روسيا في مأزق: تراجع القوة الصلبة وانعكاساته على حضورها الخليجي
تواجه روسيا منذ اندلاع الحرب على أوكرانيا في 24 فبراير 2022 أحدَ أكبر اختبارات القوة في تاريخها الحديث، إذ كشفت الحرب عن تآكلٍ بنيوي في قدراتها العسكرية والاقتصادية، واستنزافٍ متسارع لمواردها البشرية والتقنية.
وبحسب تقديرات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI)، تجاوز الإنفاق الدفاعي الروسي 109 مليارات دولار عام 2024، لكنه لم يُترجم إلى تفوقٍ عملياتي أو تحديثٍ مستدامٍ للترسانة، إذ وُجّه معظمه لسدّ الفجوات الميدانية وتعويض الخسائر اللوجستية.
وعمّق هذا النمط من الإنفاق الاستنزافي الفجوة بين صورة القوة التي تروّج لها موسكو وقدراتها الفعلية على الأرض، كاشفًا معضلة روسيا الجوهرية: جيش يستهلك قدراته بدلًا من تطويرها، واقتصاد عسكري يقوم على الكمّ أكثر من الكفاءة، في مواجهة حرب استنزاف طويلة المدى.
وقد التقطت دول الخليج هذه المؤشرات باهتمامٍ بالغ، خصوصًا السعودية والإمارات وقطر، التي أعادت خلال عامَي 2024 و2025 تقييم موقع روسيا ضمن خريطة الشراكات الدفاعية، فبعدما كانت تُقدَّم لسنوات كبديل تسليحي متنوع أمام الاعتماد الغربي، اتضح أن هذا البديل يفتقر إلى الموثوقية التقنية والمرونة التشغيلية.
وتدلّ هذه التحولات على تراجع ما يمكن تسميته بـ القوة الصلبة الروسية (Hard Power) في محيطها الدولي، وهو تراجع يعيد طرح سؤالٍ جوهري في العلاقات الدولية حول حدود الرمزية العسكرية حين تنفصل عن الأداء الواقعي.
فالدولة التي تعجز عن تحقيق حسمٍ عسكري في جوارها المباشر، تفقد تدريجيًا قدرتها على إسقاط النفوذ (Power Projection) في مناطق أبعد – كمنطقة الخليج، التي باتت أكثر انتقائية في تعريف الشريك الدفاعي الموثوق.
وما تواجهه موسكو اليوم ليس مجرد أزمة عملياتية، بل تحول بنيوي في إدراك النظام الدولي لوزنها العسكري. ومع استمرار الاستنزاف البشري والمادي واهتزاز صورة الردع الروسي، تتهيأ أمام دول الخليج فرصة لإعادة صياغة معادلتها الدفاعية على أسسٍ أكثر استقلالية، ووفق رؤية تتجه نحو شراكات قادرة على الدمج بين الحداثة التقنية والاستدامة المؤسسية.

من الاستعراض العسكري إلى تآكل الجاهزية الفعلية
على مدى العقدين الماضيين، سعت موسكو إلى تكريس صورةٍ لقوةٍ عسكرية عظمى قادرة على مجاراة الغرب في ميادين الردع والتسليح، معتمدةً على العروض الضخمة والمناورات الواسعة لإقناع الداخل والخارج بصلابة جيشها.
فمن مناورات الشرق الأقصى عام 2018 بمشاركة أكثر من 300 ألف جندي، إلى العروض السنوية في الساحة الحمراء التي تُبرز أحدث صواريخها وطائراتها، استثمر الكرملين في الرمزية البصرية لتثبيت مكانته كقوة عالمية صلبة.
لكنّ الحرب في أوكرانيا مزّقت هذه الصورة؛ إذ كشفت الوقائع الميدانية هشاشة البنية اللوجستية وضعف الجاهزية التقنية. ووفق تقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، فشلت القوات الروسية خلال عامَي 2023–2024 في الحفاظ على وتيرة عمليات مستقرة بسبب نقص الإمدادات، وتعطّل نحو 40٪ من المدرعات الحديثة نتيجة سوء الصيانة وغياب المكونات الإلكترونية المتطورة. واضطر الجيش إلى إعادة تفعيل دبابات قديمة مثل (T-62) و(T-72) بدل الاعتماد على (T-14 أرماتا) التي كان يُفترض أن تشكّل العمود الفقري لقواته البرية.
ولم يكن هذا التناقض بين الخطاب والقدرة خللًا تقنيًا، بل تجلّيًا لأزمة أعمق في بنية التفكير العسكري الروسي، فالمركزية الصارمة والبيروقراطية الثقيلة تُقيدان القادة الميدانيين وتحدّان من قدرة الجيش على التكيّف مع المتغيرات السريعة، وهكذا ظلّ الجيش الروسي كبيرًا في الأرقام، محدود الكفاءة في الاستجابة العملياتية والتخطيط التكتيكي.
وقد رصدت دول الخليج هذه الثغرات بدقة، إذ أظهرت تقارير دفاعية سعودية وإماراتية عام 2025 انخفاض الجاهزية الروسية بأكثر من 30٪ مقارنة بما قبل الحرب، مع ارتفاع معدلات الأعطال في المعدات المستوردة نتيجة ضعف منظومات الصيانة المحلية، تبعًا لذلك، بدأت العواصم الخليجية تميل تدريجيًا نحو الشركاء الذين يجمعون بين التكنولوجيا المتقدمة والخبرة التشغيلية الواقعية، بدل الارتكاز على الاستعراض الرمزي أو الخطاب الإعلامي.
إنّ ما كان يُقدَّم بوصفه تفوقًا في العرض العسكري تحوّل إلى مؤشرٍ على أزمةٍ أعمق في الثقة والقدرة داخل المؤسسة الروسية، ومع استمرار الحرب، لم تعد المسألة تتعلق بصورة الردع أو حجم الترسانة، بل بقدرة موسكو الفعلية على إنتاج تكنولوجيا قابلة للاستدامة التشغيلية.
ومن هذا المنظور، لن يُقاس مستقبل الدور الروسي في الخليج بقدرته على تسويق القوة، بل بمدى قدرته على إصلاح هذا الخلل البنيوي وتحويل الاستعراض إلى كفاءةٍ حقيقية – وهي مهمة تبدو حتى الآن بعيدة المنال.
الصناعات الروسية العسكرية: قدرات متراجعة وإنتاجية لا تكفي
منذ تدخلها العسكري في سوريا عام 2015، سعت موسكو إلى ترسيخ حضورها في الشرق الأوسط عبر مزيجٍ من الاستعراض الرمزي واستثمار الفراغات التي خلّفها التردد الأمريكي، غير أن الحرب في أوكرانيا كشفت محدودية هذا النهج، إذ تبيّن أن القدرة الروسية الفعلية أقل بكثير من الصورة التي روّجت لها مؤسساتها الإعلامية والدبلوماسية، فمحاولات موسكو لتقديم نفسها كقوة بديلة يمكن لدول الخليج المراهنة عليها في مجالي الطاقة والأمن، انتهت إلى نتائج عكسية.
فعلى المستوى العسكري، أظهرت البيانات أن أكثر من 50٪ من منظومات الدبابات الروسية الحديثة فُقدت أو تضررت في العمليات الأوكرانية حتى منتصف 2024، ما انعكس سلبًا على مكانة الصناعة الدفاعية الروسية التي كانت تحظى بثقة نسبية في الأسواق الخليجية.
ومن بين الأنظمة التي تضررت صواريخ “كاليبر” عالية الدقة، التي تراجع إنتاجها بسبب نقص المكونات الإلكترونية المتقدمة، إضافةً إلى تعثّر برامج تطوير مقاتلات “سو-57” نتيجة صعوبات الحصول على المحركات والتقنيات الحديثة، كما واجهت دبابات “تي-14 أرماتا” تباطؤًا في الإنتاج وارتفاعًا في التكاليف، بينما تأخّر تحديث أنظمة الدفاع الجوي “S-400″ و”S-500” لنفس الأسباب التقنية.
وترافق هذا التدهور الصناعي مع تراجع في القدرة التشغيلية، إذ قلّصت موسكو مشاركاتها في المناورات البحرية بالخليج منذ عام 2023، بعدما كانت تُوظّفها لإظهار حضورها العسكري في المنطقة، وبالمقابل، بدأت العواصم الخليجية تُعيد تقييم جدوى الشراكة الدفاعية مع موسكو بعدما اتضح أن الدعم الروسي لا يرقى إلى مستوى الموثوقية أو الاستدامة العملياتية.
اقتصاديًا، لم تحقق الشراكات الروسية – الخليجية في مجالي الطاقة النووية والتقنيات الدفاعية أي قفزات ملموسة، رغم التفاهمات السياسية رفيعة المستوى. فمع تصاعد العقوبات الغربية وتراجع خطوط الإمداد، باتت روسيا تفتقر إلى القدرة على الالتزام بمشروعات طويلة المدى، ما حدّ من جاذبيتها كشريك استراتيجي موثوق.

هشاشة العمليات الروسية في أوكرانيا.. اختبار الكفاءة العسكرية وحدود الردع
كشفت الحرب في أوكرانيا خلال عامَي 2024–2025 هشاشة البنية العملياتية الروسية، بعدما تحوّلت الوعود بالسيطرة السريعة إلى حرب استنزافٍ طويلة ومكلفة بشريًا وماديًا، فخلال الهجوم الصيفي لعام 2025، تكبّدت موسكو خسائر ضخمة أعادت طرح تساؤلات جوهرية حول فعالية استراتيجيتها العسكرية وقدرتها على تحقيق أهداف الكرملين المعلنة.
وتشير التقديرات الأوكرانية والغربية إلى أن إجمالي الخسائر الروسية قد يقترب من المليون ضحية بحلول منتصف عام 2025، وهو رقم غير مسبوق في التاريخ العسكري الروسي الحديث.
ووفقًا لتقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) الصادر في 3 يونيو 2025 بعنوان: «معاناة روسيا في ساحة المعركة الأوكرانية»، لم يتجاوز معدل التقدم الروسي في مناطق مثل خاركيف 50 مترًا يوميًا، مقارنةً بـ80 مترًا في معركة السوم (1916)، و1580 مترًا في غاليسيا، و410 أمتار في بيلو وود، ما يبرز محدودية القدرة الروسية على تحقيق اختراقات استراتيجية رغم تفوقها العددي والناري.
ومنذ بدء الهجوم في يناير 2024، لم تسيطر روسيا سوى على نحو 5000 كيلومتر مربع، أي أقل من 1٪ من مساحة أوكرانيا، مقارنةً بمكاسبها الواسعة في عام 2022 حين استولت على 120 ألف كيلومتر مربع خلال الأسابيع الخمسة الأولى، كما استعادت أوكرانيا 50 ألف كيلومتر مربع في ربيع 2022، ما يعكس تراجعًا حادًا في الفعالية القتالية الروسية.
أما الخسائر المادية فكانت بدورها جسيمة؛ إذ فقد الجيش الروسي منذ مطلع 2024 أكثر من 1800 دبابة، و3100 مركبة مشاة قتالية، و1150 مركبة مدرعة، و300 قطعة مدفعية ذاتية الحركة، في مؤشر واضح على تآكل القدرة على المناورة الميدانية.
وفي ضوء هذه الأرقام، لم تنظر دول الخليج إلى الحرب كمجرد صراعٍ أوروبي، بل كمؤشرٍ دقيق على كفاءة أحد الفاعلين الدوليين الذين يعرضون أنفسهم شركاء في الأمن الإقليمي، فالعجز الروسي عن إدارة حرب في جواره المباشر يثير شكوكًا عميقة حول قدرته على تقديم ضمانات دفاعية موثوقة خارج حدوده، خصوصًا في بيئاتٍ أكثر تعقيدًا مثل الخليج.
ومن هنا تتضح علاقة السبب بالنتيجة: فكلما كشفت العمليات في أوكرانيا عن فجوة بين الخطاب الروسي والقدرة العملياتية الفعلية، زاد اتجاه العواصم الخليجية لإعادة تقييم رهانها على موسكو وفق مبدأ «الكفاءة قبل الخطاب»،

الثقافة العسكرية الروسية.. قيود هيكلية تحد من الموثوقية الدفاعية
كشف الأداء العسكري الروسي في السنوات الأخيرة، خصوصًا في الحرب الأوكرانية، عن اختلالات عميقة في الثقافة التنظيمية للمؤسسة العسكرية، تُضعف قدرتها القتالية وتحدّ من موثوقيتها كشريك دفاعي.
فقد أظهرت التجربة الميدانية أن المركزية المفرطة في صنع القرار والجمود البيروقراطي داخل التسلسل القيادي يقلّلان من قدرة الوحدات على التكيّف مع متغيرات المعركة، ويكبحان روح المبادرة والابتكار لدى القادة الميدانيين.
تشير تقارير متخصصة إلى أن الجيش الروسي لا يزال يعتمد على نموذج قيادي هرمي صارم يُضعف فاعلية القرارات الميدانية للضباط الوسطى، ويُعطل تدفق المعلومات بين المستويات القتالية، ما يؤدي إلى بطء الاستجابة وتكرار الأخطاء العملياتية، وهذه البنية الجامدة جعلت الجيش أقل قدرة على مجاراة الهجمات الأوكرانية المضادة، وأضعفت مرونته في تنفيذ عمليات تكيفية أو مبادرات ذاتية على الأرض.
ووفق تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) لعام 2025، تفاقمت هذه الإشكالات الهيكلية بفعل الفساد وسوء إدارة الموارد داخل المؤسسة العسكرية، وهو ما انعكس على عمليات الصيانة والتحديث، وزاد من اعتماد القوات الروسية على منصات قديمة أو منخفضة الكفاءة.
وتُظهر هذه العوامل أن القيود الهيكلية والثقافية تضع سقفًا واضحًا للكفاءة العملياتية الروسية، إذ تقلّل من قدرة موسكو على تحقيق مكاسب مستدامة، وتُضعف مصداقيتها في نقل التكنولوجيا أو تقديم دعم عسكري فعّال.
فالمركزية المفرطة وضعف الشفافية يحدّان من قدرة روسيا على إدارة التحالفات العسكرية المعقدة أو الالتزام بالتنسيق الفني طويل الأمد، ما يجعلها شريكًا دفاعيًا متراجع الموثوقية في نظر العواصم الخليجية.
ولا تقتصر هذه الإخفاقات على البعد التكتيكي أو الظرفي، بل تمتد إلى العقيدة العسكرية ذاتها، التي باتت عائقًا بنيويًا أمام طموح موسكو للحفاظ على موقعها كشريك تسليحي موثوق، وفي المقابل، أصبحت الدول المقتنية للسلاح تُقيِّم الشراكات الدفاعية وفق معايير جديدة تقوم على الكفاءة التكنولوجية، والمرونة المؤسسية، والانفتاح على التطوير المشترك – وهي معايير تميل كفتها بوضوح نحو النماذج الغربية والآسيوية الأكثر توازنًا واستدامة.