي وضعت حجر الأساس لمنطق الرياضيات العسكرية. 
  • الأنظمة المتخصصة (الستينيات – الثمانينيات): الاعتماد على برمجيات شرطية “إذا حدث أ افعل ب”، وتم استخدامها في الدعم اللوجستي وتحليل بيانات الرادار والسونار لرصد الغواصات ومساعدة الطيارين في إدارة مراكز القيادة والتحكم. 
  • الدفاع الآلي (السبعينيات – التسعينيات): ظهور أنظمة الدفاع الذاتي مثل Phalanx CIWS التي تكتشف وتدمر الصواريخ المقتربة تلقائيًا، وبداية استخدام المقذوفات الذكية التي تتعرف على أهدافها عبر معالجة الصور البسيطة. 
  • ثورة المعلومات (العقد الأول من القرن الحادي والعشرين): دمج الذكاء الاصطناعي في الطائرات المسيّرة للمراقبة والاستطلاع، واستخدام الخوارزميات لتحليل كميات ضخمة من البيانات الاستخباراتية لتحديد مواقع الأهداف. 
  • عصر تعلّم الآلة (2010 – 2020): الانتقال من القواعد الثابتة إلى التعلم من البيانات. أصبح الذكاء الاصطناعي في هذه المرحلة قادرًا على تمييز الوجوه وتصنيف الأهداف بدقة عالية وتوجيه الذخائر الجوالة loitering munitions التي تتعرف على أهدافها تلقائيًا بدلًا من تلك التي تحتاج إلى توجيه عند إطلاقها. 
  • الحرب الذكية Intelligentized Warfare حاليًا: دمج الذكاء الاصطناعي في كامل تسلسل الاستهداف والتدمير. يتجسد ذلك في تقنيات هجومية مثل استخدام أسراب المسيّرات المتصلة بعضها ببعض. 

في عصر الحرب الذكية الذي نعيشه حاليًا، تجاوزت تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجال الدفاعي مرحلة التعرف الآلي على الأهداف، والتي كانت تقتصر على الفرز البصري وتصنيف الصور الملتقطة بالأقمار الصناعية والمسيّرات الاستطلاعية، لتنتقل إلى مرحلة الاستدلال التكتيكي. في هذه المرحلة، لا تكتفي الأنظمة بتحديد دبابةأو رادار، بل تقوم بتحليل السياق العملياتي، وتقدير احتمالات النجاح، واقتراح مسارات العمل المثلى للقادة، أو حتى اتخاذ قرار الاشتباك في الأنظمة المسيّرة بشكل كامل. هذا الانتقال يمثل تحولًا من الذكاء الاصطناعي الوصفي الذي يصف ما يحدث، إلى الذكاء الاصطناعي التوجيهي الذي يقرر ما يجب فعله، مما يقلص الفجوة الزمنية بينالمستشعر والمطلق Sensor-to-Shooter إلى حدود غير مسبوقة.

من أوائل الحواسيب المستخدمة في فك الشيفرات العسكرية خلال الحرب العالمية الثانية، 1943 

النماذج اللغوية الكبيرة كمستشار تكتيكي 

تجسد ;عملية اعتقال ;الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع العام الجاري نموذجًا واقعيًا لتحول الذكاء الاصطناعي من أداة تحليلية إلى مستشار تكتيكي في التخطيط للعمليات العسكرية، حيث كشفت التقارير الاستخباراتية والتقنية عن استخدام المخططين للنماذج اللغوية الكبيرة LLM، وعلى رأسها نظام Claude، لتطوير استراتيجيات اقتحام معقدة وصياغة سيناريوهات لوجستية للالتفاف على الحراسة الرئاسية. ما تقدمه النماذج اللغوية الكبيرة ليس مجرد دردشة أو إجابة على الأسئلة، فهذه النماذج تعد مكتبة تفاعلية هائلة تستخلص المعلومات وتحلل البيانات وتربطها، ليتحول بذلك النظام العسكري من نظام أصم إلى نظام مدرك قادر على التنبؤ ووضع الخطط والاستجابة للمتغيرات، ويقدم كل ذلك لمستخدم النظام عبر واجهة تفاعل بلغة طبيعية. هذا التحول البنيوي في طبيعة السلاح يعيد صياغة مفهوم التفوق العسكري إذ لم تعد الغلبة لمن يمتلك الترسانة الأضخم فحسب، بل لمن يمتلك الخوارزمية الأسرع في معالجة ضبابية الحرب. إن دمج هذه العقول الاصطناعية بالمنصات القتالية، كأسراب المسيرات الانتحارية، يخلق نظامًا حيويًا يتسم بالذكاء الجماعي، حيث تعمل الوحدات ككيان واحد يوزع المهام ويناور الثغرات الدفاعية باستقلالية تامة.

صورة توضيحية للترابط بين الوحدات العسكرية، بالانتير، 2026 

نحن إذًا بصدد الانتقال من عصر الحروب الميكانيكية التي تدار بالتحكم البشري المباشر، إلى عصر الحروب الإدراكية التي يتولى فيها الذكاء الاصطناعي دور هيئة الأركان الرقمية التي تصمم المناورات وتدير الفوضى الميدانية في أجزاء من الثانية، مما يقلص نافذة الرد لدى الخصم إلى حدودها الدنيا. ولكن بقدر ما تقدمه هذه التقنيات من تسهيلات، فهي تحمل كذلك العديد من المخاطر التي تشمل الاعتماد على بيانات قديمة، مثلما حدث في الاستهداف المأساوي لمدرسة شجرة طيبة للفتيات بميناب في إيران، والتي أسفرت عن مقتل 168 شخصًا غالبيتهم من الطالبات، بحسب ما نقلت صحيفة The New York Times. تشمل الأخطار كذلك الانحياز المسبق المرتبط ضمنًا بنوعية البيانات الاستخبارية وقاعدة البيانات المعرفية التي يتغذى أو يتدرب عليها النظام، أو إنها قد تدفع المستخدم ابشري إلى الثقة العمياء بمخرجاتها من دون فهم مدخلاتها، فضلًا عن الخطر التقليدي المتمثل في الاختراق وتسميم البيانات لضرب أنظمة مشغل النظام ذاتيًا، وهو سيناريو كابوسي يتقاطع مع المخاوف التقليدية من الاعتماد على أنظمة تقود نفسها بنفسها. الخطر الأخير يتمثل في أن استخدام الذكاء الاصطناعي قد خفض عمليًا عتبة الدخول في التخطيط العسكري عالي المستوى، ومنح القدرة على تحويل البيانات الخام إلى خطط هجومية قابلة للتنفيذ لمجموعات غير نظامية. 

استثمار الخليج المبكر في الذكاء الاصطناعي 

في ضوء هذا السباق المحموم نحو عسكرة الخوارزميات، تبرز دول الخليج العربي كلاعب استراتيجي لا يكتفي بمراقبة التحول، بل يسعى إلى قيادته وتبنيه عبر استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي الدفاعي. إنّ توجه الدول الخليجية نحو دمج النماذج اللغوية الكبيرة والأنظمة الذاتية في ترساناتها ليس مجرد رغبة في التحديث التقني، بل هو سعي حثيث لامتلاك السيادة الرقمية وتوطين صناعة القرار العسكري المبني على البيانات.  

صورة جوية لمعرض الدفاع العالمي، 2026 

وتتجلى هذه الرؤية فيما اتخذته مجموعة إيدج الإماراتية والهيئة العامة للتطوير الدفاعي السعودية من خطوات نحو تطوير أسلحة تعمل بالذكاء الاصطناعي من الأساس AI Native. وفي معرض الدفاع العالمي 2026، كشفت المملكة عبر منظومة HUMAIN وشركة سِكاي SCAI عن استراتيجية بناء الأنظمة العسكرية من الصفر بناءً على هذه التقنيات، بدلًا من مجرد تعزيز الأنظمة التقليدية بها، وذلك لضمان تفوق استخباراتي وسيبراني نوعي.  

وبينما تضخ الصناديق السيادية الخليجية الاستثمارات في تطوير بنية تحتية قادرة على استيعاب الحروب الإدراكية، يبقى التحدي الحقيقي أمام دول المنطقة متمثلًا في الموازنة بين سرعة الاستجابة التي تمنحها أسراب المسيرات والأنظمة الاستشارية، وبين ضرورة الحفاظ على العنصر البشري كصمام أمان أخلاقي واستراتيجي لضمان أن تظل ريادة المنطقة في هذا المجال ركيزة للاستقرار الإقليمي لا مجرد تفوق تقني عابر في ميدان معارك المستقبل.