تقارير

التصنيع الدفاعي الخليجي.. بين طموح الاستقلال الاستراتيجي واختبار التحديات البنيوية 

تدخل دول مجلس التعاون الخليجي مرحلة مفصلية في سياساتها العسكرية، مدفوعة ببيئة إقليمية مضطربة تتزايد فيها التهديدات السيادية وتتعمق الضغوط على موازنات الدفاع، ويتمثل جوهر هذا التحول في الانتقال من موقع “المشتري الأكبر” للأسلحة إلى تبنّي مسار طموح لتوطين الصناعات الدفاعية المتكاملة، وبناء قدرات تكنولوجية تتيح السيطرة على دورة التسلح الكاملة – من التصميم إلى الصيانة – بما يحدّ من الاعتمادية التقليدية على القوى الغربية. 

ولم يعد التصنيع الدفاعي في الخليج مجرد استجابة لحاجات عسكرية آنية، بل غدا ركيزة أساسية في استراتيجيات وطنية أوسع، كما يتجلى في “رؤية السعودية 2030″ و”برنامج التوازن الاقتصادي الإماراتي”. وهنا يتجاوز دوره الأمني ليُوظَّف كأداة للتنويع الاقتصادي وخلق فرص عمل عالية التقنية، بما يعكس تداخلاً بين اعتبارات الدفاع والتنمية في آن واحد. 

ورغم الطموحات الكبرى—كسعي الرياض إلى توطين 50% من إنفاقها الدفاعي، وصعود الإمارات إلى قائمة أكبر 25 شركة سلاح عالميًا عبر مجموعة EDGE—تواجه دول الخليج تحديات جوهرية: من صعوبة نقل التكنولوجيا وتوطين المعرفة، إلى بناء الكوادر البشرية القادرة على تشغيل وتطوير هذه الصناعات، مرورًا بمنافسة تحالفات دولية تمتلك خبرات متراكمة وهيمنة طويلة في سوق السلاح. 

 بين الطموح الاستراتيجي والتحديات البنيوية 

تعتبر دوافع التحول الخليجي نحو الصناعات العسكرية متشابكة، حيث تجتمع فيها الضرورات الأمنية مع الطموحات الاقتصادية وأجندات السيادة الوطنية، فقد فرضت التهديدات المعاصرة -مثل الهجمات بالطائرات المسيرة والحروب السيبرانية- حاجة ملحة لامتلاك أدوات دفاع غير تقليدية. 

ويضاف إلى ذلك الأزمات الإقليمية كالحرب في اليمن، وتنامي الجماعات المتطرفة خارج سياق الدول، خاصة تلك المدعومة من إيران على مدار العقد ونصف العقد الماضيين، وذلك في ظل محدودية النموذج القائم على الاستيراد، في الصيانة والتحديث أثناء النزاعات، وذلك على المستوى الأمني. 

بينما على المستوى الاقتصادي، صار التصنيع العسكري ركيزة في رؤى التنويع، كما في “رؤية السعودية 2030” التي تستهدف توطين 50% من الإنفاق الدفاعي، أو تجربة الإمارات مع “EDGE” التي حققت صادرات دفاعية بـ 5 مليارات دولار، وهو تحول يدعم بناء سلاسل إمداد محلية في الإلكترونيات والبرمجيات المتقدمة، وهو ما يضمن لدول الخليج مرونة في تجاوز قيود موردي السلاح التقليديين، عبر تعزيز الاستقلالية السياسية والأمنية وتطوير قدرات تصديرية تنافس في أسواق إفريقيا وآسيا. 

السعودية: هندسة صناعة دفاعية في ظل رؤية طموحة 

تمثل التجربة السعودية في التصنيع الدفاعي نموذجاً لتحول استراتيجي مدروس، يجمع بين الطموح العسكري والرؤية الاقتصادية، فمع إطلاق رؤية 2030، شرعت المملكة في إعادة تشكيل منظومتها الدفاعية عبر مقاربة مؤسسية متكاملة، تضع التوطين في صلب أولوياتها. 

وفي عام 2017، شهد القطاع تحولاً مؤسسياً بارزاً بتأسيس الهيئة العامة للصناعات العسكرية (GAMI)، التي مثلت حجر الزاوية في هذه الاستراتيجية، وتجاوزت التنظيم والترخيص، لتشمل وضع السياسات ومراقبة التزام الشركات الأجنبية بنقل التقنية، وهو هيكل مؤسسي جديد أسس لمرحلة مختلفة تماماً، حيث أصبح التوطين معياراً أساسياً في كل صفقة عسكرية، ومن هذا المنطلق برزت شركة الصناعات العسكرية السعودية (SAMI) كأبرز تجسيد عملي لهذه الرؤية، كونها تأسست كذراع صناعي لصندوق الاستثمارات العامة، ونجحت في فترة وجيزة في بناء شبكة شراكات دولية مع كبار اللاعبين العالميين مثل: لوكهيد مارتن ورايثيون.  

وما يميز نموذج “SAMI” هو تركيزه على التخصص عبر وحداته الأربع الرئيسية، التي تغطي كافة المجالات من الأنظمة الجوية إلى الإلكترونيات الدفاعية المتقدمة، وهو ما تؤكده الأرقام، التي قفزت من من معدل التوطين لا يتجاوز 2% قبل عقد من الزمن، إلى نحو 19.35% بنهاية 2023، وهو تقدم يتزايد باضطراد، في ظل إنفاق دفاعي ضخم يتجاوز 78 مليار دولار لعام 2025، مما يوفر حاضنة استثمارية غير مسبوقة للصناعات المحلية. ويتمثل التحول الأهم في النموذج السعودي تغيير فلسفة التعامل مع الملف العسكري، من مجرد مشترٍ للعتاد إلى شريك استراتيجي في الصناعات الدفاعية، فلم تعد المملكة تعتمد فقط على برامج التعويضات الصناعية (أوفست)، بل أصبحت جزءً من استراتيجية أوسع لبناء قاعدة صناعية متكاملة.

الإمارات: قفزة استراتيجية نحو ريادة التصنيع الدفاعي المتقدم 

تمثل التجربة الإماراتية في الصناعات الدفاعية نموذجاً فريداً يجمع بين الطموح التكنولوجي والرؤية التصديرية، حيث استطاعت أبو ظبي خلال سنوات قليلة أن تضع نفسها على خريطة الصناعات العسكرية العالمية، ففي عام 2019، شهد القطاع الدفاعي الإماراتي نقلة نوعية مع تأسيس مجموعة EDGE، التي مثلت تجسيداً عملياً لرؤية القيادة في بناء صناعة دفاعية وطنية متكاملة.  

ولم تكن EDGE مجرد دمج لشركات قائمة، بل صممت كمنظومة متكاملة تضم أكثر من 25 شركة متخصصة في مجالات الطائرات المسيرة والأمن السيبراني والأنظمة الذكية، وهذا التكامل الاستراتيجي مكن المجموعة من تحقيق قفزات سريعة في سوق التسلح العالمي. وما يميز النموذج الإماراتي هو تركيزه الواضح على قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، فبدلاً من التنافس في الأسواق التقليدية، اختارت EDGE تحقيق التميز، من خلال التخصص في مجالات الذكاء الاصطناعي التطبيقي والأنظمة المستقلة والحلول السيبرانية، وهي القطاعات التي تشهد نمواً متسارعاً في الأسواق العالمية، وهو توجه استباقي تدعمه استثمارات ضخمة في البحث والتطوير وتطبيقات الثورة الصناعية الرابعة. 

وتؤكد الأرقام صدق هذا التوجه، فبعد أن كانت الصادرات الدفاعية الإماراتية شبه معدومة قبل عقد من الزمن، قفزت مساهمتها إلى 35% من إنتاج EDGE في 2024، مع توقعات بتجاوز حاجز 50% قريباً، وهو أداء جاء نتيجة سياسة تصديرية نشطة تركز على الأسواق الناشئة في آسيا وأفريقيا، مدعومة بشبكة من الشراكات الاستراتيجية مع كبار المنتجين العالميين، وهذه السياسة تسير بالتوازي مع سياسة أخرى محلية، فقد نجحت الإمارات في بناء منظومة متكاملة تشمل كافة حلقات السلسلة الإنتاجية، من شركات ناشئة مثل حلقون وكاليدوس، إلى مراكز البحث والتطوير المتخصصة، وصولاً إلى برامج تأهيل الكوادر الوطنية، وهذه المنظومة المتكاملة مكنت من تحقيق معدلات توطين تصل إلى 80% في بعض المنتجات، وهو إنجاز لافت في مجال معقد مثل الصناعات الدفاعية. 

قطر والبحرين وعُمان: تحولات دفاعية في ظل أولويات متباينة 

وتشهد الدول الخليجية الثلاث تحولات تدريجية في سياساتها الدفاعية، وإن اختلفت وتيرتها وطبيعتها بحسب الأولويات الاستراتيجية والإمكانيات المتاحة لكل منها، وهذه التحولات إدراكاً متزايداً لأهمية تعزيز الاستقلالية الدفاعية في بيئة إقليمية تتسم بتصاعد التحديات الأمنية. 

ففي قطر، مثلت أزمة الحصار الخليجي (2017-2021) نقطة تحول فارقة في التفكير الاستراتيجي، حيث أدركت الدوحة الحاجة الملحة لتنويع مصادر التسلح وتطوير قدرات تصنيعية محلية، وإن كانت حدودة، وقد تجلى ذلك في زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 8.8 مليار دولار عام 2024، مع تركيز خاص على تحديث الأسطول الجوي وتعزيز القدرات البرية، كما سعت إلى عقد شراكات تقنية مع لاعبين إقليميين ودوليين، خاصة في مجال أنظمة الدفاع الجوي والمركبات المدرعة، وإن ظلت هذه الجهود في مراحلها الأولى مقارنة بالدول الخليجية الكبرى. 

أما البحرين، فقد اختارت نهجاً مختلفاً يركز على المشاريع النوعية بالتعاون مع الحلفاء الاستراتيجيين. تجربة التجميع المحلي لمقاتلات F-16 تمثل نموذجاً فريداً في المنطقة، حيث استطاعت المملكة أن تضع قدمها في مجال حساس ومعقد مثل صناعة الطائرات الحربية، وهذا المشروع، رغم كونه يخضع للإشراف الفني المباشر من الشركة الأم، يظل خطوة مهمة في مسار التوطين الدفاعي، كما أولت البحرين اهتماماً خاصاً بتطوير قدرات الصيانة والإصلاح، وهو مجال حيوي لضمان استمرارية التشغيل في أوقات الأزمات. 

وتتبع سلطنة عُمان مساراً أكثر حذراً يتناسب مع سياستها الخارجية المحايدة وطبيعة اقتصادها، فقد بدأت في اتخاذ خطوات ملموسة لتحفيز الصناعات الدفاعية المحلية، خلال السنوات الأخيرة، من خلال إنشاء مناطق صناعية متخصصة وتقديم حوافز استثمارية جاذبة، في إطار استراتيجية الشراكة مع الدول الصديقة لتعويض الفجوات التكنولوجية، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي كبوابة بحرية تربط بين الخليج والمحيط الهندي. 

الخليج: من المشتري إلى الشريك الاستراتيجي 

لقد تجاوز دول الخليج مفهوم الشراء المباشر إلى شراكات استراتيجية، تقوم على المنفعة المتبادلة وليست علاقة في اتجاه واحد، فعلى سبيل المثال وقعت السعودية اتفاقيات مع شركات عالمية كـ “رايثيون” و”لوكهيد مارتن” لتوطين أجزاء من أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة، تعكس نموذجاً متكاملاً يشمل التصنيع والبحث والتطوير، فضلاً عن تدريب الكوادر الوطنية، كذلك الإمارات طورت نموذج “التكامل الصناعي” الذي يركز على التعاون التكنولوجي العميق، كما في شراكتها مع اليابان لتطوير أنظمة الدفاع المشتركة، وهي شراكة تتضمن خططاً زمنية مفصلة لنقل المعرفة في مجالات حساسة مثل: أنظمة التحكم والاتصالات العسكرية، مما يعكس فهماً متقدماً لطبيعة الصناعات الدفاعية الحديثة التي تعتمد على التكامل بين التخصصات التقنية المختلفة.   

فريق التحرير Rutba Logo
عضو فريق التحرير

محمد الشرقاوي

باحث في العلاقات الدولية، يدرس ماجستير العلوم السياسية بكلية الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة. يهتم بقضايا الأمن الإقليمي والعلاقات بين الدول الأفريقية والدول الكبرى، مع تركيز على التفاعلات السياسية والاقتصادية في المنطقة. يشارك في ندوات أكاديمية وإعلامية، وله مساهمات بحثية تتناول العلاقات الدبلوماسية والتحولات الجيوسياسية.

تابع على الشبكات الاجتماعية
محمد الشرقاوي