تقارير

التشرذم الأمني في اليمن: هل للجيش اليمني دور في المرحلة القادمة؟

عنصر من القوات المسلحة اليمنية

مع سيطرة مجموعات عسكرية محلية على الوضع الأمني في اليمن لأكثر من 14 سنة، يبرز دائمًا السؤال حول الواقع الحالي للجيش اليمني ودوره في أي خارطة سياسية للمرحلة القادمة. وقد انقسم الجيش اليمني عمليًا عام 2015 إثر الانقلاب الذي قادته حركة أنصار الله (الحوثيين) بالتعاون مع الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، والذي امتد حكمه من 1990 حتى 2012. وقد سيطر الحوثيون مع المنشقين من الحرس الجمهوري اليمني على العاصمة صنعاء، واحتجزوا في وقت لاحق الرئيس اليمني حينها عبد ربه منصور هادي. منذ تلك اللحظة لم تعد القوات المسلّحة كياناً موحداً، وتمّ الاعتماد على مجموعات مسلّحة مناطقية أو أيديولوجية أو قبلية لإدارة المشهد الأمني والعسكري بشكل مباشر. وقد تشكّلت بعض هذه المجموعات لا بداعي أيديولوجي بل استجابة للواقع الأمني المستجد وللحاجة الملحة لمواجهة التمدّد الحوثي وانقلابه على السلطة من جهة، ومواجهة النشاطات الإرهابية الممثلة بتنظيم القاعدة من جهة أخرى. وبعد الأحداث السياسية الأخيرة بداية 2026، وسيطرة القوات التابعة لمجلس القيادة الرئاسي على معظم المناطق اليمنية، عاد السؤال حول أهمية إعادة النظر في دور الجيش اليمني في المرحلة القادمة وعن الخيارات المطروحة لدمج القوات المختلفة ضمن هيكلية جديدة للقوات المسلّحة اليمنية.

القوات المسلحة اليمنية قبل عام 2024

تزامنت عملية توحيد اليمن الشمالي والجنوبي في 1990 مع عملية تشكيل القوات المسلّحة اليمنية التي دمجت جيش الجمهورية العربية اليمنية (الشمال) وجيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (الجنوب). وقد تم الاتفاق على أن تتم عملية الدمج والهيكلة للقوات المسلحة خلال المرحلة الانتقالية التي نص عليها إعلان الجمهورية اليمنية، وتمتد هذه الفترة سنتين ونصف. وقد لاقى علي عبدالله صالح خلال تلك المرحلة عددًا من الانتقادات لتركيزه على تطوير الحرس الجمهوري كقوة خاصة تضاهي بقدرتها الوحدات الأساسية الأخرى كحرس الحدود أو القوات البرية أو القوات البحرية. وفق التقديرات، بلغ العدد الأقصى للأفراد المنتسبين للقوات المسلحة اليمنية حوالي 66,000 عنصر، بقدرات عسكرية محدودة معتمدة على الأسلحة السوفيتية التي ورثتها من الأنظمة السابقة. رغم ذلك استطاعت اليمن أن تصبح فاعلًا عسكريًا أساسيًا في المنطقة في 1995 حين استطاع الجيش اليمني فرض انتشاره في كامل المحافظات اليمنية. ورغم التحديات التي رافقتها، كانت عملية توحيد المؤسسة العسكرية في اليمن نموذجاً لعمليات الهيكلة ودمج القوات المسلّحة ضمن إطار سياسي واحد، يتخطّى سنوات من الانقسامات والصراعات المختلفة. تُعد الهيكلة التي بدأت عند الوحدة محاولة لبناء جهاز عسكري محترف تحت قيادة وطنية مركزية، وتم في ذلك الوقت وضع ترتيبات لدمج وحدات الجيش الشمالي والجنوبي، وإنشاء لجان مشتركة لوضع الخطط والتصورات المتعلقة بدور الفرق العسكرية المختلفة ودور كل منها، بدون أن يعني ذلك إنكار الولاءات الحزبية أو المناطقية التي ظلّت محط نقاش وتوتر دائم. وقد حافظ الجيش على تماسكه حتى في مواجهاته المستمرة مع تنظيم القاعدة منذ 1998 أو التمرّد الحوثي منذ 2004 أو الحركات الانفصالية الجنوبية منذ 2007.

علي عبدالله صالح مع أمين الحزب الاشتراكي خلال توقيع اتفاقية الوحدة عام 1990

بدأت الملامح الأولى لتفكك المؤسسة العسكرية في اليمن عام 2011 حين اندلعت تظاهرات مطالبة بتنحّي الرئيس علي عبدالله صالح. وقد ضمّت المظاهرات حينها عددًا من المجموعات التي كانت وما تزال جزءًا من الصراع اليمني الحالي كالحوثيين وحزب الإصلاح بالإضافة لمجموعات جنوبية متنوعة. أعقب ذلك عملية انتقالية رعاها مجلس التعاون الخليجي، والذي أفضت لتنحي علي عبدالله صالح ليشكّل عبد ربه منصور هادي، نائب الرئيس، حكومة وحدة وطنية. ورغم التحديات السياسية لهذه الحكومة، لم يتفكّك الجيش إلا بعد الانقلاب الذي قام به الحوثيون مع علي عبدالله صالح، الرئيس السابق لليمن والذي تنحّى عام 2012. ومع تصاعد النزاع في اليمن منذ 2015، دخلت المؤسسة العسكرية مرحلة التفكك العميق والتي أدّت لانفصال جزء من الجيش عن الحكومة المعترف بها دوليًا لينضموا لجماعة أنصار الله (الحوثيون) أو يشكّلوا مجموعات عسكرية مناطقية كالمجلس الانتقالي الجنوبي. وقد أطلقت دول الخليج، بالتحديد السعودية والإمارات، حملتها العسكرية “عاصفة الحزم” في مارس 2015 دعمًا لحكومة الوحدة الوطنية وفي محاولة لمواجهة الخطر الإقليمي والقومي الذي يشكّله خطر التمدد الحوثي أو نشاطات تنظيم القاعدة.

ومنذ هذا التفكك لم يعد من الممكن الحديث عن جيش وطني يخضع لحكومة الوحدة الوطنية، بل أصبحت المسؤوليات الأمنية موزّعة على مجموعات عسكرية مناطقية أو أيديولوجية، تتفاوت بقدراتها القتالية ومشروعها السياسي وعلاقاتها الخارجية. وقد التأمت معظم هذه المجموعات ضمن مجلس القيادة الرئاسي الذي تم تأسيسه عام 2022 ليقوم ” بإدارة اليمن سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا طوال المرحلة الانتقالية“. وكان الهاجس الأساسي لهذا المجلس هو مواجهة الحوثيين ضمن جبهة موحدة، وبدعم إقليمي مباشر من السعودية والإمارات، واللتان ساهمتا حينها بـ 3 مليارات دولار للبنك المركزي اليمني دعمًا لانطلاق المجلس.

المجموعات المسلّحة في اليمن

أفرز تفكّك الجيش اليمني بيئة أمنية ترتكز على اللامركزية فيما يخص الأمن المحلي، ولم يعد السلاح والمعدات العسكرية الثقيلة أو التدريب المحترف للعناصر محصورًا بيد مؤسسات الدولة. توزّعت هذه المسؤوليات الأمنية والدفاعية على جماعات متباينة المشاريع، ومتفاوتة في قدراتها التنظيمية وارتباطاتها الخارجية، وهنا نذكر أهم هذه المجموعات حاليًا.

١. قوات درع الوطن والقوات التابعة لمجلس القيادة الرئاسي

تشمل هذه القوات وحدات من الجيش اليمني السابق أعيد تنظيمها، إضافة إلى تشكيلات محلية وقبلية تعمل تحت مظلة الشرعية كقوات حماية حضرموت والتي تدعو لحكم ذاتي ضمن الدولة اليمنية. تتمتع هذه القوات بالاعتراف الدولي وبالدعم الخارجي، ما يمنحها غطاءً سياسيًا وعسكريًا مهمًا، ومن الناحية الدفاعية، تمثل هذه القوات الإطار الرسمي المفترض لإعادة بناء جيش وطني، رغم افتقارها حاليًا للانسجام العملياتي والرؤية المشتركة لمصير اليمن.

٢. جماعة أنصار الله (الحوثيون)

تمثل جماعة أنصار الله الفصيل الأكثر هرمية من حيث القيادة والسيطرة، وقد اعتمدت على زعامة عبدالملك الحوثي منذ 2004 بعد مقتل أخيه مؤسس جماعة أنصار الله. وتمتلك الجماعة هيكلًا عسكريًا شبه نظامي تطوّر من حركة تمرّد محلية إلى قوة مسلحة واسعة النفوذ. وتسيطر الجماعة حاليًا على العاصمة صنعاء وأغلب شمال اليمن ذي الكثافة السكانية، وتعتمد على مزيج من القوات البرية المنظمة والقدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة. عسكريًا، استطاعت استيعاب وحدات وخبرات من الجيش اليمني السابق، وتسعى لنموذج حكم مركزي بديل تُدمج فيه السلطة العسكرية بالسياسية والعقائدية.

٣. المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات التابعة له (تمّ حله في بداية 2026)

استطاع المجلس الانتقالي الجنوبي أن يصبح فاعلًا عسكريًا وسياسيًا أساسيًا منذ تأسيسه عام 2015، ويتمركز نفوذه في جنوب اليمن، خصوصًا في المراكز الحضرية والموانئ. وقد تركّزت عملياته العسكرية بوجه التنظيمات الإرهابية وجماعة أنصار الله بالإضافة لضبط الأمن والسيطرة الإدارية في عدن والمناطق الجنوبية. وسعى المجلس بحراكه السياسي ووجوده العسكري على تعزيز أهمية إعطاء حكم ذاتي لليمن الجنوبي ضمن إطار لامركزي أو فيدرالية يمنية.

٤. القوات المشتركة في الساحل الغربي

تتكوّن هذه القوات من تشكيلات عسكرية أكثر مهنية نسبيًا، كألوية العمالقة وقوات حرس الجمهورية، وتتركز عملياتها في الساحل الغربي ومحيط باب المندب. وترتبط هذه القوات بمجلس القيادة الرئاسي ولكن بوظيفة مأطرة ومحدودة تتعلّق بمواجهة الحوثيين ومنع سيطرتهم التامة على الممرات البحرية الحيوية. وبالتالي لا تحمل هذه القوات مشروعًا أيديولوجيًا واضحًا لإدارة الدولة ولا مشروعًا سياسيًا مغايرًا عن مجلس القيادة الرئاسي.

٥. الجماعات المتطرفة (القاعدة في جزيرة العرب وتنظيمات مشابهة)

تعمل هذه الجماعات خارج أي إطار وطني أو سياسي، وتستفيد من الفراغ الأمني والانقسامات العسكرية لتنفيذ عمليات غير متماثلة. لا تمثل هذه التنظيمات قوة عسكرية تقليدية، لكنها تشكّل تهديدًا مستمرًا لأي مشروع لإعادة بناء الدولة، إذ تقوّض الاستقرار وتستنزف الموارد الأمنية، كما تشكّل هاجساً للقوى الإقليمية والعالمية على حد سواء. وقد كثفّت دول الخليج حملتها للقضاء على تنظيم القاعدة في جزيرة العرب في السنوات الأخيرة ومنعتهم من إعلان إمارة إسلامية في اليمن على غرار الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).

القوى الإقليمية والدولية: مقاربات أمنية متعددة تجاه اليمن

لم تتشكّل هذه القوى نتيجة تباينات وتوتّرات محلية بل أيضًا استجابة لهواجس أو طموحات العديد من الدول. فموقع اليمن وتأثيره على أهم الممرات البحرية يشكّل هاجساً عند القوى الدولية كالصين والولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وبالإضافة لحرية الملاحة، فإن الدول الخليجية تعتبر أنّ تمدّد الفكر الإرهابي وتوسيع الحوثيين لقدرتهم العسكرية تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. ويمكن تلخيص الاهتمامات الخارجية ضمن 3 أنواع متداخلة.

الأول يتمحور حول الخطر على الأمن القومي، وتبرز عمان كإحدى الدول الأساسية التي تتوجّس من الواقع الأمني في اليمن، مسترجعة بذلك أحداث التمرّد في ظفار جنوب عمان، والتي كانت تستمد جزءًا من دعمها من جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية (اليمن الجنوبي). وتعتبر السعودية أيضاً أن حدودها الواسعة مع اليمن تجعلها حساسة تجاه أي تطور في الواقع السياسي والأمني، وقد شهدت السعودية في 2014 تسللًا لأفراد من تنظيم القاعدة في جزيرة العرب إلى محافظة شروة حيث فجّروا أنفسهم في مبنى المباحث العامة السعودية. ويبرز الهجوم الإرهابي بالمسيرات على منشآت أرامكو في 2019 كلحظة فاصلة رسخت للسعودية حجم تأثير الوضع الأمني في اليمن وأهمية معالجته. وتشترك الدول الكبرى كالصين والولايات المتحدة في خوفها من الحركات الإرهابية بالتحديد، واتساع نشاط هذه التنظيمات لنشر الفكر الإرهابي ضمن مجتمعاتهم.

ويتمحور الهاجس الثاني حول حرية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وقد شهد باب المندب توترات في السنوات الثلاث الماضية إثر استهداف جماعة أنصار الله للسفن التي تتعامل مع إسرائيل خلال الحرب الإسرائيلية على غزة. وتشترك معظم دول العالم هذا الهاجس، باستثناء إيران، التي ما زالت تعتبرها أحد أهم وسائلها في حرب لا-متناظرة مع الولايات المتحدة. وقد أطلقت الولايات المتحدة مع المملكة المتحدة حملة عسكرية ضد الحوثيين لمواجهة هجماتهم الصاروخية، فيما أكّدت الصين على أهمية حماية المضائق مع أهمية عدم عسكرتها.

أما الاهتمام الثالث فهو استراتيجي، تشترك فيه الإمارات العربية المتحدة، وتركيا، والسعودية، ومصر، وتسعى هذه الدول لحماية مصالحها الاستراتيجية الاقتصادية، ولذلك استثمرت هذه الدول ببناء الموانئ في الدول المحيطة بالبحر الأمر وجزره بالإضافة لعدد من الشراكات الاقتصادية والعسكرية.

وقد دعمت كل هذه الدول، بالإضافة لدعمها للشرعية، مجموعات مناطقية مختلفة ضمن رؤية هذه الدول للواقع في اليمن وأفق الحلول المتوقعة. وكانت معظم المقالات والدراسات الصادرة باللغة العربية أو الإنكليزية تستبعد حلًا قريبًا للواقع الأمني في اليمن، وتتوقع إما جمودًا أمنيًا طويلًا أو حربًا أهلية جديدة.

التقسيم الإداري والجغرافي للمحافظات اليمنية

هل يمكن للجيش أن يكون جزءًا من الحل

رغم غياب جيش يمني موحد فعليًا، لا يزال الجيش كمؤسسة حاضرًا من حيث الأفراد والخبرة والتقاليد العسكرية التي تم تشكيلها في الفترة الممتدة من 1990 حتى انقسامه في 2015. وحداته السابقة موزعة اليوم بين مختلف الفصائل والمجموعات المسلّحة، ما يجعله فاعلًا كامنًا يمكن أن يشكّل نواة لإعادة بناء دفاع وطني مشترك إذا توفرت الإرادة السياسية والأمنية. التحدي الأساسي لا يكمن في نقص الموارد البشرية، بل في الطريقة والمنهجية التي يمكن اعتمادها لتوحيد ودمج المجموعات المسلّحة ضمن إطار وطني واحد. ومن المهم لأي مبادرة محتملة أن تبني على التجربة السابقة لتشكيل القوات المسلّحة اليمنية، وهي تجربة راكمت 25 سنة من النجاحات والإخفاقات في تعاملها مع التركيبة السياسية والمجتمعية لليمن.

مع مطلع عام 2026، فرضت الأحداث السياسية واقعًا ميدانيًا مختلفًا حين سيطرت القوات التابعة لمجلس القيادة الرئاسي على الجزء الأكبر من اليمن. ويجري الحديث اليوم عن إعادة هيكلة لهذه القوات مع تشكيلات عسكرية جديدة ترعاها السعودية في محاولة منها لتغيير التشرذم الأمني خاصة على الصعيد القيادي. ولكن الإمارات العربية المتحدة ما تزال متوجّسة من سرعة هذه العملية لخوفها من تمدّد الحركات الإرهابية، وبالتحديد دور حركة الإصلاح، عبر إعطاء بعضهم شرعية ضمن التعيينات المحتملة. ورغم وجود الخلاف السعودي – الإماراتي حول رؤيتهم لليمن ومستقبله، يتفق الطرفان على أهمية إنهاء تشرذم المشهد الأمني الحالي في اليمن، والذي لا يعزز إلا موقف الحوثيين الذي يشاهدون الأحداث الحالية بصمت وترقّب.