دبلوماسية الخليج الدفاعية.. إعادة تموضع في هندسة الأمن الإقليمي
بدأت دول مجلس التعاون الخليجي منذ أكثر من عقدين، في التحرر التدريجي من الصورة النمطية التي حصرت وظائف جيوشها في حماية الأنظمة والدفاع عن الحدود، فمع تعاظم التهديدات العابرة للحدود وتراجع الحضور العسكري الغربي المباشر في المنطقة، تبنّت العواصم الخليجية مفهومًا جديدًا للدور العسكري، يقوم على توظيف المؤسسات الدفاعية كأدوات للنفوذ السياسي والتموضع الجيوستراتيجي.
وبلغ هذا التحول ذروته في السنوات الأخيرة، حيث شهدت السياسات الدفاعية الخليجية طفرة في التوسع الخارجي، ليس من بوابة الحروب، بل من خلال “الدبلوماسية ذات الطابع العسكري” التي تعتمد على تدريب الجيوش الأخرى، وإقامة قواعد خارجية، وتوقيع اتفاقيات تعاون أمني متقدمة، مثل تلك التحركات في القرن الأفريقي.

وتُعيد الجيوش الخليجية تموضعها كأدوات نفوذ سياسي، فإن هذا التحول لا يأتي من فراغ، بل هو انعكاس مباشر لتبدّل أولويات القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إذ باتت واشنطن، منذ إدارة أوباما، تميل إلى تقليص وجودها العسكري في الخليج، مدفوعة بعدم اعتمادها على النفط الخليجي، وسأم جمهورها الداخلي من الحروب الخارجية، ما أدى إلى إعادة توزيع الانخراط الأمريكي نحو آسيا والمحيط الهادئ، وفي ظل هذا التراجع، لم تجد دول الخليج بديلًا سوى بناء أدواتها الخاصة للردع والتأثير، بما يضمن لها هامشًا من السيادة الأمنية والتموضع الإقليمي.
في المقابل، تتقدّم الصين بخطى حثيثة نحو ملء الفراغ، لكن عبر بوابة الاقتصاد لا العسكرة، فمن خلال مبادرة الحزام والطريق، كثّفت بكين استثماراتها في موانئ وممرات بحرية تمتد من جوادر إلى الخليج والقرن الإفريقي، دون أن تخفي حاجتها إلى حماية خطوط مواصلاتها الاستراتيجية، ورغم أنها تعلن عدم سعيها لمنافسة الولايات المتحدة عسكريًا، إلا أن حضورها البحري المتزايد يعيد تشكيل معادلات النفوذ في المنطقة.
وهذا المشهد الدولي المتغير، بكل تناقضاته، هو ما يدفع العواصم الخليجية إلى تنويع شراكاتها الدفاعية، وتكثيف أدواتها الذاتية، ليس فقط لحماية حدودها، بل للمساهمة في صياغة بيئة أمنية أكثر توازنًا واستقلالية.
الدبلوماسية الدفاعية بوصفها رافعة سياسية واقتصادية
تشهد الاستراتيجية الخليجية تطورًا واضحًا في استثمار القدرات العسكرية لتعزيز المصالح السياسية والاقتصادية، فمنذ عام 2020، ارتفع عدد التدريبات العسكرية المشتركة التي نظّمتها دول الخليج أو شاركت فيها بنسبة 40%، وهو مؤشر على اتساع دائرة التعاون الأمني كأداة لبناء تحالفات ميدانية وشراكات اقتصادية لاحقة، فقد شهد عام 2024 وحده، أكثر من 10 مناورات وتمارين عسكرية في مدة لا تزيد عن 60 يوماً في أوائل العام، وهي أكثر المناورات العسكرية المعلن عنها في الخليج مع دول شقيقة وصديقة، وبعضها بين قوات مجلس التعاون وبعضها الأخير على شكل مناورات منفردة، وركزت على تمارين عسكرية احترافية ومبتكرة تحت عناوين وأهداف كبيرة منها مكافحة الإرهاب، والحروب اللامتناظرة ضد العصابات والجيوش غير النظامية، والتمارين على مواجهة أسلحة الدمار الشامل مثل الأسلحة البيولوجية والنووية والكيميائية.

وقد أبرمت دولة الإمارات العربية المتحدة سلسلة متصاعدة من الاتفاقيات العسكرية مع الدول التي تنشط فيها اقتصاديًا، ما يعكس نمطًا واضحًا من الدمج بين النفوذ الاقتصادي والتوسّع العسكري، وغالبًا ما تبدأ هذه الاتفاقيات بمبادرات تدريب وتأهيل عسكري، ليتطور الأمر لاحقًا إلى تصدير أسلحة إماراتية، بل ونشر قوات ومعدات لوجستية في مناطق نزاع فعلي، ويتّضح هذا بجلاء في مشاركتها بعمليات قتالية ضد الجماعات المتطرفة في الساحل والصومال.
التعليم العسكري وبناء الشراكات الأمنية
أصبحت المؤسسات التعليمية العسكرية الخليجية عنصرًا محوريًا في استراتيجية بناء النفوذ بعيد المدى، حيث يبرز دورها في تأهيل نخب عسكرية إقليمية، وتوسيع علاقات التدريب مع شركاء استراتيجيين. قطر، على سبيل المثال، تفاوض على استضافة فرع لجامعة الدفاع التركية، ضمن تحالفها مع أنقرة مرتكزة على اتفاقية التعاون العسكري المشترك في 2017، بينما تضاعف السعودية بعثاتها العسكرية إلى أكاديميات النخبة في بريطانيا والولايات المتحدة، في خطوة تستهدف تكوين كوادر قيادية ذات ثقافة عملياتية غربية.
في السياق نفسه، أطلقت الكويت برنامجًا أكاديميًا مشتركًا مع فرنسا لتطوير المناهج العسكرية الوطنية، فيما دشنت الإمارات برامج تدريب في الأمن السيبراني، بالتوازي مع اتفاقيات استثمار في البنية التحتية الرقمية، وهو نمط يمثل نقطة التقاء بين بناء الكفاءات وتعزيز التأثير السياسي، إذ تُصبح كل بعثة تدريبية منصة لعلاقة ممتدة تتجاوز زمن الدورة أو حدود المعسكر.
وبينما يستمر التعاون مع الدول الغربية، تفتح بعض الدول الخليجية – بخاصة الإمارات – قنوات تعليم عسكري محدودة مع الصين وروسيا، لا سيما في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، هذا الانفتاح يعكس إدراكًا لحاجة العواصم الخليجية إلى تنويع مصادر المعرفة والتقنية، دون القطع مع الشركاء التقليديين.
ورغم الزخم المتصاعد في أدوات الدبلوماسية الدفاعية، تواجه دول الخليج سلسلة من التحديات التي تكشف عن فجوة بين التصور النظري والواقع الميداني، على سبيل المثال، تستمر التهديدات البحرية المرتبطة بالجماعات الموالية لإيران – وخصوصًا الحوثيين – في تقويض فعالية التحالفات البحرية، مثل “تحالف الأمن البحري الدولي”، ما يُخضع مصداقية المبادرات الخليجية لاختبار فعلي، وتأتي هذه التحديات في ظل غياب منظومة ردع بحرية موحدة قادرة على تأمين الممرات الاستراتيجية بشكل مستقل وفعّال.
نحو تحالف دفاعي خليجي مشترك؟
تتزايد المؤشرات على أن الدبلوماسية الدفاعية الخليجية تتجه نحو مزيد من التمأسس، مع بروز سيناريوهات لإنشاء قوة بحرية خليجية موحدة تعنى بتأمين خطوط الملاحة، خاصة في البحر الأحمر ومضيق هرمز، كما تُطرح فكرة تأسيس “تحالف دفاعي عربي” بقيادة خليجية باعتباره البديل الواقعي لمقترح “ناتو دفاعي عربي”، وسط مشاورات غير معلنة تضم مصر والأردن وبعض الدول الإفريقية القريبة من المحور الخليجي، وهي مشاورات تتبناها المملكة السعودية.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل استمرار التعاون المؤسسي بين دول مجلس التعاون الخليجي وحلف شمال الأطلسي (ناتو) عبر مبادرة إسطنبول للتعاون، التي انطلقت في 2004 بمشاركة كل من الكويت والبحرين وقطر، وانضمت إليها الإمارات في 2005، وقد شكّلت هذه المبادرة منصة استراتيجية لتطوير برامج مشتركة في مجالات التدريب العسكري، وإدارة الأزمات، والأمن البحري، والدفاع السيبراني، واكتسبت العلاقة زخمًا إضافيًا مع افتتاح المركز الإقليمي للناتو في الكويت عام 2017، ليكون بمثابة نقطة وصل بين الحلف والدول الخليجية، وتُظهر هذه الشراكة أن دول الخليج، رغم سعيها لبناء تحالفات مستقلة، ما زالت ترى في الناتو حليفًا أمنيًا موثوقًا، يمكن أن يُكمّل الجهود الإقليمية ولا يتعارض معها.

في السياق نفسه، تواصل السعودية ضخ استثمارات ضخمة في مشروع “SAMI” لزيادة نسبة التصنيع العسكري المحلي بنسبة 60% بحلول 2028، بينما تراهن الإمارات على جمع الابتكار بالتكامل عبر منظومة EDGE، التي باتت منافسًا آسيويًا فاعلًا في مجال الطائرات المسيّرة والأنظمة غير المأهولة، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في كمّ القواعد أو العقود، بل في القدرة على موازنة شبكة العلاقات المتشابكة، فكيف يمكن للدول الخليجية أن تحافظ على عمق شراكاتها مع واشنطن وباريس، وفي الوقت ذاته تُفعّل مسارات تعاون أمني وتقني مع بكين وموسكو، دون أن تفقد موثوقيتها الاستراتيجية أو تتورط في محاور متعارضة؟ هذا هو سؤال الاستدامة الحقيقي.
وختامًا تشكل الدبلوماسية الدفاعية الخليجية في 2025 نموذجًا متقدّمًا لتوظيف القوة العسكرية خارج ميادين الحرب، عبر آليات تراوح بين التدريب، والتعليم، والصناعة، والتمركز الجغرافي؛ لكن فعالية هذا النموذج مرهونة بمدى قدرته على تجاوز التناقضات القائمة، وتحقيق التوازن بين المصالح الأمنية والشرعية السياسية، وإذا نجحت دول الخليج في تحويل هذه الأدوات إلى قوة ذكية متكاملة، فإنها قد لا تكتفي بتأمين محيطها، بل تسهم في إعادة تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية وفق قواعد أكثر استقرارًا واستقلالية.