تقارير

قراءة لدور الدول الخليجية في وثيقة الامن القومي الأميركي

القمة الخليجية الأميركية في الرياض، 14 مايو 2025

نصف قرن من التجاذبات السياسية في الشرق الأوسط انتهت دون رجعة، هكذا أعلنت وثيقة الأمن القومي الأميركي مؤكّدة أنّ المنطقة لم تعد أولوية بالشكل المعتاد. وتربط الوثيقة هذا الانتقال لعدة أسباب منها استقلالية الولايات المتحدة عن المنطقة كمصدر للطاقة، وإضعاف إيران كمسبب أساسي للفوضى في المنطقة عبر ضرب برنامجها النووي، وأخيراً عبر إعادة تمتين العلاقات الأميركية الخليجية وقدرة الرئيس الأميركي على توحيد العرب. لا تحمل هذه المخرجات أيّ مفاجآت فمعظم سياساتها تكون قد تجلّت بشكل مباشر في السياسة الأميركية الخارجية أو في المفاوضات الدبلوماسية. وتأتي الوثيقة كإعلان رسمي للتأكيد بشكل علني على الاستراتيجية الأميركية لهذه المرحلة وكيف تتموضع الولايات المتّحدة بمقابل خصومها، بالتحديد الصين وروسيا، وكيف تتفاعل مع حلفائها وشركائها في كل منطقة في العالم. تم نشر هذه الوثيقة في ديسمبر 2025، وتختلف عن معظم الوثائق السابقة كونها تعلن بصراحة حاسمة عن انتقال كلّي في المقاربة الأميركية. ولم يفهم كثيرون السبب وراء تركيز الرئيس الأميركي دونالد ترامب على موضوع ضم غرينلاند وكندا للولايات المتّحدة الأميركية، أو محاولاته المتسارعة لإيقاف الحرب الروسية الأوكرانية. ولذلك جاءت هذه الوثيقة لتعلن عن “الاستراتيجية” والمبادئ التي تنطلق منها الولايات المتحدة الأميركية وتتعامل على أساسها تجاه القضايا المحورية في العالم، وذلك سعياً منها لضمان استمرار تفوقها العالمي، خاصة في مجالات الطاقة والدفاع والتكنولوجيا.

ويتجلّى التغيّر الأكبر في هذه الوثيقة باختلافها الجذري بما يخصّ الشرق الأوسط ونوعية هذا الاهتمام، خاصة أنّ قضايا المنطقة كانت تشغل معظم الاهتمام العالمي في العقود الماضية خاصة في بعدها العسكري. وتعلن الوثيقة انتهاء هذه الحقبة في الشرق الأوسط معلناً انتهاء الصراعات المسلّحة، أو قرب انتهائها، لتكون المنطقة منطلقاً للاستثمار والشراكة الاستراتيجيتين في الدفاع والطاقة والمعادن النادرة والذكاء الاصطناعي. إلا أنّ هذا التغيّر لم يكن صادماً لدول الخليج التي يبدو أنّها ساهمت في رسم دور مغاير لها من ناحية الفعالية والاستقلالية عبر سنوات من المبادرة في وجه المتغيّرات بما فيها السياسات الأميركية نفسها. ويتجلّى ذلك في 7 عناوين أساسية تؤكّد عليها الوثيقة:

1. تحمّل الأعباء الأمنية بالشراكة

إحدى المبادئ الأساسية التي تنطلق منها الوثيقة هي تقاسم الأعباء ونقلها كي لا تكون على عاتق الولايات المتحدة فقط، وتجلّى ذلك خلال السنة الماضية بزيادة الإنفاق العسكري لدول حلف الناتو لتصل لخمسة بالمئة من الدخل القومي لكل دولة. ولكنّ الدول الخليجية تبدو سبّاقة بحكم الحاجة فهي قررت الاستثمار في قدرتها العسكرية بشكل مباشر لا من ناحية التسليح وشراء الأسلحة فقط، بل من خلال تطوير قدرتها الذاتية على الدفاع وتوطين صناعاتها العسكرية. وتتصدّر الشركة السعودية للصناعات العسكرية المعروفة بـ سامي SAMI، ومجموعة إيدج الإماراتية، وبرزان القابضة القطرية، هذه المبادرات بقدرتها على بناء الشراكات العالمية والمساهمة بشكل فعّال في تطوير الصناعات العسكرية. وقد تجلّت قدرة الدول الخليجية بالمبادرة حين أعلنت السعودية والإمارات، معاً في ذلك الوقت، إعلان الحرب على الحوثيين في اليمن حماية لأمنهما القومي بدون اتّكال على دعم أميركي مباشر. وبدت أهمية هذا التدخل لاحقاً بعد أن قام الحوثيّون بتهديد حرية الملاحة في مضيق باب المندب، والذي يؤثّر بشكل مفصلي على حركة الاستيراد والتصدير حول العالم. وقد اتكّلت الولايات المتّحدة والمملكة المتحدة على البنية التحتية الخليجية حين قرّرت إطلاق حملة مضادّة ضد الحوثيين منطلقين بالتحديد من شراكتهم الاستراتيجية مع البحرين. ولذلك يبدو منطقياً أن لا تركّز الوثيقة على تحميل الدول الخليجية مسؤوليات وأعباء إضافية، بل تنطلق من أهمية الشراكة معهم للتأكيد على استدامة السلام والأمن في المنطقة كركيزة أساسية لا يمكن التغاضي عنها.

عرض جوي للقوات الجوية الإماراتية خلال معرض دبي للطيران 2025

2. متانة ومناعة المجتمع

تؤكّد الوثيقة على أنّ الوحدة الأساسية في التعامل السياسي في يومنا يجب أن تكون الدولة، وبذلك يعلن الانقطاع عن المجموعات الخارجة عن هذه الأطر كالطوائف والمجموعات العرقية أو الميليشيات والعصابات. وبالتالي تركّز أيضاً على أهمية احترام استقلالية القرار عند كل دولة بما يخصّ مجتمعها وقيمه، وبذلك تعلن الوثيقة التخلّي عن الاستراتيجية السابقة للولايات المتحّدة والذي يقوم على تصدير مبادئ محدّدة في الحكم باعتبارها قيماً مطلقة وعالمية. ولكن رغم ذلك، فإنّ الوثيقة تنتقد بشكل مباشر السياسات الأوروبية التي أدّت في السنوات الماضية لاضمحلال “الهوية الأوروبية الغربية” إلا أنّها لا تتطرق للشرق الأوسط من هذا المنظار، بل تركّز فقط على أهمية مكافحة الإرهاب والتطرّف لما له تأثير مباشر على الولايات المتحّدة. وقد سبق وأن قامت الدول الخليجية خاصة السعودية والإمارات والكويت وعمان بخطوات جريئة وسبّاقة لمعالجة هذا الموضوع حتى في المناهج التربوية كي تحصّن مجتمعاتها مع كل التغيّرات في العالم العربي وازدياد الخطاب الطائفي التقسيمي في العقدين الأخيرين، بالإضافة للمبادرات السعودية المختلفة في مكافحة الإرهاب على الصعيدين المحلي والعالمي.

3. الشراكة الاقتصادية في أفريقيا

قد تبدو فكرة الانتقال من الشرق الأوسط كمنطقة نزاعات خيالاً، خاصة بعد 50 سنة من الحروب والصراعات السياسية. ولكنّ الوثيقة تجيب بشكل غير مباشر على عنصر أساسي ساهم في تخطّي هذه الحقبة، وهي أفريقيا. وقد كانت معظم الدول بما فيها الولايات المتّحدة والدول الخليجية أيضاً تتعامل مع أفريقيا كمنطقة لا تحتاج إلا للمساعدات أو التبشير الديني، وقد ظلّت الولايات المتّحدة تعتمد الأسلوب نفسه حتى إغلاق الـ USAID السنة الماضية، أمّا الدول الخليجية فقد كانت سبّاقة في هذا الانتقال منذ أواخر التسعينات حيث أنّها وجدت في الدول الأفريقية الغنية بالأراضي الزراعية حينها تعويضاً عن الطبيعة الصحراوية للدول الخليجية، وبالتالي وجدتها حاجة لأمنها الغذائي. ولذلك فقد تصدّرت دول الخليج عملية الاستثمار في أفريقيا من وجهة نظر تكاملية واستثمارية لا من وجهة نظر سياسية في العقود الماضية، وهذا جعلها شريكاً محتملاً لأيّ من الدول التي تطمح للانتقال من التعامل مع الدول الأفريقية من المساعدات للاستثمارات.

4. التوازن في العلاقات الخارجية

انتهجت الدول الخليجية في السنوات الأخيرة دبلوماسية خارجية تقوم على التوازن في تحالفاتها مع دول كالصين وروسيا، وقد لاقت هذه العلاقات انتقادات متكرّرة. وقد ازدادت الضغوط في وجه السعودية حين قرّرت، بوساطة عمانية، توسيع هذه التفاهمات في 2023 لتطال أيضاً إيران بعد انقطاع للعلاقات الثنائية بين البلدين لسنوات عديدة. وما تزال هذه الاجتماعات والتواصل مستمراً ويتجلّى من خلال الزيارات المتكررة لأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى السعودية. ولكنّ الوثيقة تأتي لتؤكد أهمية السلام من خلال الدبلوماسية والتفاهم في إحدى مبادئها الأساسية، خاصة في المناطق التي تعتبرها الولايات المتحدة ثانوية في هذه المرحلة. وللمفارقة فإن وثيقة الأمن الوطني البريطاني، والمنشورة في يونيو 2025، تؤكّد أيضاً على أهمية تعزيز الاستقرار والأمن في الشرق الأوسط عبر “احتواء” أي زعزعة لاستقرار المنطقة من قبل إيران. ولذلك كانت السعودية بالتحديد سبّاقة في هذه الخطوة في محاولة منها لبناء سلامٍ أكثر رسوخاً في المنطقة بعد عقود من الخلافات المعلنة بين الطرفين، خاصّة مع مجموعات سياسية مدعومة إيرانياً.

5. حرية الملاحة كركيزة لأمن المنطقة

تنطلق الوثيقة من أهمية الطاقة لخصومها وحلفائها، وتؤكد بذلك على أنّ مصادر الطاقة، والمضائق المرتبطة بها، لا يجب أن تتحكّم فيها أي قوى معاديّة. وتركّز بالتحديد على أهمية تأمين المضائق كمضيق هرمز وباب المندب مع أنّهما، كما تنصّ الوثيقة أيضاً، لا يؤثّران بالمباشر على الولايات المتحدة. وبذلك هي تأكيد للدول الخليجية على أهميّة هذه المضائق لأمنهم القومي، ولا تتركهم وحيدين أمام التهديدات الإيرانية التي طالتهم خلال السنوات الماضية. وقد قامت بالفعل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بالتدخل بشكل مباشر في السنة الأخيرة لرفع الخطر عن المضيقين لحماية حرية الملاحة للدول الخليجية دون أن تكون محاصرة جغرافياً. ولكن هذه الخطوات كانت متأخرة فقد عانى العالم من تقييد حركة الملاحة في البحر الأحمر لما يقارب السنتين. ولكن الدول الخليجية كانت قد بادرت في معالجة الموضوع متابعة عدّة مسارات منها ديبلوماسي بالتنسيق مع مصر وإيران والسودان، ومنها استراتيجي مثل الاستثمار في الدول المطلة على البحر الأحمر. وقد ركّزت الإمارات مثلاً على الاستثمار في الموانئ البحرية في المنطقة بينما قامت السعودية بتوسيع استثماراتها في مصر والسودان والصومال.

خريطة لمضيق باب المندب وخليج عدن

6. الاستثمار في المستقبل

بعد الزيارات المتبادلة، والتي قام بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الدول الخليجية، ثم زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للولايات المتحدة، كان واضحاً فيها أنّ النقاش عن الاستثمارات لا ينحصر فقط في الجانب العسكري والدفاعي رغم أهميتهما، بل يتعدّاه للمقوّمات الأساسية المرتبطة به من معادن نادرة وتكنولوجيا متطوّرة. فالولايات المتحدة تؤكّد في هذه الوثيقة تطلّعها للتعاون مع الدول الخليجية للاستثمار في المعادن النادرة والتنقيب عنها بالإضافة للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وكلاهما عنصرين أساسيين تعتبرهما الوثيقة أساساً للحفاظ على موقع الولايات المتّحدة المتقدّم في العالم. ولذلك فهي تسعى للتعاون مع شركائها لضمان خطوط الإمداد خاصة المتعلّقة بالمعادن النادرة بالإضافة إلى الاتكال على شركاء يمكنهم المساهمة بالتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي بثقة وثبات. وقد قامت الدول الخليجية في التركيز على هذه المجالات ضمن خططها الاستراتيجية في الأساس لتكون قادرة على الانتقال من اقتصاد مبني على النفط ليكون أكثر تنوّعاً ومن هنا كانت الاستثمارات المتعدّدة في السنوات الماضية في القدرة البشرية والبنية التحتية لمجالات الذكاء الاصطناعي، أو الفضاء، أو التصنيع العسكري، أو التنقيب عن المعادن النادرة. ولولا هذا الاهتمام الاستباقي لما كان للدول الخليجية، وبالتحديد السعودية والإمارات، قدرة على أن يكونا شريكين فاعلين في هذه المجالات.

7. احتواء الخلافات في المنطقة

تدعو الوثيقة لإنهاء الصراعات العسكرية في منطقتين أساسيتين في العالم، وهما أوروبا وبالتالي الحرب الروسية الأوكرانية، والشرق الأوسط خاصة بما يخصً الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وتؤكد الوثيقة على انتهاء الصراع المسلّح في الشرق الأوسط، مع إضعاف إيران والتي كانت تغذّي بعض هذه النزاعات، لنصل الآن لمرحلة حساسة وشائكة من المفاوضات لضمان سلام أبدي في المنطقة. ولكنّ هذا الإعلان يأتي متأخراً، بالتحديد للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أكثر من 20 سنة على إعلان الدول العربية إطلاق مسار السلام عبر حل الدولتين والذي أعلنت عنه من بيروت عام 2002. وبالتالي لا تعتبر معظم الدول الخليجية نفسها في مسار جديد، بل مسار أعلنت عنه بوضوح مع باقي الدول العربية وحاولت الحفاظ على مساره رغم كل التحديات الأمنية التي عصفت في المنطقة منذ ذلك الوقت حتى اليوم، بما فيها التحالف الدولي ضد العراق في 2003 والاضطرابات الداخلية في سوريا وليبيا والسودان منذ 2011. وبالتالي فإنّ الدول الخليجية تنطلق بثبات في موقفها الذي يتلاقى اليوم مع هذه الوثيقة التي تؤكّد أهمية إنهاء هذه الحقبة لبناء مسار فعليّ للسلام.

لم تحمل وثيقة الأمن القومي الأميركية تحوّلات غير متوقعة للنخب الخليجية بقدر ما عكست التغيّر في طبيعة العلاقات الأميركية الخليجية في السنوات الأخيرة. من ناحية، فإنّ الدول الخليجية، كما تذكر هذه المقالة، أطلقت الكثير من المبادرات التي جعلتها شريكاً محتملاً لمعظم القوى الإقليمية والعالمية. وأصبح لهذه الدول دور أساسي في تعزيز السلام في المنطقة وقدرة فعلية على التعاون الاقتصادي في مجالات ومناطق متنوعة حول العالم. لم يكن هذا الدور ممكناً لولا الجهوزية التي بنتها الدول الخليجية باستثمارها وتركيزها على بناء قدرتها البشرية وبنيتها التحتية وسياساتها الخارجية على مدى العقدين الماضيين بشكل يضمن لها دوراً أساسياً في كل ما يدور في المنطقة والعالم. وقد بادرت بذلك في خضم تغيّرات سياسية جارفة في العشرين سنة الماضية مما جعلها أكثر قدرة على تحصين نفسها وبناء علاقات أكثر توازناً. وتبرز المبادرات الخليجية المتعلّقة بالتطوير العسكري وتعزيز الاستقرار الأمني في المنطقة كأهم المساعي الخليجية، والتي تتلاقى مع التغيّرات في السياسة الأميركية الحالية تجاه المنطقة. ومع التغيّرات المفصلية في السياسة الخارجية الأميركية، سوف تحمل الأشهر القادمة الكثير من التحديّات الإقليمية والعالمية، وقد يكون الاعتراف بالدور المتنامي للدول الخليجية فرصة يمكن الاستفادة منها، خاصة إن كانت تعني فعلياً إنهاء الفوضى في الشرق الأوسط.