تقارير

هل تغير حرب إيران خارطة تصدير الطاقة في الشرق الأوسط؟ 

مع استهداف البنية التحتية للطاقة وشلل الحركة بمضيق هرمز، دول الخليج تزيد من اعتمادها على الخطوط البديلة لتصدير الطاقة. 

حملت الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران منذ نشوبها العديد من المفاجآت المتعلقة بدائرة الاستهدافات الإيرانية والأمريكية-الإسرائيلية على حد سواء، ولكن الأمر الذي كان متوقعًا بل وكان من ضمن المسلّمات المرتبطة بسيناريو صراع أمريكي إيراني هو إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر منه نحو 20% من إجمالي صادرات النفط العالمية، أو على الأقل حدوث حالة من الشلل الملاحي به. وبينما تتكدس ناقلات النفط والغاز على جانبيّ المضيق مع دخول الحرب يومها الرابع عشر، ومع إعلان وكالة الطاقة الدولية الإفراج عن الاحتياطات الاستراتيجية للنفط للدول الأعضاء للمرة الخامسة في تاريخ المنظمة، ووصول سعر برميل برنت إلى 100 دولار، ومع عدم وضوح أفق لنهاية الحرب أو مآلاتها الممتدة على المنطقة، تتعالى الأصوات المنادية بمسارات بديلة لتصدير النفط، بعضها قائم وبعضها قيد التطوير.  

الرهان الإيراني 

كان واضحًا منذ اليوم الأول للحرب أن إيران وضعت رهانها على تكبيد المنطقة بأكملها التكلفة الباهظة للحرب، وهو ما تجسد في تصريحات المسؤولين العسكريين والسياسيين الإيرانيين، الذين أكدوا أن الأمن في المنطقة إما أن يكون للجميع أو لن ينعم به أحد. فمنذ اللحظات الأولى التي أعقبت الضربة الأمريكية الإسرائيلية الاستهلالية للمعارك، التي نعرف الآن أنها استهدفت القيادة التاريخية للنظام الإيراني متمثلة في المرشد الأعلى علي خامنئي، وجهت إيران منصات صواريخها ومسارات مسيّراتها صوب دول الخليج، مستهدفة البنية التحتية الحيوية ومنشآت الطاقة وتصدير النفط، والموانئ والمطارات، والقواعد الأمريكية. ولكن الرهان الإيراني لم يكن وليد الصباح الذي اندلعت فيه الحرب، بل تم وضعه قبل ذلك بسنوات وتم التدرب عليه مرارًا وتكرارًا.  

فعلى مدار السنوات الماضية، نفذ الحرس الثوري الإيراني وسلاح البحرية فيه العديد من المناورات والتدريبات العسكرية البحرية التي ركزت على فرض النفوذ الإيراني بمضيق هرمز وعلى امتداد ساحلها الطويل المشاطئ له. شملت هذه المناورات اختبار قدرة النظام على اعتراض السفن التي تخالف التعليمات الإيرانية في سيناريو محتمل للحرب، بالإضافة إلى استعدادات تكتيكية لشل حركة الملاحة باستخدام الألغام البحرية المزروعة في نقاط الاختناق الرئيسية بالمضيق، وقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفق تقارير استخبارية يوم 10 مارس عن استخدام بحرية الحرس الثوري زوارقًا سريعة لنشر الألغام البحرية في الخليج، وعن قيام الجيش الأمريكي باستهداف وتدمير عددًا من تلك الزوارق

مناورات لقوارب إيرانية في مضيق هرمز 

تدربت بحرية الحرس الثوري كذلك على هجمات جماعية منسقة باستخدام مئات الزوارق السريعة المزودة بصواريخ نور وقادر الجوالة بهدف إغراق دفاعات السفن الحربية من خلال الهجوم من اتجاهات متعددة في وقت واحد. وفي مناورات الحزام البحري 2026، وهي الأخيرة قبل اندلاع الحرب الحالية، تدربت بحرية الحرس الثوري مع روسيا والصين على استخدام الطائرة المسيّرة شاهد لضرب البنية التحتية للطاقة، كما تدربت وحدات الحرب الإلكترونية الإيرانية على تزييف إشارات نظام التموضع الجغرافي العالمي GPS لإجبار السفن على دخول المياه الإقليمية الإيرانية عن طريق الخطأ ومن ثم احتجازها. أما السيناريو الأخير الذي تدربت إيران على استخدامه هو التموضع بمواقع محصنة في الجزر الإيرانية المطلة على الخليج العربي واستخدامها لإطلاق الصواريخ على القطع البحرية والناقلات بالمضيق من دون الحاجة لتحريك القطع البحرية الإيرانية.  

استهداف البنية التحتية واللوجستية للطاقة في الخليج 

سجلت  هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية UKMTO، المختصة بتنسيق أمن ملاحة التجارية العالمية، حتى 13 مارس 16 هجومًا مؤكدًا مباشرًا على الناقلات استُخدمت فيه الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق الانتحارية، بالإضافة إلى عدد من التقارير عن أنشطة مشبوهة رصدتها أطقم السفن العالقة بالقرب من المضيق. تنوعت نتائج هذه الاستهدافات بين الحرائق المحدودة والأضرار المادية الجسيمة بل وفقدان الأرواح في حالة الناقلة Skylight التي استهدفها الحرس الثوري قبالة السواحل العُمانية، وهو ما دفع كبرى شركات الشحن البحري العالمية لتعليق جميع رحلاتها عبر مضيق هرمز اعتبارًا من مطلع مارس وفرض زيادات طارئة على أسعار الشحن للوجهات الخليجية، معلنة أنها ستوجه سفنها لمناطق آمنة بعيدًا عن مسرح النزاع. ومن الناحية التأمينية، قامت العديد من شركات التأمين العالمية بإرسال إخطارات إلغاء لتغطية مخاطر الحرب للسفن الموجودة في الخليج. هذا الإجراء لا يعني الرفض النهائي لتغطية السفن المتجهة للخليج، بل يهدف إلى إجبار الملاك على إعادة التفاوض على أقساط تأمين جديدة تعكس حجم المخاطر الحالي. واستجابة لهذه التطورات وانعكاساتها الاقتصادية الممتدة، والتي لم تقتصر على زيادة أسعار النفط، أعلن الرئيس الأمريكي في عدة مناسبات ولقاءات إعلامية منذ اندلاع الحرب أن الولايات المتحدة تدرس مع حلفائها توفير مرافقة أمنية بحرية لحماية للناقلات عبر المضيق. وعلى الصعيد الأوروبي، حركت كل من المملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا قطعًا بحرية وأنظمة للدفاع الجوي لمنطقة الخليج للمساهمة في التعامل مع التهديد الإيراني، الذي تناقصت وتيرته بشكل تدريجي. 

أما على صعيد استهداف البنية التحتية الثابتة للطاقة في دول الخليج، فقد شهدت موانئ الخليج ومجمعات إنتاج النفط والغاز هجمات تم صد الغالبية العظمى منها، ولكنها أحدثت أثرًا إعلاميًا واقتصاديًا ما زالت دول الخليج تحاول معالجة آثاره، واتخذت على إثره الإجراء القانوني المعروف بالقوة القاهرة Force Majeure لعدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها التعاقدية في ظل الأحداث الجارية. إذَا كيف استجابت أسواق الطاقة لكل هذه المتغيرات؟ 

ارتباك في أسواق الطاقة العالمية 

تسببت الأزمة الحالية وشلل الملاحة بمضيق هرمز في واحدة من أعنف الصدمات السعرية في تاريخ أسواق الطاقة العالمية، حيث وصلت الأسعار إلى مستويات قياسية لم تشهدها منذ عقود. ففي حالة النفط الخام، مع إعلان الحرس الثوري الإيراني ما وصفه بالإغلاق الرسمي للمضيق في 2 مارس 2026، ارتفع سعر خام برنت بنسبة تراوحت ما بين 40% و50% ليصل إلى 100 دولار للبرميل يوم 12 مارس، مع ارتفاع في أسعار العقود الآجلة وتوقعات بالمزيد من الارتفاع مع استمرار الحرب، الأمر الذي ترتب عليه قيام عدد من الدول حول العالم برفع أسعار المحروقات بشكل احترازي ومؤقت إلى حين انتهاء الأزمة. الوكالة الدولية للطاقة أعلنت إثر ذلك الإفراج عن 400 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي العالمي، وقال الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة ستفرج بدورها عن نحو 172 مليون برميل من احتياطي الولايات المتحدة لدعم استقرار الأسواق. وعلى صعيد الغاز الطبيعي، الذي تعد قطر المصدّر الأول له في العالم، فقد ارتفعت الأسعار بنسبة 30% في الأسواق الأوروبية للغاز الطبيعي المسال بعدما بلغت الزيادة 70% في الأسبوع الأول للحرب. وكانت شركة قطر للطاقة قد أعلنت في 2 مارس التعليق الكامل لإنتاج الغاز الطبيعي المسال والمنتجات المرتبطة به نتيجة الاستهداف الإيراني، وشمل الإغلاق منشآت حيوية في مدينة رأس لافان الصناعية ومدينة مسيعيد الصناعية، وقد أدى هذا التوقف إلى سحب نحو 20% من إمدادات الغاز المسال القطرية من السوق، وصرح وزير الطاقة القطري في 6 مارس بأن استئناف الإنتاج قد يستغرق أسابيع أو شهرًا، حتى في حال توقف الحرب فورًا، وذلك بسبب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية لحقول الغاز.

مصفاة الرويس التابعة لشركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) في إمارة أبو ظبي

مسارات بديلة لتصدير الطاقة 

هذه الأحداث مجتمعة دفعت دول الإمارات والسعودية لاعتماد استراتيجيات واستثمارات بديلة لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز. فما هي هذه المسارات؟ 

في السعودية يوجد خط أنابيب شرق-غرب الذي يعد العمود الفقري لاستراتيجية المملكة لتجاوز مضيق هرمز، حيث يمتد من حقول النفط في المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وتبلغ طاقته الاستيعابية حوالي 5 ملايين برميل يوميًا، مع وجود خطط لرفعها إلى 7 ملايين برميل عند الضرورة القصوى. يتيح هذا المسار للمملكة توجيه جزء كبير من صادراتها الخام مباشرة نحو الأسواق الأوروبية والأمريكية عبر البحر الأحمر، بعيدًا عن أي توترات في الخليج العربي. من الناحية التقنية، تحتاج المملكة العربية السعودية إلى تفعيل خطة طوارئ تقنية ولوجستية لرفع كفاءة هذا الخط لتتمكن من تعويض صادراتها التي كانت تمر عبر مضيق هرمز. تتمثل هذه الخطة في رفع الطاقة التشغيلية للأنبوب إلى 7 ملايين برميل يوميًا، الأمر الذي يتطلب تحويل أنابيب نقل الغاز السائل لنقل النفط الخام، وهو ما نفذته بالفعل شركة أرامكو، كما يتطلب تشغيل جميع محطات الضخ الـ 13 على طول الخط الممتد لـ1200 كيلومتر بأقصى طاقة استيعابية، وهو ما أعلن الرئيس التنفيذي لأرامكو البدء فيه فعليًا في مارس 2026. الأمر الثاني الذي يحتاجه تحويل خارطة تصدير النفط السعودي من الشرق إلى الغرب هو رفع كفاءة ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع، وهو ما يعني عمليًا زيادة عدد الأرصفة النشطة والكوادر التشغيلية لاستيعاب قفزة الصادرات من 1.1 مليون برميل، بحسب أرقام فبراير 2026، إلى أكثر من 4 ملايين برميل يوميًا. من الناحية التقنية، تمتلك السعودية البنية التحتية الأساسية لنقل 70% إلى 80% من صادراتها عبر ينبع، لكنها تحتاج لأسابيع من إدارة الأسطول ونقله وتجهيز الموانئ لتصل للتدفق الكامل الذي يعوض غياب التصدير عبر مضيق هرمز

خط أنابيب النفط الخام بين الشرق والغرب السعودي بالإضافة لخط أنابيب نفط حبشان الفجيرة الإماراتي 

أما الإمارات العربية المتحدة فتعتمد في استراتيجيتها لتجاوز مضيق هرمز على مسار بري حيوي يربط حقول الإنتاج في العمق بمنطقة حبشان بالساحل الشرقي المفتوح على خليج عُمان في إمارة الفجيرة، مما يجعلها واحدة من أكثر الدول جاهزية للتعامل مع إغلاق المضيق. يمتد خط أنابيب حبشان-الفجيرة بطول 360 كيلومترًا وتبلغ طاقته الحالية حوالي 1.5 مليون برميل يوميًا، مع قدرة تقنية قصوى تصل إلى 1.8 مليون برميل يوميًا في حالات الطوارئ، أي أنه يسمح بتصدير ما يقرب من 60% إلى 70% من إجمالي صادرات أبوظبي من النفط الخام بعيدًا عن مضيق هرمز. النقطة النهائية في هذا المضيق هي ميناء الفجيرة العالمي للتخزين والتصدير، والذي يضم واحدة من أكبر مجمعات تخزين النفط في العالم بسعة تتجاوز 70 مليون برميل، كما يتيح الميناء للناقلات العملاقة VLCC التحميل مباشرة من الرصيف البحري العميق دون الحاجة لدخول مياه الخليج العربي، مما يقلل من تكاليف التأمين والمخاطر الأمنية المترتبة على الحرب الحالية أو ما سيعقبها من تطورات. يدعم هذا المسار البديل في الإمارات مشروع قطار الاتحاد والذي يتم استخدامها حاليًا لنقل الكبريت والمشتقات المكررة والوقود من مراكز المعالجة في حبشان والرويس إلى ميناء الفجيرة.

أثبتت الأزمة الراهنة بمضيق هرمز أن أمن الطاقة لم يعد مجرد مفهوم مرتبط بحجم الإنتاج، بل بقدرة الوصول إلى الأسواق العالمية تحت أقسى الظروف الأمنية. لقد كشفت الأحداث الأخيرة أن دول مجلس التعاون الخليجي التي استثمرت مبكرًا في البنية التحتية العابرة للحدود تمتلك اليوم هامشًا للمناورة يحمي اقتصاداتها من الشلل التام، ويمنحها ثقلًا جيوسياسيًا في معادلة الاستقرار العالمي.