تقارير

صفقات التسليح واعتبارات تنوّع الشركاء

شهد العام الماضي تصاعدًا ملحوظًا في عدد معارض الدفاع والأمن على المستوى الدولي، مدفوعًا بازدياد التنافس العسكري، وازدياد التوترات الأمنية، وإعادة هيكلة الشراكات والتحالفات الاستراتيجية. ويأتي ذلك مع حضور ملحوظ ونوعي لدول المنطقة مع سعيها للتحوّل نحو نماذج أكثر تكاملًا ترتكز على الابتكار المشترك ونقل المعرفة وبناء القدرات الصناعية الوطنية.

معارض الدفاع وتطوير القدرات الدفاعية

وفي السنوات الأخيرة برزت معارض دفاعية خليجية وعربية على الساحة الدولية بمستويات مشاركة وتفاعل واسعة. وعلى سبيل المثال معرض ومؤتمر الدوحة الدولي للدفاع البحري (DIMDEX) في قطر، والذي بات منصة استراتيجية لعرض أحدث تقنيات الدفاع البحري وتطوير الشراكات الدولية. وكذلك معرض ومؤتمر الدفاع الدولي (IDEX) الذي يُعد إحدى أبرز المنصات الدفاعية عالميًا، والذي تنظّمه الإمارات التي تسعى لإبراز قدرتها في التطوير الدفاعي، خاصة عبر مجموعة Edge. كما استضافت العراق معرض الدفاع الدولي (IQDEX) في بغداد، بينما استضافت الأردن معرض ومؤتمر قوات العمليات الخاصة (SOFEX). وكان آخر هذه المعارض حتى اليوم هو المعرض العالمي للدفاع (WDS) الذي تنظّمه السعودية لتعزّز موقعها في مجال التطوير العسكري والدفاعي.

المشاركة الدولية المتنامية في معارض الدفاع الخليجية

وتشهد هذه المعارض، إلى جانب القوى التقليدية في هذا المجال كفرنسا وبريطانيا وروسيا والصين والولايات المتحدة، حضورًا بارزا لدول صاعدة في الصناعات الدفاعية، مثل تركيا، وكوريا الجنوبية، ودول الخليج، والبرازيل. وباتت الوفود الحكومية والشركات الصناعية تتنافس في هذه المنصات لعرض أحدث أسلحتها وتكنولوجياتها المتقدمة في البر والبحر والجو والأمن السيبراني. وتظهر مشاركة الصين في معرض ومؤتمر الدفاع الدولي (IDEX) والمعرض العالمي للدفاع (WDS) اهتمامها بتعزيز حضورها في المنطقة، ويعكس هذا الانخراط سعي بكين إلى توسيع نطاق تعاونها الصناعي والعسكري. ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه دول الخليج اهتمامًا متزايدًا بتنويع مصادرها تسليحها وشراكاتها التكنولوجية، مدفوعة بتغير طبيعة التهديدات والحاجة إلى أنظمة أكثر ذكاءً ومرونة. وفي المملكة العربية السعودية تحديدًا، يتماشى هذا التوجه مع مستهدفات رؤية 2030 التي تركز على تحديث القدرات الدفاعية وتوطين الصناعات وبناء شراكات نوعية تتجاوز التوريد التقليدي. وفي هذا السياق، تنظر بكين إلى السعودية كشريك وسوق استراتيجي في المنطقة، ضمن مساعيها لتعزيز حضورها الصناعي والعسكري.

ومنذ إطلاق رؤية السعودية 2030، عقد معرض الدفاع العالمي ثلاث مرات، كان آخرها في الرياض خلال الفترة من 8 إلى 12 فبراير 2026. وقد شهدت النسخة الأخيرة مشاركة واسعة من الشركات الدولية، من بينها أكثر من 100 شركة صينية. ورغم توقيع عدد من مذكرات التفاهم واتفاقيات التعاون الدفاعي خلال المعرض، إلا أنه لم يعلن رسميًا حتى الآن عن أي مذكرة تفاهم أو صفقة بين السعودية والصين.

وتركّز دول الخليج على تعزيز قدراتها في مجال الصناعات الدفاعية من خلال توطين التكنولوجيا العسكرية وبناء منظومات إنتاج محلية متقدمة، بهدف تقليل الاعتماد على الاستيراد الخارجي وضمان الجاهزية والاستقلالية الاستراتيجية في مواجهة التحديات الإقليمية المتزايدة. كما يهدف هذا التوجه إلى تنويع الاقتصادات الوطنية، ونقل المعرفة وتطوير الكفاءات البشرية، وتعزيز الشراكات الدولية بما يدعم الاستقرار والأمن ويُسهم في تحقيق رؤى التنمية طويلة المدى لكل من الدول الخليجية. ويعود هذا التحول إلى مجموعة من العوامل، من بينها عدم الرضا عن وتيرة وشروط مبيعات الأسلحة الأمريكية. وفعليًا، وقعت دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 2023 عقدًا مع الصين لشراء طائرات تدريب قتالية متقدمة من طراز L-15 الصينية الصنع، كما تسلّمت الإمارات أولى دفعات هذه الطائرات، وظهرت ضمن أسطول القوات الجوية الإماراتية في فعاليات مثل Dubai Airshow  عام 2025.

السلاح الصيني وتحدّي الاستدامة

ورغم هذا التوجه الخليجي المتزايد نحو الصين، فإن الاعتماد على السلاح الصيني لم يكن دائمًا خيارًا خاليًا من الإشكاليات. إذ عمدت عدة دول خليجية خلال السنوات الأخيرة إلى شراء معدات عسكرية صينية، وعلى رأسها الطائرات المسيّرة من طراز “Wing Loong”، في إطار سعيها لتنويع مصادر التسليح وتجاوز بعض القيود الغربية المرتبطة بالتصدير وشروط الاستخدام. إلا أن إدخال هذه المنظومات إلى بيئات عسكرية متقدمة أظهر بعض التحديات التشغيلية، من بينها بطء توفير قطع الغيار، وتعقيدات الصيانة المتخصصة، والحاجة إلى دعم فني خارجي للحفاظ على الجاهزية التشغيلية، وفقًا لتقارير صادرة عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS).

طائرة مسيّرة هجومية من طراز Wing Loong II مع عرض لذخائر وصواريخ مرافقة ضمن معرض دفاعي دولي

أيضًا، أظهرت بعض التجارب السابقة خارج منطقة الخليج الكثير من التحديات عند شراء معدات دفاعية صينية. ففي نيجيريا، أبلغ الجيش النيجيري أن طائرات إف-7 الصينية واجهت أعطالًا متكررة، وبحلول عام 2020 خرجت سبع من أصل تسع طائرات من الخدمة بسبب الحاجة إلى صيانة شاملة. وفي ميانمار، وجد المجلس العسكري الحاكم أن طائرات جيه إف-17 التي تم تسليمها عام 2018 واجهت تحديات تتعلق بالرادار والصيانة، ما أدى إلى إخراج عدد من الطائرات من الخدمة خلال سنوات قليلة نتيجة الأعطال وصعوبات الدعم الفني. كما أعربت باكستان، بصفتها أكبر مستورد للمعدات العسكرية الصينية، عن استيائها من السفن الحربية الصينية من طراز F-22P (صينية التصميم بنيت في باكستان)، مشيرةً إلى مشكلات فنية شملت تدهور أداء المحركات وضعف الأداء العام. كما تبيّن وجود خلل في جهاز التصوير العامل بالأشعة تحت الحمراء (IR17) ضمن نظام الصواريخ FM90 (N)، إضافة إلى عيوب في رادارات SR-60، ما أثّر على قدرة النظام على تثبيت الأهداف واضطر الجهات المعنية إلى الاستغناء عن مستشعرات IR17 بالكامل.

وإلى جانب الأداء والاستدامة، أصبحت صفقات شراء المعدات الدفاعية الحديثة، بغض النظر عن مصدرها، تنطوي على أبعاد متزايدة تتعلق بالأمن السيبراني وأمن المعلومات، خصوصًا في أنظمة الاتصالات، والمراقبة، والقيادة، والسيطرة. وفي هذا الإطار، تبرز تساؤلات في بعض الأوساط حول مستوى الشفافية التقنية وإدارة البيانات. وتستند هذه الاعتبارات إلى تجارب سابقة في قطاعات تكنولوجية حساسة؛ فمثلًا أعلنت المفوضية الأوروبية في عام 2023 أن شركتي Huawei وZTE تمثلان مستوى مخاطر أعلى مقارنة ببعض مورّدي معدات شبكات الجيل الخامس الآخرين، وفرضت قيودًا أكثر صرامة على استخدام معداتهما داخل الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعكس تنامي الاعتبارات السيبرانية في تقييم موردي البنية التحتية التقنية عالميًا.

تسعى الصين، عبر المشاركة المكثفة في المعارض الدفاعية الدولية والإقليمية، إلى تعزيز حضورها في سوق الصناعات العسكرية عالميًا، مع تركيز خاص على الأسواق الخليجية التي تشهد إنفاقًا دفاعيًا مرتفعًا وبرامج تحديث عسكري متسارعة. وتوظف بكين هذه المنصات لعرض أحدث منظوماتها الجوية والبحرية والبرية، والترويج لقدراتها في مجالات الطائرات المسيّرة، وأنظمة الدفاع الجوي، والتقنيات الصاروخية، والحلول الرقمية المرتبطة بالقيادة والسيطرة مستفيدة من عامل التكلفة الأقل وسرعة التسليم في بعض الحالات. غير أن هذه العوامل، رغم أهميتها، لا تبدو كافية لاختراق السوق السعودي بشكل واسع، خصوصًا أن المملكة تتعامل مع ملف التسلح بمنطق استراتيجي يتجاوز الحسابات التجارية  وجداول التسليم. كذلك  فإن تقييم الأنظمة يتم غالبًا على أساس استدامتها، وجاهزيتها في أوقات الأزمات، وكلفتها التشغيلية الإجمالية على المدى الطويل. وتعتمد السعودية بشكل كبير على الموردين الغربيين في نحو 95٪ من وارداتها العسكرية، ولا تعدّ الصين حتى الآن مصدرًا رئيسيًا لتسليحها، وهو ما يعكس توجه المملكة نحو أنظمة أكثر موثوقية واستدامة، مع ضمان توفر خدمات ما بعد البيع والدعم الفني طويل الأمد. وفي هذا السياق يمكن فهم قرار المملكة بعدم إتمام صفقة المقاتلة الشبح الصينية J-35A إذ لم يكن السعر أو سرعة التوريد كافيين لحسم القرار. فقد شملت الاعتبارات عوامل أخرى، مثل مستوى التقنية، وإمكان التكامل مع المنظومات الحالية، وطبيعة الشراكة على المدى الطويل، إضافة إلى متطلبات نقل المعرفة وبناء قاعدة صناعية وطنية تتماشى مع رؤية السعودية 2030. وبالتالي، فإن عدم إتمام الصفقة لا يعكس موقفًا عابرًا، بل يعبر عن نهج استراتيجي يحكم قرارات التسلح في السعودية، يقوم على اختيار شراكات مستدامة تضمن التطور التقني واستمرار الجاهزية الدفاعية على المدى الطويل.