تقارير

الدفاع الصاروخي الخليجي – سد الثغرات في المنظومة الدفاعية

ويعني ذلك تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والأمني بين دول المجلس، بما يسمح لها بإدارة شؤونها الدفاعية بشكل أكثر استقلالية. وفي إطار السعي لتحقيق توازن قوى إقليمي مع دول الجوار، خاصة إيران، اتجهت دول الخليج إلى مسارين متوازيين: الأول هو تعزيز التحالفات مع الولايات المتحدة والدول الغربية الصديقة، والثاني يتمثل في تسخير إمكاناتها الاقتصادية والسياسية لتقوية قدراتها العسكرية الذاتية، لاسيما في مجالات الدفاع الجوي والمنظومات الصاروخية.

في هذا البحث، نسعى إلى تفكيك ملامح التحوّلات الدفاعية في دول مجلس التعاون الخليجي، في ظل بيئة أمنية معقدة فرضت على هذه الدول إعادة التفكير في منظوماتها العسكرية، ليس فقط من زاوية التسلّح، بل أيضًا من حيث التموقع الجيوسياسي والتصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا.

 وانطلاقًا من تصاعد التهديدات الإقليمية، وتراجع المظلة الأمنية الأميركية التقليدية، تتقدم ملفات مثل الدفاع الجوي والصاروخي إلى صدارة أولويات الأمن الخليجي، وعبر تحليل الاتجاهات الراهنة في مجالات الشراكات الدفاعية والتصنيع العسكري وبناء الجاهزية العملياتية، يحاول هذا البحث الإجابة على السؤال المزمن: هل من درع خليجي مشترك؟ وما هي الشروط السياسية والتقنية التي تجعل هذا الخيار ممكنًا في لحظة التنافس الدولي الراهنة؟

أولا – قدرات خليجية واعدة في الدفاع الجوي

تعتمد دول مجلس التعاون الخليجي في دفاعها الجوي بشكل أساسي على منظومة ثاد الأميريكية. وتعد ثاد” منظومة متنقلة مضادة للصواريخ الباليستية، طوّرتها شركة “لوكهيد مارتن” لأنظمة الصواريخ والتحكم في النيران، وهي مصممة لاعتراض وتدمير الصواريخ الباليستية القصيرة والمتوسطة إلى بعيدة المدى خلال مرحلتها النهائية عبر تقنية “تقنية الاصطدام المباشر  (hit-to-kill)، ولا تحمل صواريخ المنظومة رؤوسًا حربية، بل تعتمد على قوة الاصطدام لتدمير الهدف، ويُقدّر مدى المنظومة الأقصى بنحو 200 كيلومتر.

1 – السعودية

بعد انتهاء صراع استمر 12 يومًا بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، حيث استهدفت صواريخ إيرانية دولة قطر في الليلة الأخيرة من القتال، دشّنت قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي أول بطارية من منظومة الدفاع الصاروخي الأميركية المتطورة “ثاد – THAAD)، وذلك بعد استكمال اختبارات التشغيل، وتفعيل النظام، والتدريب الميداني داخل المملكة، وتشمل الصفقة سبع بطاريات، تضم كل منها راداراً، وست منصات إطلاق، ومحطتين تكتيكيتين متنقلتين، إلى جانب مجموع 360 صاروخاً اعتراضيًا.

ولم تقتصر المملكة على شراء الأنظمة الدفاعية فحسب، بل اتجهت نحو توطين مكوّنات الدعم الفني والتقني، إذ وقّعت الهيئة العامة للصناعات العسكرية في 28 ديسمبر 2019 أول اتفاقية مشاركة صناعية مع شركة “رايثيون”، بهدف نقل المعرفة المتعلقة بصيانة وتجديد منظومة الدفاع الجوي “باتريوت”، التي شكّلت لفترة طويلة العمود الفقري للدفاع الصاروخي السعودي، وهو توجه يأتي في إطار مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تضع توطين الصناعات العسكرية في صلب استراتيجيات التنويع الاقتصادي وتعزيز الاستقلالية الدفاعية، عبر الوصول إلى نسبة توطين تبلغ 50% من الإنفاق العسكري بحلول نهاية العقد.

2 – سلطنة عمان

تلقت سلطنة عمان نظام الدفاع الجوي NASAMS المتوسط المدى وهو من تنفيذ مشترك ما بين شركة Kongsberg Defense & Aerospace  النرويجية مع رايثيون الأميريكية، ووضعته السلطنة في الخدمة منذ عام 2007. وأطلقت عليه اسم “برق”، وزُوّد بنظام رادار الحارس Sentinel  ومستشعِر EO متنقل.

وقد أدرجت سلطنة عُمان هذا النظام ضمن منظومتها المتكاملة للدفاع الجوي، والتي تضم رادارات متقدمة مثل S-743D “مارتيلو”، إلى جانب بنية اتصالات داعمة. وتتكوّن هذه المنظومة من 28 منصة لإطلاق صواريخ “رابيير – Rapier”، وتُدار نيرانها عبر رادارات تتبع ذاتي من طراز “بلايند فاير – Blindfire”. وتنتظم هذه التشكيلات في كتيبة دفاع جوي تتألف من سريّتين، ما يعكس درجة عالية من التنظيم العملياتي والتكامل التقني في بنية الدفاع العماني.

ويعمل نظام NASAMS بشكل متكامل مع منظومة صواريخ باتريوت Patriot للدفاع الجوي، ونظام هوكHawk ، كجزء من نظام الدفاع الجوي الصاروخي الخاص بشركة رايثيون.

3 – الكويت

في 29 مايو 2020، عقدت الولايات المتحدة صفقة مع دولة الكويت لتوريد 84 صاروخًا من الجيل الأحدث لمنظومة “باتريوت باك-3″، إلى جانب مجموعة من المعدّات الهادفة إلى تحديث الأنظمة الدفاعية المضادة للصواريخ، وذلك بإجمالي قيمة بلغت 1.425 مليار دولار. وتُعد هذه الصفقة جزءًا من جهود تعزيز قدرة الكويت على مواجهة التهديدات الجوية والصاروخية، لا سيما في ما يتعلق بحماية البنية التحتية الحيوية لقطاعي النفط والغاز.

وفي تطور لاحق، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في أبريل 2025 أن وزارة الخارجية وافقت على صفقة محتملة جديدة بقيمة 400 مليون دولار، تشمل تحديث وتأهيل أجزاء من منظومة “باتريوت”، بما يُعزز الاستدامة العملياتية لقدرات الدفاع الجوي الكويتي.

4 – الإمارات

كانت الإمارات الدولة الأولى التي عقدت على شراء بطاريتين من منظومة ثاد عام 2011 وبلغت القدرة التشغيلية الكاملة لهما في 2016. وفي إخطار ثالث لوزارة الخارجية، في مايو 2020 تم إعطاء دولة الإمارات موافقة على صفقة قيمتها 2.73 مليار دولار لشراء صواريخ باتريوت ومعدات مرتبطة بها تشمل 452 (بي أيه سي – 3) و(إم إس إي) والمعدات المرتبطة بها.

5 – البحرين

ووافقت وزارة الخارجية في مايو 2020 كذلك على بيع البحرين أنظمة مختلفة من صواريخ باتريوت ومعدات الدعم المتعلقة بها بتكلفة تقدر بنحو 2.48 مليار دولار، وتشمل الصفقة البحرينية المحتملة 36 صاروخ باتريوت إم آي إم-104 جي إم إي-تي، وهي نسخة مطورة يمكنها إسقاط طائرات وصواريخ كروز.

6 – قطر

وكانت دولة قطر السباقة في الحصول على منظومات الباتريوت، فمنذ العام 2014 اشترت قطر بطاريات صواريخ باتريوت الأميريكية ومروحيات اباتشي القتالية في إطار صفقة سلاح تقارب قيمتها 11 مليار دولار.

وقال المسؤولون الأميركيون ان قطر ستحصل في إطار الصفقة على نحو 10 اجهزة رادار و34 نظام صواريخ باتريوت لاعتراض أي صواريخ هجومية، ومن المتوقع أن تصبح قطر ثالث مشغّل إقليمي للمنظومة الحديثة، بعد توقيعها على اتفاق للحصول عليها ضمن حزمة تسليح أمريكية ضخمة، تم توقيعها في مايو 2025.

ثانياً – محدودية فعالية منظومة ثاد الدفاعية

في 14 سبتمبر 2019، اخترق سرب من الطائرات بدون طيار المحملة بالمتفجرات وصواريخ كروز المجال الجوي السعودي وضرب منشآت بقيق وخريص النفطية، تم استخدام طائرات F-15 السعودية المسلحة بصواريخ AMRAAM لاعتراض الطائرات بدون طيار التابعة للحوثيين من اليمن والتي انتهكت مجالها الجوي.

وبالرغم من تفعيل منظومة ثاد لكن المسيّرات وصواريخ الكروز اليمنية حققت أهدافها بنجاح، حول هذا القصور في أداء المنظومة، يقول آرام نركيزيان من مركز كارنيغي للشرق الأوسط، لموقع  Defense News في نوفمبر 2019: “لم يتم تصميم أنظمة PAC-2  PAC-3  في السعودية لاعتراض صواريخ كروز منخفضة الارتفاع أو التي تطير بمستوى الأرض أو الطائرات بدون طيار الصغيرة والمنخفضة. كانت الطائرة المسيّرة قادرة على استخدام انحناء الأرض لإخفاء تحركاتها”,

ربما تكون الطائرات المقاتلة التي تقوم بدوريات جوية قتالية منخفضة المستوى هي الطريقة الوحيدة للكشف عن مثل هذه التهديدات ومواجهتها. مع ذلك، فإن استمرار هذه الدوريات أمر مكلف وغير مجد.

بلا شك، ستثار العديد من الأسئلة داخل أروقة السياسيين، لكن أكثرها أهمية داخل جيوش المنطقة ستكون: هل هم بحاجة إلى إعادة طريقة التسليح؟ وعلى ماذا يتم التركيز مستقبلًا؟ وأي الأسلحة أكثر تأثيرًا؟ هل الطائرات ذات التكلفة العالية، أم الصواريخ العابرة، أم الطائرات بدون طيار (الدرونز) خفيفة الحركة ومنخفضة التكلفة؟ وهل الجيوش بحاجة للاشتباك المباشر على الأرض كما كانت في الحروب التقليدية سابقًا أم لا؟، وغالبًا ستبقى هذه التساؤلات تؤرق صناع القرار لسنوات طويلة.

ثالثاً: مدى فعالية الحماية الأميركية

يعود الوجود الأميركي في بعض دول الخليج إلى عقود بعيدة، ففي عام 1987 تدخلت الولايات المتحدة لحماية ناقلات النفط التي كانت تتعرض لهجمات إيرانية في الخليج العربي، ولهذا أصبح[A1]  الوجود الأميركي أكثر تأسيساً وضمن شراكات استراتيجية في أعقاب حرب الخليج المعروفة بـ “عاصفة الصحراء” سنة 1991، حين قادت الولايات المتحدة الأميركية تحالفاً دولياً لإخراج القوات العراقية التي غزت الكويت، فوقّعت عدة دول خليجية اتفاقيات دفاعية مع واشنطن في الأشهر التي أعقبت الحرب.

ليس من السهل تتبع الوجود الأميركي في الخليج بدقة، فهذا الوجود لا يقتصر فقط على القواعد العسكرية الثابتة، لكنه يشمل أيضاً السفن الحربية وحاملات الطائرات وغيرها، كما أن أعداد القوات ومهامها تتغير بشكل مستمر. ووفقاً لخارطة محدثة حتى نهاية 2021 نشرتها منظمة “مشروع الأمن الأميركي”، فقد تم نشر 1800 فرد من جناح الاستطلاع الجوي رقم 378 في القاعدة نهاية 2019، كما تحتوي القاعدة على بطاريات باتريوت وعلى نظام “ثاد” المضاد للصواريخ البالستية.

ولكن، في هجومها الجوي الذي نفذته القاذفة الاستراتيجية الأميركية خلال العام الجاري في 23 يونيو 2025 كان الرد الإيراني بقصف قاعدة العديد بستة صواريخ استطاع نظام الباتريوت إسقاط خمسة منها، أن استنكاف القيادة الأميركية الوسطى من استخدام قواعدها في دول الخليج لم يمنع الرد الإيراني ما يبعث على التساؤل حول مدى فعالية تلك القواعد في الدفاع على الدول التي تستضيفها.

وهذا دفع بالإعلام الأميركي بطرح تساؤلات قديمة بشأن مدى فعالية التمركز العسكري الأميركي في المنطقة، فالقواعد الثابتة، رغم ضخامتها وتكلفتها، تظل معرضة للقيود السياسية من الدول المضيفة، وأهدافاً مكشوفة في بيئة إقليمية تتنامى فيها القدرات الصاروخية وغير التقليدية.

رابعاً – البدائل الاستراتيجية أمام دول الخليج

تُثار إشكالية البدائل الاستراتيجية انطلاقاً من واقع المشاركة غير المعلنة لدول الخليج، التي تستضيف قواعد عسكرية أميركية أو تابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، في الحرب الجوية والصاروخية المكثفة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، خلال الأيام الاثني عشر الأولى من عام 2025. فهذه الدول، وإن لم تُعلِن انخراطها صراحة، فقد شاركت عملياً وتكتيكياً عبر البنية المعلوماتية والقيادية التي يوفّرها نظام Link 16.

هذا النظام هو منظومة ربط بيانات تكتيكية، آمنة ومقاومة للتشويش، تُستخدم على نطاق واسع من قِبل الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو، ويشكّل العمود الفقري للربط العملياتي بين المنصات القتالية الجوية والبحرية والبرية. وقد أتاحت هذه الشبكة لإسرائيل والولايات المتحدة تشغيلًا مشتركًا عبر القواعد المتقدمة في المنطقة، لا سيما في دول الخليج.

ومنذ عام 2021، جرى تجهيز مقاتلات الشبح الإسرائيلية F-35I “أدير” بوحدات Link 16 أميركية الصنع، ما سمح لها بالتكامل الكامل مع الأنظمة المنتشرة في المتوسط والبحر الأحمر، بل ومع المنصات الغربية المتمركزة في الخليج، كالرادارات ومراكز القيادة والاشتباك الموجودة داخل القواعد الأميركية في السعودية، وقطر، والكويت، والبحرين، والإمارات.

غير أن هذا الانكشاف التشغيلي يطرح على دول الخليج تساؤلات ملحة بشأن محدودية استقلالها العملياتي، ويعيد النقاش حول الحاجة إلى بدائل استراتيجية تحقّق قدرًا من التوازن، سواء عبر تطوير بنية اتصالات مستقلة، أو تنويع الشراكات الدفاعية بما يتجاوز الاحتكار الغربي لأنظمة التشغيل والقيادة

وختاماً

لا بديل عن التماسك، فأمن الخليج ليس شأنًا داخليًا، إنه شأن عالمي، لما للمنطقة من دور محوري في أمن الطاقة والملاحة والتجارة العالمية، لكن العالم، مهما كان حريصًا، لا يستطيع أن يدافع عن منطقة لا تدافع عن نفسها أولًا؛ ولذلك، فإن اللحظة الحالية تستدعي قرارات تاريخية من قادة الخليج، تبدأ بإعادة تعريف مفهوم الأمن القومي، وتصل إلى رسم ملامح استقلالية استراتيجية فعلية.

إن حادث استهداف قاعدة العديد لا يُعد مجرد إنذار مبكر لهشاشة البنية الدفاعية في الخليج، بل يشكّل فرصة استراتيجية لإعادة التقييم وإعادة التموضع. فهو يفتح الباب أمام التفكير في نموذج جديد للردع، يقوم على التكامل المعلوماتي والتقني والعملياتي، لا مجرد الاعتماد على وجود القواعد الأجنبية كضمانة أمنية.

هذا الحدث يفرض ضرورة بناء شبكة دفاع ذكية متكاملة خليجيًا، مدعومة بتحالفات متعددة الأبعاد، تتجاوز الحسابات الثنائية أو ردود الفعل العاجلة، وتنطلق من رؤية خليجية موحدة تسعى إلى تحقيق السيادة التشغيلية والمرونة الاستراتيجية.

وحين أشرت سابقًا إلى “وجود بديل”، فإن المقصود هنا هو النموذج المتقدم الذي حصلت عليه إسرائيل ضمن إطار التعاون مع الولايات المتحدة: وهو نموذج يعتمد على ربط جميع الوحدات القتالية عبر منظومة قيادة وتحكم ومعلومات مشتركة مثل: ((Link 16 ، ما يسمح بمستوى عالٍ من التنسيق والاستجابة والتشغيل البيني مع الحلفاء، دون حاجة للاعتماد المفرط على التحكم المركزي الأميركي.

ولا يُمنح هذا النموذج تلقائيًا، بل يُنتزع سياسيًا وتفاوضيًا، ما يفرض على الدول الخليجية الإصرار على نقل التكنولوجيا، وتوطين نظم القيادة والسيطرة، وتحديد قواعد الاشتباك بما يخدم مصالحها الدفاعية الذاتية. فامتلاك هذه القدرة ليس رفاهية، بل هو ضرورة لضمان أمن سيادي قادر على مواجهة الأخطار المستجدة، ومعالجة الخلل المزمن في استقلال القرار الدفاعي.

فريق التحرير Rutba Logo
عضو فريق التحرير

العميد ناجي ملاعب

عميد متقاعد وخبير عسكري واستراتيجي لبناني. يتمتع بخبرة طويلة في الأمن والدفاع، ويُعرف بتحليلاته العميقة للأوضاع العسكرية والسياسية في لبنان والمنطقة. تولى مناصب إعلامية وأكاديمية، بينها رئاسة تحرير مواقع متخصصة في الأمن والدفاع. يقدم قراءات استراتيجية للنزاعات الإقليمية وتأثيراتها على الأمن القومي، ويُعد مرجعًا في الشأن العسكري

تابع على الشبكات الاجتماعية
العميد ناجي ملاعب