تقارير

ما السيناريوهات المتوقعة للأزمة بين واشنطن وطهران؟

بينما تُكتب هذه السطور، ترتكز فوق مياه الخليج العربي حاملات طائرات ومدمرات وبارجات حربية تمثل معًا عماد القوة الضاربة الأمريكية في أوضح صورها، بينما تتجه المزيد من القطع البحرية إلى المنطقة ضمن ما وُصف بالاستراتيجية الأمريكية للضغط على إيران عبر القوة  للتخلي عن طموحاتها النووية وبرنامجها الصاروخي. في العاصمة السويسرية جنيف، تجري مفاوضات حثيثة غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران بعدما انتهت الجولة الأولى في سلطنة عمان من دون نزع فتيل الأزمة، وفي الوقت نفسه تتكثف الاتصالات الدبلوماسية والوساطات الإقليمية من دول الخليج ومصر وتركيا وغيرها من أجل تفادي سيناريو الحرب وما سيجلبه من وبال على المنطقة، حتى إن كانت الضربة خاطفة إن وقعت، وحتى إن لم تتمخض عن جولات متتالية من الصراع كما تتوقع الكثير من المؤسسات البحثية وخبراء الصراع. وبينما يجري كل هذا، تتعالى نبرة التحدي من كلا العاصمتين على لسانيّ رأسيّ السلطة في البلدين، فمن ناحية، يقول المرشد الإيراني خامنئي إن الولايات المتحدة لن تستطيع القضاء على إيران، وفي البيت الأبيض يقول ترامب، كما يردد أبرز أعضاء إدارته، إن نتائج فشل المفاوضات ستكون كارثية على إيران. وفي ظل وجود تصميم إسرائيلي على ضرب القدرة الصاروخية لإيران التي أثبتت قدرتها على إصابة أهداف في قلب إسرائيل خلال حرب الإثني عشر يومًا، وتدمير ما تبقى من القدرة الإيرانية على تخصيب اليورانيوم، فما الذي سيحدث حقًا إذا اتجهت الأمور نحو النزاع العسكري؟

أصداء الحرب السابقة

يستند الكثير من التحليل للقدرات الإيرانية والأمريكية في هذا الصراع إلى الضربة الموجعة التي تلقتها إيران من إسرائيل والولايات المتحدة في حرب الإثني عشر يومًا في يونيو عام 2025، ففي خلال أيام معدودة، نجحت إسرائيل في فرض وصاية كاملة على المجال الجوي الإيراني وتحقيق أهدافها الأساسية من الضربة، وهي المتعلقة بتصفية العلماء النوويين وضرب البرنامج النووي الإيراني. الرد الإيراني على إسرائيل كان موجعًا كذلك، ولكنه لم يتجاوز إطار إطلاق الصواريخ على أهداف غير محددة، ولم يقوض قدرة إسرائيل على تنفيذ غاراتها أو يدمر البنية التحتية العسكرية أو الاستخبارية أو الجوية لتل أبيب. فما الذي تغير منذ ذلك الحين؟ من غير المعروف إذا كانت إيران قد طورت دفاعاتها الجوية منذ الحرب السابقة، ولا توجد أدلة بل لا توجد مزاعم من الأساس حول حصول إيران على منظومات متطورة صينية أو روسية المصدر للدفاع عن مجالها الجوي، وبالتالي فإن القدرة الأمريكية على ممارسة المستوى نفسه من التفوق الجوي على إيران قد تكون مؤكدة.

العنصر الأكبر المختلف في هذه المواجهة هو أن القطع البحرية الأمريكية موجودة على مسافة قريبة جدًا من السيادة العسكرية الإيرانية، ما يقدم لإيران خيارات أوسع في الاستهداف لم تكن متوفرة في المواجهة السابقة. فهذه المرة، لن تحتاج منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية إلى الارتكاز في أقصى غرب البلاد لتقليل مسافة ووقت الطيران من إيران إلى إسرائيل، وبالتالي ستستطيع إيران توظيف كامل جغرافيتها من الشرق إلى الغرب لاستهداف القطع البحرية الأمريكية في الخليج. علاوة على ذلك، ستستطيع إيران في ظل هذا الوضع استخدام الترسانة البحرية للحرس الثوري من طرادات وزوارق سريعة ضمن استراتيجيات سربية مع المسيرات والصواريخ لمهاجمة الأهداف الأمريكية وإغراق الدفاعات الأمريكية بالأهداف المتحركة.

في حرب الإثني عشر يومًا، استخدمت إيران صواريخها الفرط صوتية والبالستية لاستهداف إسرائيل، التي استغلت بدورها قدراتها الجوية لاستهداف منصات إطلاق الصواريخ الثابتة والمتنقلة بسرعة خاطفة أفضت مع نهاية الحرب إلى التناقص الحاد في القدرة الإيرانية على إطلاق الرشقات الصاروخية بكثافة الأيام الأولى للحرب. في حال حدوث مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة، قد يحدث الأمر نفسه، إلا أن التصريحات الصادرة من طهران خلال الأيام والأسابيع القليلة الماضية تتحدث بثقة كبيرة عن الاستعداد الإيراني الاستثنائي للحرب هذه المرة، وقد يعني هذا أن إيران قد تعلمت الدرس من المواجهة السابقة واعتمدت تكتيكات لتوزيع منصات الإطلاق جغرافيًا وتركيبها بسرعة كبيرة لتقليل فرصة استهدافها من قبل الولايات المتحدة وتوجيه ضربات موجعة تزيد من الكلفة السياسية للحرب على الولايات المتحدة وإدارة ترامب. هناك أيضًا مؤشرات على أن تناقص القدرة الإيرانية على إطلاق الصواريخ كان مقصودًا للاقتصاد في الذخيرة وإطالة أمد الحرب وتقليل البصمة الحرارية واللاسلكية التي ترصدها الأقمار الصناعية الإسرائيلية عند التحضير للإطلاق. إن وقعت مواجهة جديدة، فإن إيران قد تكون أكثر تركيزًا على هدف إطالة الحرب والاستنزاف، وهو درس قد تكون إيران قد تعلمته من الحرب الروسية الأوكرانية.

إطلاق صاروخ إيراني من قاعدة متحرّكة

لا حرب خاطفة

هل تستطيع الولايات المتحدة شن حرب خاطفة تحقق أهدافها بسرعة كما حدث في فنزويلا مطلع العام الجاري؟ هذا هو السيناريو المفضل للقادة العسكريين في كل مكان، ولكن الواقع قد يأتي بما لا يشتهي هؤلاء. ففي مواجهة محتملة مع إيران، قد تتمكن الولايات المتحدة من القضاء على هرم القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية بسرعة، ولكن هذا لن ينهي الحرب ولن يقضي على النزعة القتالية للتشكيلات العسكرية الإيرانية المتنوعة المنضوية تحت مظلة الجيش والحرس الثوري والميليشيات الداخلية، والتي من المتوقع في حال المواجهة أن تستمر في نشاطها الاستنزافي لفترة طويلة. في ظل افتقار إيران للتقنيات العسكرية المتطورة مقابل وفرة العنصر البشري، تبرز قدرتها على اعتماد استراتيجيات الاستنزاف، إذ تعمد إلى إطالة أمد الصراع إلى حدود تتجاوز القدرة السياسية للولايات المتحدة على التحمل، وتفوق طاقة حلفائها الإقليميين على الصمود اقتصاديًا وأمنيًا.

إذًا ما السيناريوهات المتوقعة للمعركة إن حدثت؟

السيناريو الأول هو ضربة جوية تمتد لعدة أسابيع تعمل خلالها الولايات المتحدة على تفكيك البنية التحتية العسكرية للحرس الثوري والجيش الإيراني بشكل كامل، أيًا كانت الخسائر، بهدف إغلاق هذا الملف بشكل نهائي، في لحظة قد تمثل النافذة الأخيرة للعمل العسكري بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة قبيل انطلاق الحملات الانتخابية للانتخابات النصفية الأمريكية مع حلول صيف 2026. هل ستستطيع إيران تحمل الضربة الأولى وتوجيه رد حاسم يكبح جماح الحرب ويدفع الولايات المتحدة لإعادة حساباتها؟ ربما.

السيناريو الثاني وهو الأقرب إلى التنفيذ، بل والذي قد يكون قيد التنفيذ الآن، هو فرض حصار بحري تحت الغطاء القانوني للعقوبات الدولية، ومنع إيران من تصدير النفط، وخنقها جغرافيًا واقتصاديًا حتى يتغير النظام من الداخل أو تزداد الاحتجاجات الشعبية ضده، أو حتى أن يُجبر على توقيع اتفاق يتنازل بموجبه طواعية عن برنامجه الصاروخي، وذلك من دون إطلاق رصاصة واحدة.

السياق الإقليمي والمخاوف الخليجية

لم تخف دول الخليج والمنطقة بشكل أوسع نفورها من سيناريو حرب أمريكية إيرانية. فحتى إن لم تؤدي المواجهة العسكرية إلى ضربات إيرانية على القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج والعراق، فإن أي نزاع عسكري سيؤدي إلى هروب رؤوس الأموال وتوقف المشاريع الحيوية في منطقة الخليج بسبب ارتفاع تكاليف التأمين والمخاطر الأمنية، فضلًا عما سيتركه من أثر على السياحة وحركة الطيران ونمو القطاعات غير النفطية. تدرك دول الخليج جيدًا أن المواجهة مع إيران لن تكون كالمواجهة مع فنزويلا، ففي إيران لا توجد هناك دلسي رودريغيز لتتعاون مع الولايات المتحدة بعد إطاحة مفترضة بنظام المرشد الأعلى، كما أن فنزويلا لا تقبع في قلب شبكة من حلفاء الولايات المتحدة الذين تنكشف خواصرهم وعاصماتهم ومنشآتهم النفطية على النشاط الإيراني العسكري والميليشوي، كما أن سيناريو انهيار النظام في إيران إن حدث، لا يحمل بالضرورة للعواصم الخليجية أخبارًا سارة، فسيناريو الفوضى وما قد يترتب عليه من بروز بؤر جديدة لصراع بين فصائل متشرذمة ليس بالأمر المفضل لأي دولة خليجية، فضلًا عن موجات الهجرة المليونية والتحركات الانتقامية لوكلاء إيران في المنطقة وانهيار منظومة السيطرة على ترسانة الصواريخ الإيرانية، وكلها ليست بالأمور المحببة لمتخذ القرار الخليجي، الذي يتعامل مع الأمر من منطلق واضح يغلّب مصلحة الخليج وأمنه، وهو أن الشيطان الذي تعرفه أفضل من ذاك الذي لا تعرفه.

تمرين بحري في الخليج العربي بمشاركة USS Essex